Al Jazirah NewsPaper Tuesday  19/02/2008 G Issue 12927
الثلاثاء 12 صفر 1429   العدد  12927
أمير وأربعون شاعراً....
نهاد المشنوق (*)

يشقُّ المركب ليلاً مياه النيل، فيجد النهر مسترخياً لتسعد به هامات الوصل. هو الوصل الذي لو قيِّض له أن يخرج صوره والمضيء الدافىء من كلمات شعره ونوتات موسيقاه وآهات وجده لفاض النهر على مصر والسودان باعتبارهما مملكة موَّحدة مائياً ولأصاب ليبيا بما ليس لجمهورها من حاضر.

القبطان العجوز بعمامته وجلبابه يقودنا دون بوصلة إلا عينا الصقر في وجهه العارف لكل قطرة ماء من نهره. ولكل عشبة نبتت منذ مئات السنين. ولحجر قابع هناك منذ أن كان لأحجار الماء شكل معروف.

القاهرة أجمل كما هي في كل ليلة. كأن السهر لها والنهار لغيرها من المدن. ينتحي الشاب البهي الطلعة، الأبيض الملامح، بذقنه الصغيرة الدقيقة الأنيقة، ينتحي زاوية من المركب ليدندن بين خلاّنه قولاً ولحناً. يمسك بعوده على تردّد دون احتراف. يذهب بنظره إلى أعمق ما في مياه النيل من رقَّّة. يلحق به خلاّنه فلا يدركونه (لسرحانه) الى ما يريد الوصل به من قول ولحن وبشر.

على الجانب الآخر من المركب تدندن السيدة أصالة أيضاً بقدرة صوتها على الحضور حتى وهي تهمس غناء. منتعشة بنسائم النيل ورذائذ مياهه. في الوسط يتابع عماد الدين أديب الذوَّاق في وفائه والمبتكر في صداقته، يتابع بخطيئة شهيته - والتعبير له - أطباق الطعام لضيوفه. والحاجة هالة - زوجته - تسوِّي حجابها فتجعل منه علماً استقبالاً لضيوفها.

كانت المرة الأولى التي التقي فيها (الشاب) السعودي مدندناً. بعد أن قرأت له أسطراً من الشعر والنثر على صفحات (كل الناس) المطبوعة الاجتماعية. مرة يظهر عشقه ومرَّات يظهر اعتراضه السياسي أو الاجتماعي بطرافة الساخر.

تعرَّفت إليه في لقاء لاحق في (شتاد)، المنتجع الشتوي السويسري، إنما في الصيف حين تكون السماء ناصعة الوضوح والهواء النقي يوقظ فينا مسام المزيد من اليقظة. كان واضحاً من عشرات الأشخاص المحيطين به أنه الأعلى صوتاً والأقوى نبرة والأكثر استمتاعاً بما حوله. يستمع أحياناً إلى الصوت الخفيض اللائق لعبداللطيف آل الشيخ صديقه. ثم يعود إلى جرِّ النقاش إلى السياسة العامة لبلده بعد إظهار أكبر قدر ممكن من الاهتمام بالصورة العامة لابن عمِّه. تمرُّ بيوت أشعاره كالحدِّ القاطع بين آرائنا. يطعِّمها بالحديث الشريف ويحسمها بآية من البيِّنات.

ويتركك لحيرتك بعد أن يضحك كثيراً. فينضمُّ إلى ضحكته سعد الحريري حين كانت الفرحة تملأ وجهه قبل أن تحتفل الهموم به وبنا يوماً بعد يوم منذ اغتيال والده قبل ثلاث سنوات. تمرُّ الرحلة على كثير من الودِّ للشاعر ولصديقه اللائق الخفيض الصوت فقط. اللقاء الثالث في قراءة شعريَّة له على مسرح قاهري. هناك ظهر الشاب السعودي على حقيقته. خطيباً تهتزُّ له المشاعر. ترتجُّ له المنابر حتى وهو يداري في شعره كبار قومه. أعطى (امرأة) الشاعر فيه أحنَّ الكلمات. وصعد بصوته إلى الأعلى لتختلط السياسة، بالشعر، بالموقف، فما عاد باستطاعة جمهوره وداعاً له إلا التصفيق الحاد وقوفاً.

اللقاء الرابع في حديقة منزله في الرياض. خلع عباءة الشعر عن كتفيه وأبقى على خفَّة دم لقطاته في الكلام. ثم عقد جبينه عاكفاً على قضايا بلده وأمَّته. فإذا به متابعاً دقيقاً لكل ما أعتقد أنني خبير محلّف فيه، من باب الاحتراف على الأقل.

منذ أسابيع التقيته صدفة في باريس. يهدهد بأدنى صوته أنه صار في الأربعين من عمره. يفتِّش عن كلمات تتناغم مع ما يعتقد أنه العتيّ من العمر دون ظهور أعباء الاثقال التي أضافها إلى وزنه.

تحدَّث في كل شيء إلا الشعر، لبنان، سوريا، فلسطين، سعد الحريري، وطبعاً السعوديّة. فهو أولاً وآخراً أمير من العائلة المالكة. يبقي على حواسه السياسية مستنفرة مهما طال عليه ليل الشعر.

لم أقتنع أن الشاعر عبد الرحمن بن مساعد قد نام ولو لقيلولة. أفتيت لنفسي بالخديعة للاستعارة المؤقتة للحصول من غيره على قصيدته الأولى من شعره الأربعيني. فوجدت في حنايا أبياتها أنه وضع حقائقه الأكيدة كلها أمامه دون أن يستسلم لها.

قال بداية (قدّ همّ الكون حالي). سلّم أمره للّه، (لي إله جلّ شأنه... عندما أكون في رحابه... في ركوعي وفي سجودي... أصعد في قمة نزولي..) أنهى صلاته لينتسب إلى جدّه (معجزٌ، دين وعزوم وصلابة). ثم لوالده (كل زهد غير زهده... مفتعل. وهمي. وصولي). ووالدته (آه يمّا كم احبّك... في شراييني تجولي) وشقيقه (لي شقيق ماني أقوى.. نبرة الحزن في عتابه) وإبن عمّه (شفت له في كل لحظة فزعة، موقف رجولي). معترفاً لأميرته - زوجته (لي حبيبة مستديمة... ما لي فصول ومواسم.. وحدها هي فصولي... أم قلبين بجوفي... هم بعد كل القرابة).

لم تنج صداقات الشاعر عبد الرحمن بن مساعد من سنواته الأربعين فخاطب الزمان عاتباً: (يا زمان قبل غدرك. كنت أقول الدنيا غابة. أربعين من تجارب. أربعين من غرابة. الكبر أردى الخطايا. ما تجبّه استتابة). ولحق بالسياسة إلى حدّها الأصعب معبّراً (النفاق أكبر رموزه.

كان في عهد الصحابة. الرضوخ أصبح فضيلة. وقولنا أصبح دعابة. كل حق دون قوّة. زاهق وثابت ذهابه. يكتب التاريخ ناصع.. للقوي ولو هو مغولي).

لمع في رأسي وأنا أسمع القصيدة للمرة الأولى، مستعجلاً نهايتها، أن طبع (المتنبّي) فيه غاب. فلا غرور ولا تعالٍ ولا سباحة في السماء العالية للكلمات. فإذا بي وأنا أسمعها ثانية أجد أنه استعجل تمرير (متنبّيه) في الأسطر الأولى قبل الاعتراف بجمع الأهل، تاريخهم منه وأحداثه.

(لي مكان في الكواكب... ذا طموحي لست آبه... نجم عالي ذا مكاني.. علّ موتي هو أفولي).بالطبع لا يشبه جمال الكلمات قراءتها مكتوبة. إذ إنها تأتي بصوته وهو يقولها (منغّمة) أجمل بكثير، محتدّة المعنى. لكنه لا يجيب على الشوق لشعره ديواناً أو تسجيلاً. يبحث منذ سنوات عن ناشر شاب يمضي نصف عمره الأول بانتظار الشاعر والنصف الآخر في انتظار الشعر العزيز على صاحبه حتى اخفاءه عن العامة وجعل استماعه حقاً حصرياً لنخبة أنزل الله بها سلطان شعره . هذا حين كان أميراً وشاعراً في شاب واحد، فكيف بعد أن كشفت قصيدته الاحتفالية بذكرى مولده، من كثرة حدّتها الصادقة، أنه صار أميراً واحداً وأربعين شاعراً. كل منهم يبحث عن ناشره المنتظر؟؟.

(*) كاتب لبناني



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد