Al Jazirah NewsPaper Thursday  13/03/2008 G Issue 12950
الخميس 05 ربيع الأول 1429   العدد  12950
ألا ليت الطفولة... تعود يوما
جابر حسين المالكي الحرس الوطني بالرياض

في ليلة من ليالي شتاء الرياض البارد وبعد عناء يوم كامل مثقلاً بهموم الحياة ومتطلباتها اليومية استلقيت على سريري إلا أنني لم أجد له إلى المآقي طريقاً فأخذت الأفكار تراودني وتتبلور بعض اللحظات في مخيلتي تذكرت الماضي الجميل واشتعلت له بقبلي نار الشوق والحنين كان حطبها ووقودها صوراً من حياة الماضي وطفولته خالية من مقاهي الكافي شوب أو مطاعم الهمبرجر والشاورما لم تلتقِ معها لحظات عابرة بما يعرف اليوم بمنتديات الإنترنت أو الأسواق والماركات والمنتزهات تذكرت قريتي النائية القابعة بين ركام السحاب في جبال الداير بني مالك شرق منطقة جازان بمسافة 120كم يوم خرجت منها متكلاً على الله بحثاً عن لقمة العيش الحلال وكيف استقر بي الحال والنصيب في منطقة الرياض الحالمة وفي أحد ميادين الشرف وساحات الفداء وتحت شعار الله ثم المليك والوطن وأخذت أتنقل بذاكرتي بين ذكريات الطفولة وصور من حياة الماضي الجميل وأتذكر نفسي وقد بدأ الشيب يحجز مقاعده بين شعر رأسي تذكرت أصدقاء الطفولة وزملاء الدراسة وأين وصلوا وكيف صاروا وماذا أصبحوا فمنهم من اجتهد وواصل العلم وسهر الليالي وسار على الدرب حتى وصل ومنهم من اكتفى بالقليل من العلم واختار العمل ليساعد نفسه وأسرته على ظروف الحياة والبعض الآخر لا أدري ما فعلت به يد الأيام وسود الليالي، لحظات عشتها مع نفسي وذاتي عادت بي إلى الوراء حيث القرية الصغيرة وسكانها المعروفون التي تناثرت بيوتهم الحجرية بين جنبات المزارع والمدرجات الخضراء تذكرت جدي - رحمه الله - لوالدي - حفظه الله - الذي كنت متعلقاً به وشغوفاً بحبه حين كنت أذهب معه لمزرعته وألعب في جنانها وأعدو بين جنباتها وأذكر رائحة التراب العطرة التي تفوح من الأرض حين كان جدي يحفر السواقي أو يروض الأرض تلك الرائحة الترابية المحملة بجذور الأشجار والزرع ما زالت عالقة في ذهني بما فيها من منظر لبقية آثار حبات العرق المتصببة على الأرض من جبينه - رحمه الله - وما زلت أذكر ملامح الفرح والسرور بكل معاني الرضا وهي ترتسم على محياه معبرة عن شكره لله تعالى حين يهطل المطر بغزارة وتمتلئ برك الماء وترتوي الأرض والمزارع رغم بعض التلفيات التي خلفتها السيول بين المدرجات الخضراء، ماذا أحدثكم عنه عن قوس قزح الذي رأيناه للمرة الأولى في حياتنا في تلك العشية الماطرة فكان الكبار يخيفونا بأنه سيأكلنا إن لم نسمع كلامهم خاصة حين كنا نخرج في المطر لنلتقط حبيبات (البرد) الثلج ويعلو صياحنا وتختلط ضحكاتنا البريئة لقد اختلط الدمع على الماضي الجميل بابتسامة على بعض المغامرات والمواقف الطفولية التي كنا نمارسها ومنها رحلتنا إلى شواطئ جازان وهي المرة الأولى التي نخرج فيها من حدود القرية وكان حينها بالنسبة لنا انتصار على قانون الآباء الذي كان شعارهم في المدرسة أمام المعلم (لك اللحم ولنا العظم) حين اتفقنا نحن بضعة من طلاب المرحلة المتوسطة من أبناء القرية أن نجمع مصروف فسحتنا المدرسية لمدة أسبوع لنحقق الحلم الذي طالما راودنا وهو رؤية البحر الذي نسمع به وندرسه في الكتب ولم يره أحدنا في حياته ولو مرة واحدة على الطبيعة وكتمنا سرنا وحزمنا أمرنا وبالفعل تم لنا ذلك حين ذهبنا خلسة من أهلنا مع شروق شمس ذلك اليوم من عطلة الأسبوع الدراسي وقطعنا المسافة ولما أقبلنا على البحر لم نعرفه فقلنا لصاحب التاكسي ما هذا كيف هي تلك الأرض الزرقاء قال إنه البحر ألا تريدونه؟ قلنا: بلى.. بلى، والدهشة قد بدت علينا أيام جميلة مطرزة ببراءة الطفولة ويا لها من فرحة عظيمة حين نستيقظ صباحاً أيام الدراسة على صوت أنغام المطر ورقصاتها والزوابع الرعدية ولمعان البرق فنزداد فرحاً وندعو الله أن يزيد ويبارك لأننا في ذلك اليوم لن نذهب للمدرسة بسبب انقطاع الطرق الترابية المؤدية لها.. أما رمضان في القرية فله نكهة خاصة وطعم لذيذ تستلذ به الروح وتكبر معه المعنوية ابتداء من شروق الشمس حتى المغيب، وبالتحديد حين توقد أمهاتنا الحطب في التنور ويدرنا الرحى ويعددنا وجبة الإفطار الشعبية الشهية فكانت السفرة الرمضانية لا تتعدى حبات التمر والماء وخبز الذرة الذي هو من حصاد مزارعهم الذي تفوح رائحته اللذيذة ساعة خروجه من التنور وبعض اللبن والسمن والعسل الذي هو من نتاج حلالهم لم يعرفوا التبذير ولا التنويع وبعد الإفطار والصلاة يحلو اللقاء على ضوء السراج وصوت المذياع الذي لا يتعدى برامج (هنا لندن) و(نور على الدرب) و(أم حديجان) حين يجتمع أفراد العائلة من الأب والأم والأجداد والجدات على مائدة القهوة ويتبادلون متاعب يومهم وذكريات زمانهم أما نحن الصغار فيصارعنا النعاس وقبل أن يغلبنا النوم نتوسل إليهم أن يوقظونا للسحور معهم فكانت النداءات في الهجيع الأخير من الليل تتبادل بين سكان القرية بأن السحور قد حان موعده ومن حقوق الجيران على بعضهم فالبيت الذي لا يشعل فيه وقتها السراج يعرف أنهم لم يستيقظوا فيكلف من يطرق بابهم تذكرت العيد وفرحته حين كانت العائلة تجتمع ويكون الأجداد والجدات هم حلاوة العيد وزينته هؤلاء الذين تركونا ورحلوا إلى ربهم نسأل الله أن يغفر لهم ويتغمد هم بواسع رحمته ويسكنهم فسيح جناته.. وبينما كنت أقلب هذه الصور خطر ببالي ابن جيراننا الذي كانت والدته تسوقه بالعصا للمدرسة كل صباح وهو يبكي لا يريد أن يذهب ويتعلم وقد اجتاز تلك المرحلة وأصبح اليوم معلماً ومن منسوبي التربية والتعليم.. تذكرت يوم كنا نحلم أن نكبر بسرعة لنصبح مثل هؤلاء الذين التحقوا.. بالجامعات والمعاهد وخرجوا من حدود القرية ومحيط العائلة وقانون الرقابة هؤلاء الذين لا نراهم إلا في العطل المدرسية، أما في الإجازة الصيفية فلها حكاية أخرى لا تبدأ باستلام نتائج الامتحانات آخر العام الدراسي إنما بتوافد أبناء قريتنا الذين سكنوا المدن مع أهلهم فكنا نراهم قد عرفوا الحضارة ودخلوها من أوسع أبوابها ويخيل لنا أنهم من الطبقة الراقية فكنا نرى فيهم كل جميل ابتداءً باللبس والمظهر وحتى الاسم ونحاول أن نقلد حركاتهم وسكناتهم ودائماً ما نسألهم عن المدينة وكيف هي حياتهم فيها وماذا يأكلون ويشربون فكانوا يبالغون في إجاباتهم وإن المدينة التي أتوا منها جنة وأنهاراً وأن فيها العجائب وأنهم لا يأكلون مثلنا على الأرض إنما على طاولات وكراسٍ وبالشوكة والملعقة ويحكون لنا بعض القصص البطولية التي هي من نسج الخيال والتي كانوا يمارسونها على أبناء حارتهم فنزداد إعجاباً بهم وبحياتهم والرفاهية التي يعيشونها في المدينة فنتأسف على حياتنا في القرية ونتمنى من آبائنا لو يأخذوننا للعيش هناك ثم نسألهم عن الطائرة وكيفية ركوبها وماذا تحوي بداخلها من أشياء وتذكرت حين كنا نقف على مشارف القرية ننتظر عودة الحجاج لنظفر بالحلوى والهدايا والذي كان (العم مجاهد) رحمه الله أكثر كرماً بهذه الأشياء والذي كان يحج سنوياً فما أن نسمع بوصوله حتى نتسابق إليه ونلتف من حوله ونحن نردد (مجاهد جاء) وحين بدأت ملامح الحضارة تغزو قريتنا انتشرت (المواطير) الكهربائية والتلفزيونات غير الملونة فما أن يحل الظلام حتى تبدأ البيوت تشغل إضاءتها التي تمتدد لنهاية نشرة الأخبار المسائية وبعض البيوت تنتظر المسلسل الذي يعقبها وفي بعض الليالي ننتظر موعد (المصارعة الحرة) تذكرت الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وبرنامجه الرمضاني (على مائدة الإفطار) والشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله وبرنامجه الأسبوعي (منكم وإليكم) الذي كان الآباء والأجداد ينتظرونه بشغف وكان له دور بارز في معالجة بعض القضايا الاجتماعية والمشاكل الأسرية وكيف كانوا يفرحون حين يرون فضيلته يضحك أو يعلق على بعض الرسائل الواردة ويظل حديثهم في المجالس حتى موعد الحلقة القادمة ثم مرت صورة أخرى عبر شريط الذكريات هي الاحتفالات القديمة ومنها الزواج بعاداته وتقاليده البسيطة والميسرة إذ لا يتعدى حضوره سوى أهل القرية وبعض من أبناء القرى المجاورة والتعاون الذي كان سائداً بينهم ومتعارفاً عليه ابتداء من بعد صلاة الفجر حتى الانتهاء من مراسم الاحتفال الذي لا يتعدى التاسعة ليلاً، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله كم هو الماضي جميل ولماذا نشتاق إليه ونحن في زمنه نتمنى أن نكبر بسرعة ونلامس الحاضر تذكرت المبنى الشعبي لمدرستنا الابتدائية حين يتحول إلى بحيرة في موسم الأمطار وهؤلاء المدرسين الذين نهلت من علمهم وأدبهم على مختلف المراحل الدراسية كان البعض منهم قد جمع بين مهنة التدريس ومهمة التربية فكانوا لنا قدوة حسنة وما زالوا إلى هذه اللحظة يسكنون سويداء قلبي وأكن لهم الحب والتقدير وأتمنى أن يجمعني الله بهم مستقبل الأيام القادمة ربما منهم الآن من يقرأ هذا المقال ولا يدري على مر السنين إني كنت أحد طلابه في يوم من الأيام، وأخيراً تذكرت تلك العجوز التي كان الناس يهرعن إليها لمساعدة نسائهم في الولادة قبل النهضة الصحية التي تشهدها مملكتنا الحبيبة وقبل هذه الذكريات وتلك الصور التي خطرت ببالي ومرت عبر شريط الذكريات دائماً ما أفكر في والدي الغالي ذلك الرجل الطيب الذي سعى طوال حياته لراحتنا ووفر لنا سبل العيش السعيد وأحب أن يرانا وقد اعتمدنا على أنفسنا وصرنا من أبناء المجتمع الناجحين غرس فينا كل عمل شريف وزرع بيننا كل أمر نبيل لم يترك لأصدقاء السوء إلينا طريقاً فكان الموجه والمربي والراعي الأمين المسؤول عن رعيته أمام الله والناس أجمعين. الذي حفظه الله ومتعه بالصحة والعافية الذي كان وما زال لنا جميعاً القدوة الحسنة والأب الحنون والأخ الكريم والصديق العزيز ولا أنسى تلك الأم الطيبة الحنونة التي دائماً ما تغمرنا بعطفها وحنانها فهي لنا دائماً الأم والصديق والمحامي الشجاع على الحق فكنا نشكو لها همومنا وتطلعاتنا ونفشي لها بكامل أسرارنا وكل مشاكلنا هؤلاء الأبوين الصالحين والمصلحين كانوا وما زالوا يستقبلون أبناءهم ويودعونهم بالدعاء بالتوفيق والرضا الذي هو سر سعادتنا في هذه الحياة متعهما الله بالصحة والعافية والعمر الطويل.. {رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} هذه بعض الصور التي مر عليها ردحاً من الوقت وحقبة من الزمن خيم على بعضها الحزن وحلق الفرح والسرور على بعضها الآخر فكانت لحظات طفولية بريئة عشت تفاصيلها واستمتعت ببعض المواقف وبكيت من بعضها تلك اللحظات والصور خرجت إلى الدنيا وتشكلت وارتسمت في زمن الانطلاق نحو آفاق التحدي من أجل الحياة الآمنة والسعيدة التي وضع حجر أساسها آباؤنا وأجدادنا ورسموها بعرق جبينهم ولونوها بأزكى دمائهم تلك القرية وما جاورها من قرى تحولت اليوم إلى محافظة وأصبح لها نصيب وافر وشبه متكامل من الخدمات الحكومية وأطالتها يد الحضارة والازدهار وأصبحت بين عشية وضحاها من أحلى وأغلى المواقع الاستثمارية وأروع وأجمل المنتجعات السياحية وخرج أبناؤها وبناتها إلى ميادين العلم والعمل وأصبحوا من كوادر هذا الوطن المخلصين والمبدعين والمنتظمين في ملحمة البناء والفداء من أجل الدين ثم المليك والوطن إلا أنه ينقصهم بعض الخدمات الحكومية لعل أهمها كلية للبنات وإدارة للأحوال المدنية.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد