* الدكتور: عبدالله الطبيش - وكيل جامعة الملك فيصل :
سعت المملكة كغيرها من الكثير من الدول الأخرى إلى إعادة ومراجعة نظام واستراتيجيات الرعاية الصحية بشكل دوري لسد الثغرات في هذا القطاع الحيوي المهم. وقد لعب القطاع الصحي دوراً مقدراً ومميزاً في إذكاء الدور الإنساني الذي ظلت المملكة تلعبه في العديد من الجوانب الاقتصادية والسياسية والمصرفية، مما جعلها تحظى بلقب مملكة الإنسانية.
ولديمومة هذا التميز، يجب علينا أن نسارع الخطى في تحقيق التوازن في معطيات مخرجاته وفتح المجال للآراء الجريئة للارتقاء به وتدعيم ركائزه.
وفي هذه الدراسة، نحاول إلقاء الضوء على كافة جوانبه واستقصاء أهم ما يعاني منه.
أولاً: الرعاية الصحية في المملكة
تعاني بلدان العالم أزمة في مجال الخدمات الصحية التي تختلف في مضمونها وطبيعتها في بلد إلى آخر، وهذا يؤكد على صعوبة تقديم الرعاية الصحية وخصوصاً في ظل تعدد مقدمي الخدمة، لذا فإن كثيراً من الدول ومن ضمنها المملكة العربية السعودية تعيد وتراجع نظام وإستراتيجيات الرعاية الصحية بشكل دوري لسد الثغرات في هذا المجال.
وإن ما حدث ويحدث في المملكة من مراجعة لإستراتيجيات الرعاية الصحية وتحديث نظمها وتفعيل جميع مقدمي الخدمة للوصول إلى حالة العدل والإنصاف والفاعلية في نظام الرعاية الصحية كهدف أساسي للحكومة الرشيدة في ظل كثير من المتغيرات والظروف ومن أهمها:
التكلفة المتصاعدة للرعاية الصحية، وعدم وضوح المردود لهذه التكلفة، وتناقص وشح الموارد (البشرية والمالية)، والتغيرات الديموغرافية والمجتمعية، والتغيرات البيئية، والتعقيد الإداري والفني المتزايد للخدمات الصحية، وتدريب وتطوير وتأهيل القوى البشرية.
وحيث إن الرعاية الصحية في المملكة تقدم من خلال الرعاية الأبوية من قبل الدولة لجميع المواطنين والمقيمين حسب ما جاء في النظام الأساسي للحكم، وتقدم هذه الرعاية عن طريق توفير الخدمات الصحية للمواطنين عن طريق:
- وزارة الصحة، وزارة الدفاع والطيران، وزارة التعليم العالي (الجامعات).
- الحرس الوطني، وزارة الداخلية، المستشفيات التخصصية.
- القطاع الخاص والمستشفيات الخاصة مثل (أرامكو والهيئة الملكية بالجبيل وينبع)، بمستوياتها الثلاثة:
1- الرعاية الأولية (المراكز الصحية).
2- الرعاية الثانوية (المستشفيات المجتمعية).
3- الرعاية الثلاثية (المستشفيات التخصصية).
وقد تم التأكيد على أهمية دور الرعاية الصحية الأولية في نهاية القرن الماضي، بصدور الأمر الوزاري في 17-8- 1400هـ رقم 275-1459-50 بتكوين المراكز الصحية للرعاية الأولية وذلك بدمج المستوصفات والمكاتب الصحية ومراكز الأمومة والطفولة إلى مراكز الرعاية الصحية الأولية، وتم إنشاء برنامج مشروع (2000) مركز صحي تحت مسمى مشروع خادم الحرمين الشريفين لمراكز الرعاية الصحية الأولية، الذي بدوره واجهته بعض من المعوقات في تأمين القوى البشرية نظراً للنقص الحاد في هذه الموارد وكذلك المواقع المناسبة.
أما الخدمات العلاجية فتقدم من خلال المستشفيات المجتمعية والتخصصية من الجهات المذكورة أعلاه. وأهم مقدمي هذه الخدمة وزارتا الصحة والدفاع والحرس الوطني والجامعات السعودية وزارة الداخلية.
وبناءً على طلب من وزارة الصحة قام البنك الدولي بتقديم دراسة شاملة عن احتياجات المملكة للرعاية الصحية، كما قدم مجموعة من التوصيات. إن أهم ملامح نظام الرعاية الصحية هو:
- الاعتماد على الخدمة الحكومية 80% وزارة صحة، قطاعات حكومية أخرى، 20% قطاع خاص.
- إن الحاجة الآن هي تقديم خدمات الرعاية الحرجة - الرعاية الحادة- الرعاية العيادية للمرضى الراجلين، الرعاية الطويلة الأمد والمنزلية وكذلك التأهيل حسب الشكل رقم (1).
- اختلاف الديموغرافيا وكذلك التقنية أدى إلى اختلاف في نوع الرعاية الصحيحة وبالتغطية الصحيحة.
- تعدد مقدمي الخدمة مع نقص المعايير المهنية الحاكمة والمحكمة لتقديم الخدمة من خلال المؤسسات المهنية المستقلة.
- نقص وشح الموارد المالية الداعمة للبحث الطبي والصحي.
- علو التكاليف التشغيلية لتقديم الخدمة الطبية من خلال منافذ الخدمة.
- عدم توطين التقنية الطبية وتقنية المعلومات.
وإن المراجعة النقدية للموارد الصحية وحسب إحصاء 1426هـ الصادر من وزارة الصحة يشير إلى:
- عدد المستشفيات العامة بالمملكة عام 1426هـ (وزارة الصحة 218-الإجمالي 379).
- مجموع الأسرة بالمستشفيات (وزارة الصحة 30489-الإجمالي 53192) بمستوياتها المختلفة.
- معدل الأسرة لكل 1000 (وزارة الصحة 1.32- الإجمالي 2.3).
- عدد الأطباء: (وزارة الصحة 20219 - الإجمالي 43348).
- معدل الأطباء لكل (1000) نسمة (وزارة الصحة 0.84 - الإجمالي 2.06).
- إجمالي التمريض: (وزارة الصحة 30579- الإدمالي 79994).
- معدل التمريض لكل1000 (وزارة الصحة 1.87- الإجمالي 3.47).
- الكليات الصحية: (وزارة الصحة 25- الكلي 32).
- كليات الطب: (وزارة الصحة 1- الكلي 15).
وبمراجعة الإحصائيات الخاصة للمستشفيات الجامعية بالمملكة العاملة الآن وهي:
- مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض (758) سريراً.
- مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي بالرياض (104) أسرة.
- مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر (430) سريراً.
- مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة (465) سريراً.
فإن وزارة التعليم العالي تلعب دوراً مهماً من خلال الجامعات المالكة لمستشفيات جامعية في تقديم الخدمات الصحية العلاجية، بل إن دور هذه المستشفيات يتعدى ذلك إلى أهم مورد من الموارد ألا وهي الموارد البشرية القادرة على توطين التقنية والبحث العلمي تحقيقاً للأهداف الإستراتيجية لخطة الدولة التنموية.
ونظراً لتنامي أعداد كليات الطب بالمملكة والذي أصبح لدينا الآن 13 كلية طب موزعة كالتالي:
جامعة الملك سعود -جامعة الملك فيصل -جامعة الملك عبدالعزيز- جامعة الملك خالد- جامعة القصيم- جامعة أم القرى- جامعة الطائف- جامعة طيبة- جامعة الباحة- جامعة تبوك- جامعة الجوف- جامعة الملك سعود للعلوم الصحية- جامعة جازان- جامعة حائل- جامعة نجران- جامعة الإمام محمد بن سعود. وإذا تمت الموافقة على إنشاء مستشفى جامعي لكل كلية من الكليات المذكورة فإن نسبة الخدمات الطبية المقدمة من المستشفيات الجامعية سترتفع إلى أكثر من 8000 سرير، مع العلم أن مجموع ما تمثله المستشفيات الجامعية في الوقت الحالي هو أقل من 1.3% من مجموع المستشفيات، وأقل من 5% من مجموع الأسرة، وأقل من 5% من مجموع حالات الخروج مع أن النسب العالمية في عام 1999م (من 3%-10%-11%) على التوالي وبنهاية العقد الحالي سترتفع إلى 4-12-13%. إن الحاجة لزيادة عدد المستشفيات الجامعية لا يزال قائماً في ظل النقص الحاد للموارد البشرية في المجال الطبي والصحي وفي الزيادة المتواصلة في عدد السكان في المملكة العربية السعودية وازدياد الاحتياجات الصحية (جدول رقم6) مع التغير المتسارع في النظام الصحي في المملكة العربية السعودية وكذلك على مستوى العالم في ظل العولمة.
ثانياً: المستشفيات الجامعية بالمملكة
إن رسالة المستشفيات الجامعية بالغة الأهمية، لأنها هي الممول الأساسي لجميع المستشفيات بالقوى البشرية في شتى فروع الطب والصحة وما يتبعها، بل إن رسالة هذه المستشفيات تذهب لحد نشر المعرفة العلمية الطبية والرفع من مستوى التعليم الطبي في مراحله المختلفة (جامعية ودراسات عليا وتعليم طبي مستمر، لتخريج أطباء الغد والمحافظة على المستوى العلمي والمهاري والمعرفي لديهم مما يتطلب دعم الأبحاث الطبية في مجالاتها المختلفة وفوق كل ذلك فإن المستشفيات الجامعية تعنى وتهتم برعاية المرضى من كل المستويات العلاجية وتتميز بأنها المرجعية للمرضى الأكثر مرضاً ووجود المتخصصين من أعضاء هيئة التدريس. وهذا هو حال المراكز الطبية الأكاديمية في دول العالم المتقدمة، كما أن أهداف المراكز الطبية الأكاديمية تنطلق من رسالتها وجوهر قيمها التي تؤكد عليها للمستفيدين منها. ويمكن تلخيص أهداف المستشفيات الجامعية في المملكة فيما يلي:
1- إعداد الكوادر اللازمة في مجالات الطب والعلوم الطبية والعلوم الصحية والتمريض والإدارة الصحية.
2- المشاركة الفعالة في وضع برامج التخصصات الصحية وبرامج التدريب والإشراف عليها.
3- إجراء البحوث الطبية المتميزة بغرض تطوير وتحسين الممارسات المهنية وتمكين طلبة الدراسات العليا في مجالات التخصصات الطبية الصحية المختلفة لإجراء بحوثهم التي كثيراً ما تكون ضمن متطلبات برامج التخصص. هذا علاوة على تسهيل جو البحث العلمي والإكلينيكي لأعضاء هيئة التدريس.
4- خدمة المجتمع من خلال توفير الوضع المثالي في كيفية رعاية المرضى مع تقديم القدوة الحسنة للمتدربين في المرحلة الجامعية وفي برامج التدريب ومن خلال تقديم التخصصات المتميزة في العلوم الطبية الأساسية أو الدقيقة تقليدية منها أو حديثة.
ويبلغ عدد المستشفيات الجامعية بالمملكة في الوقت الراهن 4 مستشفيات منذ أن بدأت المستشفيات الجامعية بالعمل عام 1974م بتحويل مستشفى الأمير طلال إلى مستشفى الملك عبدالعزيز والتابع لجامعة الرياض (حينها) الملك سعود الآن، وتبلغ عدد الأسرة التابعة للمستشفيات الجامعية ما يقارب 1757 سريراً والذي سيرتفع إلى 8000 سرير في حال فتح المستشفيات الجامعية الجديدة. ولقد اعتمدت الجامعات على تشغيل هذه المستشفيات وحتى الآن على نظام الخدمة المدنية وكذلك أنظمة ولوائح العمل الصحي مع أن وزارة الصحة قد تخلت تدريجياً عن هذا النظام وبدأت العمل بنظام التشغيل إما عن طريق الشركات أو عن طريق التشغيل الذاتي.
وإن استمرار الجامعات بتشغيل مستشفياتها بنفس نظام التشغيل المبني على نظام الخدمة المدنية ولوائحه الصحية جعل القدرة التنافسية لديها على استقطاب الكوادر الصحية القادرة على تقديم الخدمة وكذلك إيجاد محيط طبي تعليمي للطلاب غير ممكن، وأدى إلى تسرب أعضاء هيئة التدريس للجهات الأخرى، كما أن إيجاد بعض الحلول بالسماح بإيجاد مراكز الأعمال بالمستشفيات والسماح لأعضاء هيئة التدريس للعمل كتفرغ جزئي خارج المستشفيات الجامعية كحلول أدت إلى التأثير السلبي على العملية التعليمية في المستشفيات الجامعية ودور عضو هيئة التدريس كقدوة حسنة ومثال يحتذى به.
من هنا قامت وزارة التعليم العالي في عام 2002 بتوقيع اتفاقية مع شركة بارتنر التابعة لجامعة هارفارد لدراسة إعادة بناء وهيكلة المستشفيات الجامعية من المنطلقات التالية:
1- حاجة المملكة للتقليل من التكاليف العالية المرافقة للإنفاق الصحي على مستوياته المختلفة وكذلك في قطاعاته المختلفة وآليات تطبيقه المختلفة.
2- تحديد رغبات واحتياجات الخدمات الصحية في المملكة العربية السعودية في ظل التغييرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.
3- دخول المملكة ضمن منظومة التجارة العالمية (W.T.O) وانطلاق نظام الضمان الصحي التعاوني الذي يتوقع أن يكون سوقه بعد خمس سنوات 4-5 بليون ريال سعودي وما تلا ذلك من عولمة الخدمات الصحية.
4- المنافسة على الموارد البشرية سواءً على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي.
5- شح الموارد الصحية البشرية المدربة والمؤهلة محلياً -إقليمياً- عالمياً.
6- التأكيد على دراسة رشادة الإنفاق وحسن تدبيره وتصريفه بدلاً من الطلب في الزيادة بالمحافظة على الجودة والتميز في تقديم الخدمة ومراقبة التكاليف مع تحليلها. (Cost Effectiveness and Cast Analysis).
7- التغير الديموغرافي للبلاد وزيادة عدد السكان (جدول رقم 1، ورقم 3، ورقم 6، ورقم 7).
8- دراسة القوى العاملة السعودية وتدريبها وتأهيلها (جدول رقم 5).
9- آلية رفع مستوى أعضاء هيئة التدريس بكليات الطب وكليات العلوم الطبية وآلية الاستقطاب ووضع سياسات الإبقاء مع التطوير Retention وحسب المعايير العالمية.
إلا أن هذه الدراسة توقفت على الرغم من موافقة المقام السامي القيام بها نظراً لظروف 11 سبتمبر 2003م مع أن الحاجة لمثل هذه الدراسة ما زالت ضرورية في ظل المتغيرات التي ذكرت سابقاً.
وإن الحاجة لدراسة دور المستشفيات الجامعية أو المراكز الطبية الأكاديمية أصبحت ضرورة كجزء من نظام الرعاية الصحية ولحل مشكلة الموارد البشرية الصحية، فلقد قامت في كثير من دول العالم المتقدمة بمثل هذه الدراسة، ففي عام 2001م قامت الأكاديمية الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة بالمعهد الطبي بدراسة هذا الموضوع دراسة مكثفة ووصلت إلى مجموعة من التوصيات أهمها:
أ- إن المراكز الطبية الأكاديمية وعلى المستوى العالمي هي المراكز القيادية في عملية تقديم الخدمة الطبية التخصصية وكذلك دعم الموارد البشرية الصحية وتعزيز مستواها من خلال التعليم والتدريب، كما أنها الداعم الأساسي للأبحاث، على الرغم من أن هذه المستشفيات والمراكز الصحية لا تمثل إلا 3% من مجموع مستشفيات على مستوى الدول العاملة بها.
ب- إن الساعين للحصول على خدمة المراكز الأكاديمية يزداد يوماً بعد يوم نظراً لانبعاث الوعي لدى المستفيدين من أن المراكز الأكاديمية ومن خلال تسلسل الخدمة تؤكد على مستوى الجودة الذاتية والمراجعة، فبالرجوع إلى إحصائيات المستشفيات الجامعية بالمملكة سنرى أن المستشفيات الجامعية تقوم بدور كبير وكمثال (مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر) فإن عدد زيارات المرضى للعيادات الخارجية هو 369431 لعام 1426هـ، وأن عدد المرضى المنومين هو 12945، وأن عدد العمليات هي 4385، وعدد الولادات هي 1851، وذلك حسب الكتاب الإحصائي لوزارة الصحة لعام 1426هـ.
ولعل سبب هذا الزخم من المراجعين هو:
- موقع هذه المستشفيات.
- نظام أهلية العلاج.
- النوعية المستفيدة من الخدمة الأقل رزقاً والأفقر مالاً.
إن هناك الكثير من التحديات التي تواجه المراكز الأكاديمية والمستشفيات الجامعية لتقوم بدروها كمثال وكقدوة يحتذى بها في تقديم الرعاية، وأهم هذه التحديات:
1- إن دور المراكز الأكاديمية والمستشفيات الجامعية هو تقديم خدمة طبية تفي باحتياجات المستفيد وحسب المعايير العالمية للجودة وضمن عمليات الرعاية الطبية المقننة للرفع من صحة المستفيد والمجتمع.
2- رفع مستوى الخدمة الطبية والصحية من خلال إثراء البحث العلمي وخلق البيئة المناسبة للبحث العلمي وتطبيقاته العلمية والمعرفية.
3- تطبيق الممارسة المهنية ضمن المعايير المبنية على البراهين التي تساعد على بناء الأجيال الجديدة من الممارسين الصحيين في جميع المهن الصحية والطبية. لأن ما يقوم به أعضاء هيئة التدريس من الأكاديميين عند العمل الإكلينيكي هو جزء لا يتجزأ من العملية الأكاديمية الشمولية المؤدية إلى المستهدفات وكذلك المحققة لرسالة هذه المراكز.
4- التأكيد على أهمية بيئة العمل الجاذبة للممارسين الصحيين والباحثين ما هي جاذبة لطالبي الخدمة من خلال إعادة دراسة العلاقات المنظمة لأدوار المهن الصحية.
5- الاستثمار في العلوم المعرفية والتقنية الحديثة وخصوصاً تقنية المعلومات والاتصالات والتقنية القادمة مثل نانو تكنولوجي التي سترفع من مستوى الخدمة المقدمة وكذلك مستوى الخريج من هذه المؤسسات.
ثالثاً: المستشفيات الجامعية وتحديات التشغيل
ولازالت آلية تشغيل المستشفيات الجامعية في المملكة مبنية على التشغيل الحكومي من قبل الجامعة ويتم صرف موازنات هذه المستشفيات ضمن بنود الجامعة على الأبواب المختلفة للميزانية (الأول - الثاني - الثالث - الرابع) وحيث إن هناك الكثير من المتغيرات التي حدثت منذ تأسيس هذه المستشفيات غير واضح لدى صانعي القرار، بل إن هناك عدم معرفة بنوعية عمل المستشفيات الجامعية وأهميتها وما الهدف من إنشائها والخلط بين دورها كمراكز أكاديمية تعليمية بحثية ودورها كمقدم للخدمة الطبية ورعاية المريض، وقد تم دراسة هذا بناء على التوجيه الكريم رقم 1-47-م وتاريخ 14-6-1419هـ وتم ملاحظة ما يلي:
1 - زيادة الضغط على المستشفيات الجامعية كأحد المنافذ المهمة لتقديم الرعاية الصحية والطبية وكمصدر أساس لتزويد المجتمع بالموارد البشرية في التخصصات الطبية والصحية عن طريق دورها التعليمي والتدريبي.
2 - تداخل الميزانية الخاصة للمستشفيات مع ميزانيات الجامعات.
3 - أهمية دور المستشفيات الجامعية كمركز أساس للتعليم والتدريب لطلاب كليات الطب والعلوم الطبية والتمريض.
4 - تسرب العاملين في المستشفيات الجامعية من أعضاء هيئة التدريس وأطباء ومهنيين صحيين وكادر إداري إلى القطاع العام المشغل عن طريق التشغيل الذاتي أو القطاع الخاص؛ نظراً لنقص الرواتب وكذلك نظام التعويضات والمنافع.
5 - نقص أعداد العاملين لخدمة السرير مقارنة بالمستشفيات الحكومية الأخرى سواء المجتمعية المركزية أو التخصصية على الرغم من تحمل هذه المستشفيات دورها في عمليتين (تعليمية وعلاجية) مع المحافظة على الخصوصية المجتمعية منعاً للمشاكل التي تثار في مثل هذه البيئات.
6 - إن للمستشفيات الجامعية السبق في الأبحاث الطبية والصحية.
وقد توصلت اللجنة في حينه إلى أهمية أن يتم تشغيل هذه المستشفيات تشغيلاً ذاتياً.
كما تبين أن هناك الكثير من المعوقات التي تواجه المستشفيات الجامعية من خلال الدراسة التي قدمتها كلية الطب بجامعة الملك فيصل عام 1419هـ وأهمها:
أ - مشاكل الهيكلة والتوصيف والتبعية الإدارية وعدم وجود لوائح موحدة لنظام المستشفيات الجامعية.
ب - مشاكل التمويل وما يتبع ذلك من نقص في تقديم الخدمة.
ج - مشاكل التوظيف والموارد البشرية، مثل:
- ساعات العمل المطلوبة لكل فئة عاملة بالمستشفى من أطباء وممرضين وإداريين وخدمات طبية مساعدة.
- عدم رعاية البحث العلمي السريري.
- السعودة والحاجة لتأهيل الكوادر الجديدة.
- توزيع نسب الأطباء الخدميين للأطباء الأكاديميين.
د - دور أعضاء هيئة التدريس من العمل الخدمي وكذلك العمل الأكاديمي وأهمية وضع وصف وظيفي يتم فيه تحديد المهام والامتيازات المهنية، وتحديد المكافآت المادية.
هـ - العمل كاستشاريين غير متفرغين والعمل كاستشاري بالمستشفى الجامعي وهل هناك تضارب في المصالح.
و - تدني مرتبات العاملين في المستشفيات الجامعية مقارنة بأقرانهم في المستشفيات الأخرى وما يصاحب ذلك من صعوبة في استقطاب الكوادر المميزة.
ز - التوجه نحو هيكلة القطاع الصحي مع دخول المملكة ضمن منظمة التجارة العالمية WTO في ظل العولمة Globalzaition .
ذ - إن التعليم الطبي عملية ديناميكية تحتاج للكثير من المرونة الإدارية لإيجاد التطوير والاستمرار فيه.
ولكي نتجاوز هذه المحاذير والمخاطر والمعوقات وتأكيداً لرسالة وأهداف المستشفيات الجامعية كمراكز تنوير وتطوير وتعليم وتدريب وبحث علمي وخدمة مجتمع فإننا نقترح:
1 - أهمية تشغيل المستشفيات الجامعية تشغيلاً ذاتياً تحت إشراف الجامعة التي يتبع لها المستشفى.
2 - تكوين منظومة للمستشفيات الجامعية تكون من ممثلين لكل الكليات المعتمدة في مناهجها على تدريب طلابها في المستشفيات الجامعية، وتكون مهمتها السعي لتحقيق رسالة وأهداف المستشفيات الجامعية من خلال الوسائل والنشاطات التالية:
أ - تجميع وتوحيد المقاييس الواجب توفرها في المستشفيات الجامعية.
ب - وضع لائحة موحدة للمستشفيات الجامعية والمستشفيات التابعة لوزارة التعليم العالي.
3 - التعجيل بإنشاء مستشفيات جامعية جديدة لسد احتياج كليات الطب وكليات العلوم الطبية الحالية والمستجدة وهذا يتطلب كثيراً من الوقت والجهد والمال.
4 - تبني تطوير وإعادة تأهيل بعض من المستشفيات الحكومية بما يتلاءم مع معايير المستشفيات الجامعية وخصوصاً إذا علمنا أن كثيراً من المستشفيات المذكورة مؤهلة من الناحية الإنشائية والبنية الأساسية لأن تكون مستشفيات جامعية، ويتطلب ذلك بعضاً من إعادة الهيكلة ووضع برامج تأهيلية للجودة الشاملة، كما حدث في مستشفى الملك فهد الجامعي وضمها تحت مظلة واحدة تحت مسمى الهيئة الوطنية للمستشفيات الجامعية وتشغل ذاتياً.
لذا فإن كلتا الدراستين توصلت إلى الحاجة بأن يتم تشغيل المستشفيات الجامعية تشغيلاً ذاتياً.
رابعاً: التشغيل الذاتي
ولتعريف المقصود بالتشغيل الذاتي يمكن القول بأنه إدارة وتشغيل المستشفيات الجامعية بواسطة إدارة مستقلة عن إدارة الجامعة المباشرة وخارج أبواب الميزانية المعتمدة وتحت إشراف الجامعة لتقديم الخدمة الطبية، وكذلك تجهيز وتحضير البيئة الصحيحة للتعليم والتدريب والبحث أسوة بما تم في المستشفيات الأخرى (الحرس الوطني - الصحة - الدفاع) ضمن برنامج معتمد لدى وزارة المالية تحت الباب الثالث (التشغيل)، مع التأكيد على الفصل بين إدارة وتشغيل كليات الطب من تشغيل إدارة المستشفيات الجامعية، حيث إن المستشفى هو جزء من مركز طبي أكاديمي يتكون من:
- الكليات الطبية والصحية.
- المستشفى الجامعي.
- المراكز الصحية.
والتي تخدم العملية التعليمية والتدريبية للكليات الطبية والصحية كالطب والتمريض والصيدلة والإدارة والعلوم الطبية.
إن التشغيل الذاتي يتطلب أن يتم تطبيق نظام التأمينات الاجتماعية بدلاً من نظام معاشات التقاعد على العاملين بالمستشفى بعقد دائم أو مؤقت، أما أولئك الذين يقومون بالعمل ضمن الهيئة الأكاديمية في الجامعة، فيتم التعاقد معهم تحت مظلة نظام التفرغ الجزئيPart Timeوبهذا الأسلوب سيتم الحد من تسرب الأطباء وغيرهم من العاملين الصحيين من أعضاء الهيئة الأكاديمية، ويعطى ذلك ما يسمى بالرعاية الطبية المستمرة والتي هي بدورها أساس من أساسيات الاعتماد للخدمة الطبية للمؤسسات الصحية حفاظاً على سلامة المستفيد، كما أنه بالإمكان التعاقد مع العاملين بالعمل الإكلينيكي كأكاديميين إكلينيكيين للتدريس والتعليم والتدريب كما هو معمول به عالمياً.
وإن من أسباب نجاح التشغيل الذاتي ما يلي:
1 - توفر العدد الكافي من الاستشاريين والخبراء من أعضاء هيئة التدريس والباحثين كمصدر أساس للقوى والموارد البشرية.
2 - نزع الازدواجية وتضارب المهام بين الخدمات الطبية ورعاية المريض عنها من المهام الأكاديمية لأن أهم أسباب النجاح هو تحديد المهام لقياس مستوى الإنتاج والمساءلة عن التقصير.
3 - استقطاب كفاءات طبية ومهنية وإدارية متميزة للعمل بإدارة المستشفيات الجامعية من الداخل أو الخارج والمساعدة على توطين المعرفة وكذلك التقنية في صناعة الرعاية الصحية في ظل العولمة، ومع دخول نظام الضمان الصحي ووجود المنافسة في استقطاب مثل هذه الكفاءات.
4 - استقلالية القرار وتوفر الصلاحيات لإدارة المستشفى كما هو الحال بالأماكن الأخرى.
5 - تحديد منافذ الصرف من خلال برنامج التشغيل في المصارف المقرة مسبقاً مع وزارة المالية حسب المحاضر المعدة من قبل وزارة المالية.
6 - توفير بيئة عمل سليمة للمستفيد من المراجعين وكذلك العاملين وتنمية ذلك لدى الطلاب والمتدربين من خلال وجود هذه البيئة.
7 - الرفع من مستوى مخرجات التعليم الطبي والتدريب، وكذلك تعليم المهن الصحية من حيث العدد وكذلك من حيث الجودة لوجود بيئة تعليمية سليمة.
8 - استقطاب الكوادر البشرية حسب المعايير العالمية وليس حسب أنظمة الخدمة المدنية.
9 - المساعدة على الرفع من نسب إشغال الأسرة والاستخدام الأمثل لها.
ولعل المحاذير والمخاطر التي ستواجه الجامعات عند تطبيق ذلك هي:
1 - نقص الكوادر البشرية ذات الخبرة في التشغيل الذاتي لدى الجامعة.
2 - عدم قبول التغيير من قبل الإدارات البيروقراطية.
3 - الازدواجية والتداخل في التطبيق مع بداية العمل.
4 - تضارب المصالح لدى بعض أعضاء هيئة التدريس، مما سيؤدي إلى رفض هذا المقترح خصوصاً من لديه عيادات خاصة أو مشارك في مجمعات طبية.
5 - الدعوى بأن التكاليف ستكون عالية والسبب هو عدم فصل العملية الأكاديمية عن الخدمة الطبية ضمن نظام حساب التكاليف وتحليله لSBU (وحدة الأعمال الإستراتيجية).
الخلاصة
إن دور المملكة يتعدى كونها بلد الحرمين الشريفين والمركز الاقتصادي والسياسي للعرب والمسلمين إلى دورها الأكاديمي والعلمي والطبي والثقافي والمعرفي، مما جعلها تحظى بأنها مملكة الإنسانية لدورها المهم في الطب الذي انبعث من خلال قوة ومتانة التعليم الطبي في بداياته، ولكي نستمر على هذا التميز يجب دعم التعليم الطبي من خلال دعم المنافذ والموارد المطلوبة مثل المستشفيات الجامعية، وإعطاؤها الحرية الإدارية بعيداً عن البيروقراطية من منطلق التمكين والتمتين Enabling and Empowerment