Al Jazirah NewsPaper Saturday  23/02/2008 G Issue 12931
السبت 16 صفر 1429   العدد  12931
 
رؤية حول تعليم اللغة العربية
د. فهد بن عبدالكريم البكر - قسم التربية - جامعة الإمام محمد بن سعود

 

للغة دور واضح في حياة الفرد والمجتمع، فهي وسيلة الاتصال بين الأفراد بعضهم ببعض، كما أنها الأداة التي يعبر بها الفرد عن أفكاره ومشاعره، ويقف بها على أفكار الآخرين، وعليها يعتمد في اكتساب المعارف والخبرات والمشاعر والأحاسيس.

ولا يخفى على من يعمل في حقل التربية والتعليم الدور الذي تنهض به اللغة العربية في العملية التعليمية في مختلف المباحث والتخصصات، فاللغة العربية إضافة إلى كونها مبحثاً مستقلاً يدرسه كل طالب في كل مرحلة من مراحل التعليم تعد الوسيلة الأولى للتعليم والتعلم وبالتالي فالتلميذ المجد فيها يستطيع أن يفهم كل مادة من المواد الدراسية الأخرى، أي أن النهوض باللغة العربية هو نهوض بغيرها من المواد الدراسية، لأنها وعاء المعرفة ولأن القدرات والمهارات المكتسبة عن طريقها تساعد على نجاح الدراسة في غيرها.

واللغة العربية من أهم الوسائل التي تعتمد عليها المدرسة في تحقيق الأهداف المحددة لها، وبخاصة تلك التي تساعد على دعم العقيدة الإسلامية، وتزويد الطلاب بالمفاهيم الأساسية للثقافة الإسلامية، وتنمية قدراتهم واستعداداتهم وتوجيهها توجيهاً صحيحاً.

ونظراً لأن اللغة العربية من أهم وسائل المدرسة في تحقيق أهدافها، فإن السعي الدائم لتطوير مناهجها أمر ضروري تفرضه المتغيرات المستمرة والثورة المعرفية المتجددة في عالمنا المعاصر، وما من شك في أن المناهج بصفة عامة ومناهج اللغة العربية بصفة خاصة -مهما بلغت من التطوير- تبقى في حاجة إلى مزيد من هذا التطوير.

وتنبع حتمية تطوير مناهج اللغة العربية في مراحل التعليم المختلفة من عدم الرضا عن واقع تعليمها، حيث تعتريه سلبيات تحول دون تحقيق اللغة لوظائفها، فاللغة العربية تقدم إلى طلاب التعليم العام ضمن المنهج المدرسي من خلال أفرع عدة، تزيد وتنقص، باختلاف المراحل التعليمية، لكل فرع وقت، وعدد من الدرجات، وكتاب مدرسي، وطريقة تدريس تختص به، وقد أثر هذا التفريع تأثيراً سلبياً على عملية تعليم اللغة العربية، فأصبحت الخبرة اللغوية المقدمة للطلاب مفتتة متناثرة الأجزاء، على نحو يوحي للمتعلم بأن كل فرع من أفرع اللغة العربية مادة دراسية مستقلة عن غيرها من أفرع اللغة، وهذا يتنافى وطبيعة اللغة والهدف من تعليمها، إذ ليست اللغة العربية على هذا النحو من التمزق والانفصال بين عناصرها، وليس الهدف من تعليم طلاب التعليم العام إياها إغراقهم في ثنايا علومها المختلفة من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، وحفظ قواعدها، بل الهدف من تعليمها: مساعدة الطلاب على ممارستها في مواقف التواصل اليومي، استماعاً وتحدثاً، وقراءة وكتابة.

أما فيما يتصل بأساليب الأداء في تعليم اللغة العربية بمدارسنا فهو أمر لا خلاف على أن نقرر فيه بأنها تقليدية متوارثة تميل في مجملها إلى التلقين والحفظ ونقل المعلومات وتفتقر إلى الطرق الحديثة الفاعلة، والفنيات والإجراءات التي تجعل من حصة اللغة العربية حصة استمتاع باللغة استماعاً وحديثاً وقراءة وكتابة وإبداعاً وتذوقاً، ولا تزال عملية التدريس تسير وهي مسترشدة ببعض الأساليب التي يتوارثها المدرسون الجدد عن القدامى، إذ إن استنتاج القاعدة من أمثلة عدة مبتسرة غاية معلم اللغة العربية في حصة النحو، دون الالتفات إلى الممارسة التطبيقية، حيث لا مجال لها وسط زحام الموضوعات.

كما أن عناية المعلم في حصة القراءة مركزة على ما تضمنه موضوع القراءة من معلومات وحقائق، دون العناية بمهارات النطق، وتحليل المقروء، ونقده، وتقويمه، وفي حصة التعبير لا يتعدى كتابة عنوان الموضوع على السبورة وتكليف الطلاب نقله وكتابته في المنزل، ثم بعد ذلك توضع درجة للموضوع هي انطباع شخصي عن الطالب وأحياناً عن الموضوع، وغالباً لملء خانات درجة التعبير، أما الموضوعات فهي لا تثير اهتمام الطلاب ولا تتحدى تفكيرهم، مما يشعر الطلاب بالملل من الحديث فيها أو الكتابة عنها خصوصاً أنها جميعاً لا تصلح لأن تكون مواقف للكلام أو الكتابة، كما أن الناظر المدقق في تعليم التعبير يجد أن تعليمه في مدارسنا يأخذ شكلاً اختبارياً وليس شكلاً تعليمياً أو تدريبياً.

ومن هنا ننادي بأن يتحول تعليم وتدريس التعبير من عملية اختبارية إلى عملية تعليمية وتدريبية، أي أننا بحاجة لتعليم التعبير التحريري الوظيفي والإبداعي، وأما البلاغة فهي أشبه بقواعد النحو والصرف، جافة خالية من كل جمال ولا تسهم في تكوين الذوق الأدبي عند المتعلمين، كما أنها لا تساعد في تحقيق أهداف البلاغة المرجوة منها، بالإضافة إلى عدم تمكين الطلاب من توظيف المفاهيم البلاغية، وذلك لأن الطريقة المتبعة تعتمد على كفاءة المعلم في الإلقاء وتلقين المعلومات وقدرة الطالب على الإنصات وحفظ المادة وترديدها.

وفيما يتعلق بأساليب التقويم المتبعة في مناهج اللغة العربية نلاحظ أنها تكاد تكون مقصورة على أسئلة مقالية لا تقيس غير مهارات الحفظ والاستظهار، أما الأسئلة التي تقيس الاتجاهات والقيم وتدرب التلميذ على التفكير العلمي السليم ومهاراته أو الأساليب الصحيحة لكسب المعرفة فتفتقر إليها كتب اللغة العربية.

وتعليم اللغة العربية -على نحو ما تقدم- في حاجة إلى إعادة النظر فيه شكلاً ومضموناً، بحيث يراعى وحدة اللغة وتكامل عناصرها، أي أنه في حاجة إلى عملية تطوير شامل يراعي فيه الآتي:

1- إعادة النظر في إعداد معلم اللغة العربية من حيث الإعداد التخصصي والإعداد المهني، وتزويده بالمداخل الحديثة وتبصيره بفنيات التدريس الحديثة.

2- إلغاء فكرة تعدد كتب اللغة العربية بحسب فروعها، والأخذ بمبدأ الكتاب الواحد لكل مستوى دراسي.

3- النظر إلى اللغة باعتبارها وحدة متكاملة ولا يجوز الفصل بين فروعها.

4- اتخاذ النص (شعراً أو نثراً) محوراً لتقديم ما ينبغي أن يقدم من مهارات لغوية ومعلومات ثقافية.

5- التركيز على المهارات اللغوية بمستوياتها المختلفة في فنونها المتعددة.



التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد