|
|
* 183 صفحة من القطع المتوسط |
شاعرنا الإبداعي محمد المشعان الذي رحل عن دنيانا أودعها قبل رحيله ذخيرة ثرية من خلجات نفسه الشاعرة هي بالنسبة إليه وإلينا جميعاً بطاقة هوية لا تحتاج إلى تجديد لأنها متجدِّدة بعمقها وبصدقها وبدلالاتها الحية.. |
في رباعيته (بين المخلوق والخالق) يقول: |
عبودية الإنسان إما لخالق |
إذا ما أردت الرشد يمنحك الرشدا |
ويمنحك التأييد من دون منة |
عليك. ويعطيك المعزة والمجدا |
وإما لمخلوق إذا ما سألته |
من العيش قطميرا تجاهل أو صدا |
وصبَّ عليك اللوم أو صاح قائلاً |
خضعت لنا عبداً فداوم لنا عبدا |
لا عبودية لمخلوق حتى ولو أغرق وأغدق بعطائه.. العبودية وثاق ذل ومهانة.. وعن العمل والبناء يقول راحلنا: |
شيد. فأنت خليفة |
في الأرض تمتهن البناء |
واعمل وقد أيقنت أن |
الله يرزق ما يشاء |
لا بد من عمل، وإن |
أضحى نصيبك في خفاء |
لكن طلاقة قدرة الخلاَّ |
قد تنزفه بالعطاء |
دعوة إيمانية للعمل لا تنتظر المجهول.. ولا تتكل على ما سيأتي به الغيب.. العمل حصاد أمل.. وثمرة سعي.. ومحصلة جهد.. (الحياة بعد الموت) نظرة تقيم جسراً بين البداية والنهاية. |
الناس في هذي الحياة نيام |
تجتازهم في سيرها الأيام |
أرواحهم في الأسر. في أجسادهم |
فكأن ما خلف الحياة ظلام |
حسناً لو جاءت صياغة الشطر الأول من البيت الثاني على النحو التالي من أجل تلافي تكرار حرف الفاء.. أرواحهم أُسرت بقيد ركابهم ويقول: |
حتى إذا ماتوا رأوا ما لم يروا |
واستيقظوا وتداعت الأوهام |
وبدا لهم ما غاب عن إدراكهم |
واستيقنوا أن الممات قيام |
(الممات) ليس قياماً.. وإنما النشور.. أي البعث هو القيام.. |
(جهد العالم) يقول عنه شاعرنا: |
قالوا: هنالك من عالم |
خدم البرية باختراعه |
لكنه قد جانب الإيمان |
في شتَّى بقاعه |
أله جزاء المؤمنين؟ |
وإن تمادى في ضياعه |
قلنا له أجر الحياة |
وسوف يجزى بامتناعه |
مفردة (يجزي) يثاب.. ومفردة يجازى يعاقب.. يحسن أن يأتي الشطر الأخير هكذا.. ولقد يجازى بامتناعه.. من يعمل مثقال ذرة من الخير يره.. ومن يعمل مثقال ذرة من الشر يره.. هذا هو منطق العدل.. |
(دين السماحة) يقول في رباعيتها: |
لم ينشر بالسيف إسلامنا |
كما هذا بالقول مستشرق |
ولا سمت للغدر أعلامنا |
لأنها في سعيها أصدق |
واسأل.. فكم من القبط من ناطق |
و(الموسوعون) لنا ناطق |
لو كان ما كان.. كما أرجفوا |
لم يبق من ماضيهموا لاحق |
الفتح الإسلامي سلامي قام بالحكمة والموعظة الحسنة.. وقام على الإقناع وإشباع الروح البشرية بعدالته ومحاسنه.. مئات الملايين من المسلمين دخلوا الإسلام دون قطرة دم.. ودون هزة فم بعد أن وجدوا فيه خلاصهم من الوثنية والعبودية. |
(نفوس الظالمين) ترصد روح التمرد بالتي أشين. |
لو أنزل الله يا قومي ملائكة |
تهدي إلى منهج الخلاق من جهلا |
لقال قائل بعض الناس في صلف |
يارب أرسل لإصلاح الورى رجلا |
سجية في نفوس الظالمين. فإن |
أتى لهم رجل لم يتركوا الجدلا.. |
ولنا في قصة بني إسرائيل وغيرهم ممن خاصموا أنبياءهم ورسلهم خير مثال.. |
(حديث النفس) رباعية تأمّل: |
أقول لنفسي والهوى يجلب الهوى |
وفي جيد من أهوى تضيء القلائد |
أيا نفس إن العيش ما طال زائل |
وكل إلى حضن البسيطة عائد |
وما من فتى إلا ملاق حسابه |
وما منهموا الا على النار وارد |
فتُفزعُ نفسي والجوى يطرد الهوى |
وتعوِلُ ألحاني. وتبكي القصائد |
الحياة رحلة سفر.. قطار يعبر بنا المسافة.. فينا من ينزل في محطاته الأولى وفينا من ينتهي به المدى إلى محطاته الأخيرة.. والنهاية بداية رحلة جديدة إلى عالم آخر فيها من يكسب.. وفيها من يخسر.. حصاد الأولى يحدد مكان ومكانة الثانية.. |
(ادع بالحسنى) دعوة منه تذكِّرنا بالآية الكريمة {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...} (125) سورة النحل: |
يا أخا الدعوة يا صنو المفاخر |
لا تكن فظاً غليظ القلب. جائر |
ادع بالحسنى. فإن آنستَ رفضاً |
فاعف. واستغفر وحاور ثم شاور |
لو أراد الله بطشا ساقنا |
بعصا الغلظة ان رمنا الصغائر |
غير أن الله رحمان بنا |
عالم عن ضعفنا كل السرائر.. |
الدعوة الرافقة تفتح بوابة الاستجابة..والدعوة الجافة توحد منافذ السمع وتدفع إلى العناد.. ما أروع أن يكون خطابنا هادئاً يلامس شغاف القلب.. ويملأ الحياة بالحب.. |
(مشيئة الله..) ولا راد لمشيئته هكذا يتحدث: |
لا تقل سوف أفعل |
ذاك غيب مؤمّل |
ما ستأتي به غدا |
هو أمر مؤمّل |
علِّق القول بالمشيئة |
إن كنت تعقل |
قل: إذا شاء خالقي |
فأنا سوف أفعل.. |
الخالق يا شاعرنا الفقيد أودع لنا دستور حياة كاملاً متكاملاً فيه الأمر.. وفيه النهي.. فيه ما نسعد به أمرنا به.. وفيه ما نشقى به أمرنا بتجنبه. |
أعطى لنا العقل لنميِّز بين الطيب. والخبيث.. بين الهداية والغواية.. بين الإنسان الإنسان.. وبين الإنسان الشيطان.. بقي علينا حس الاختيار.. وحسن الاختبار من أجل الفوز بدرجات تؤهلنا إلى ما هو أمثل وأفضل. |
وعن القضاء والقدر تتحدث رباعية المشعان الإنسان: |
إن شاء ربك مدَّ الظل أنملة |
وإن أراد يمد الظل أميالا |
ولو اراد لأبقى الظل محتبسا |
لا يبرح الدهر إدباراً وإقبالا |
فلا تسل عن قضاء الله كيف أتى |
وإن رأيت قضاء الله قتالا |
لا يُسأل الله عمّا كان. كيف جرى؟ |
فاقبله. واصبر. ولذ بالصمت إجلالا |
حسبنا أن نؤمن بقضاء الله وقدره.. بمشيئته وإرادته التي لا راد لها.. لا نملك غير الإيمان .. في نعمائه شكر. وفي بلوائه أجر! |
شاعرنا الراحل اكتوى بجمرة البعاد: |
حلَّ النوى.. أواه ما أصعبه |
يا دمعة في مقلتي منجبه |
يا حسرة في الصدر مغروسة |
تنبع منها دمعتي الساربه |
استغفر الله.. فإن الجوى |
دمع يريح العين أن تسكبه |
والنأي بالموت معاد إلى |
(أم) لديها الصمت والأتربة |
الدموع من الأجفان تغسل الأحزان.. نعمة لا يدركها إلا أولئك الذين لا يقدرون على ذرفها وتحتبس داخل مآقيهم.. |
شاعرنا في لحظة حزن تماسك أمام رحيل من أحب. |
أحبكِ ليلى لا تذهبي |
أيا شمس أيامي لا تغربي |
فإن كان لا بد من نجعة |
إلى رحمة الله فلتذهبي |
لعل اصطباري أمام القضا |
على كثرة الصبر لم يجدِ |
وإني على رغم شوقي الفتي |
يضيق أمام القضا مهربي |
لا مهرب من قضاء الله.. لو كنا في بروج مشيّدة لما نجونا من القدر المحتوم.. هذه سنَّة الحياة قدوم.. ورحيل.. وعملية إحلال وإبدال.. يتحدث شاعرنا عن (عفن الفن).. قائلاً: |
تَساءَلُ العين عمّا جدَّ الأذن |
إذاك فن أخا الإعلام أم عفن؟! |
رفقاً أخا الفن بالأطفال إن لهم |
صحائف لم يخالط صفوها درن |
هل الفنون ارتقاء نحن نبدعه |
تبدو الثقافة فيه وجهه حسن؟ |
أم الفنون افتضاح لا يسوغه |
إلا رغائب فيها الناس قد فتنوا؟ |
هذا ما يقوله وقد مضى على رحيله سنوات وسنوات.. كيف به لو كان بيننا حيَّاً يُرزق وهو يشاهد أكثر من مائة قناة تلفزة عربية تبث من عفنها لا من فنها ما يخدش الحياء.. والذوق.. إنها الحرب الثقافية اللا أخلاقية الأخطر من حرب السلاح.. يريدون جيلاً جديداً تافها ومتسطحاً ديدنه فراغ.. واستفراغ بكل ما يخرجه من واقعه.. وهموم أمته.. وكرامة تاريخه.. |
|
لا تظلمن امرأً تغتابه أبدا |
الله رب الورى أدرى بما كسبوا |
لا يغريّنك بعض الشعر تنظمه |
تغتاب فيه. وقد يحلو لك الكذب |
ولا تكن مثل أقوام مجالسهم |
لأجل أكل لحوم الناس تنتصب |
إن يسمعوا الخير أخفوه وإن سمعوا |
شراً أذاعوا.. وإن لم يسمعوا كذبوا.. |
الغيبة. والنميمة. والكذب ثلاثية وباء قاتل لأي مجتمع.. كثيرة تلك الأمراض السلوكية التي ما فتئت تنتشر كالطاعون فتمزّق أوصال المجتمع الواحد.. قبل شاعرنا المشعان تحدث بنفس الشكوى شاعر آخر بقوله: |
لي حيلة فيمن ينم |
وليس في الكذب حيل |
من كان يخلق ما يقول |
فحيلتي فيه قليلة |
بل معدومة.! |
(نسل آدم) رباعية ذات دلالات مميزة.. وحس إنساني: |
خلقنا شعوبا يا اخي وقبائلا |
بهذا برانا الله كي نتعارفا |
فلا فضل للإنسان إلا إذا اتقى |
وكان تقاه ما استطاع مضاعفا |
وما دام أن الكل من نسل آدم |
وأنّا بأرض الله صرنا خلائقا |
فخير لنا أن نعمر الأرض مثلما |
أراد.. ليبقى العيش في الأرض وارفا |
خطاب يرفض التميز.. والتحيز.. والفوقية.. الناس كأسنان المشط لا فرق بين صغيرهم ولا كبيرهم.. ولا أبيضهم ولا أسودهم.. ولا عربيهم ولا عجميهم إلا بالتقوى.. بالتقوى وحدها يأتي التميز.. |
وللشعر الفني له رأي قد لا نتفق معه عليه |
الشعر إن تنظم به الفلسفة |
فذاك عندي من شديد السفه |
عنيت بالتجول في هذرهم |
فضقت بالهذر. ومن ألفه |
وعدت لاسقراطهم مقنعي |
ولا أبو قراط.. ومن خلّفه |
فقلت إن الشعر فن حوى |
ما يسعد الأشواق أن تعرفه |
الفلسفة علم لا يرقى إلى درجته إلا أولئك الذين يملكون عقولاً قادرة على التأمّل واستشراف الآفاق البعيدة.. واستغراق صور الحياة الخفية. في كل جامعات الدنيا للفلسفة كرسي لا يجلس عليه إلا من يملك النبوغ والموهبة الكبيرة.. |
(أعدوا لهم) دعوة للقوة واجبة: |
(أعدوا لهم) أمر من الله واضح |
فهل عندنا ما يبتغيه المكافح؟! |
أم الشأن في عرف الأعاريب منبر؟ |
وقولك: قال الأقدمون الحجاجح؟ |
ملأنا فجاج الأرض من قول (أخبروا) |
و(أنبأنا هاج هناك ومادح) |
فهلاَّ جعلنا من (أعدوا) بداية |
ليرهبنا عاد من الناس فاتح؟ |
من أراد لنا الشر لا يكون فاتحاً. ولا فالحاً.. وانما كالح أسود كالكحل.. |
(وفي خطبة الجمعة).. له معايير ومقاييس عقلانية تستبعد الإطالة.. |
إن كنت في جمعة خطيباً |
فاذكر ذوي حاجة. وشيبا |
ولا تطل في سياق وعظ |
فمكثر الوعظ لن يصيبا |
وعن الخرافة له رباعيات.. |
إذا سمعت حديثاً مال قائله |
إلى الخرافة فارفض قول راويه |
فالدين من كان لا يرضى لتابعه |
أن يهمل العقل في أسمى مراقيه |
الله جلَّ شأنه منحنا أعظم ما نملك.. ألا وهو العقل.. به نبصر.. ونتبصر.. ونفكر.. ونقدر.. إنه البصر والبصيرة والميزان.. وينتصر شاعرنا الراحل لحواء.. |
لا تغاضبها إذا غضبت |
لا تطلقها.. إذا اكتأبت |
إنها حواء.. عاطفة.. |
طالما من عطفها وهبت |
إنها حواء.. ديدنها.. |
وكلما استسهلتها صعبت |
إنها كالشمس مشرقة |
تُظلم الدنيا إذا غربت |
وتظل حواء مظلومة بحسابات الذين لا يقيمون وزناً للنصف الآخر الذي بدونه تفقد الحياة نكهتها ومذاقها.. |
(العولمة) في شعره لها رؤية: |
الكون ترهب في الغيب عولمة |
تبدي لحوناً وتخفي سورة الأسد |
ولست أعلم ما تعنيه عولمة |
لكنها في أحاسيسي كما النكد |
وقد سألت أناساً من بني وطني |
عنها فقالوا (ستلقى الرد بعد غد) |
فهيِّئ النفس. واقبل كل نضحت |
به عقول بني صهيون من عقد |
عرفنا العولمة.. عرفتنا بها من نفسها دون حاجة إلى سؤال أحد.. إنها عالمية الاقتصاد.. والثقافة. لصالح الأقوياء.. لا مكان فيها لضعيف.. |
وعن أوبة النفس له اعتراف وتوبة: |
قالت: أتنظم شعرا؟ قلت: أنظمه |
وانقض الغزل أحيانا وأبرمه |
وأركب الطيش مخدوعاً. وأوهمه |
إنى مع الطيش مفتوناً ألازمه |
والنفس فيها شعور الرفض تكتمه |
لأن ما كسبت يزداد علقمه |
لذا تؤوب.. ومن زادت مظالمه |
وعاد عن غيّه فالله يرحمه |
زيد.. وزينب: قصة جديرة بالإشارة إليها لأنها أذابت الفوارق بين الطبقات.. وعمّقت روح العلاقات |
ما لزيد أو زينب من خيار |
والرسول الكريم ليس يماري |
فابنة الأكرمين صارت لزيد |
وهو في علمها طليق إسار |
وغدت بعده إلى خير بعل |
حيث نالت بالصبر أزهى فخار |
|
له ذمة مثل المحيط فسيحة |
فما حلّ فيها عنده فمُحلَّل |
ترهل من فعل الزمان ضميره |
وجاء حساب النفس والليل أليل |
فما هدأت فوق الوطاء ضلوعه |
لأن قصير الوقت بالهم أطول |
فقام بردِّ المظلمات وفيرة |
وعاد إلى القرآن ليلاً يرتل |
حسناً فعل وأعاد ذمته إلى حجمها وصوابها.. |
(هوى النفس) وجدت هوى في شعره |
أطلقت يا نفسي عنان هواك |
وتبعت في درب الضياع بذاك |
ورأيت يا نفسي زهور متاهتي |
فوجدتها موفورة الأشواك |
يا نفس أنتِ بمقلتي أمارة |
وأنا لجهلي لا أطيع سواكِ |
ومع رباعيته ما قبل الأخيرة رأفة بالأبرياء.. |
نهبوا بلادك أيها المتغابي |
ودعوك يا مظلوم بالإرهابي |
وقد ادّعوا زوراً بأن إلههم |
أعطاهم الدنيا بغير حساب |
فاردع أخي عدوانهم بمثيله |
وازرع لردعمهوا حقول حراب. |
|
إن الأحبة يا أخي ذهبوا |
وغدا على آثارهم نثب |
والماكثون بعيدهم حزنوا |
والبعض في غفلاتهم طربوا |
فكأنما الدنيا لهم أبدا! |
وكأن تاريخ الورى كذب! |
وكأننا جئنا بلا سبب |
وكأننا نمضي ولا سبب |
ها هو شاعرنا محمد المشعان في رباعياته وقد مضى بسبب إلى رحاب ربه.. منحنا بعد رحيله رحلة حياة مفعمة بالروح الإيمانية.. تنم عن وعي يقيني.. ووعي اجتماعي له مذاق الطرفة والظرف.. رحمه الله رحمة واسعة. |
الرياض ص.ب 231185 |
الرمز 11321 |
فاكس 2053338 |
|