في عدد جريدة الجزيرة رقم (12884) كتب أحمد الدامغ عن المبالغة والاعتدال في الحب واستشهد بأقوال عدة لكتاب وفلاسفة كلهم تحدثوا عن الحب وتأثيره في النساء والرجال على السواء وقد أعجبتني مقولة الكاتب أن البعض يقع تحت سلطة الحب وينحني لجبروته فهذه العبارة البعض قد لا يدرك مدلولاتها ولكن عندما يقع في الحب يشعر بعظم هذه العبارة بل بعظم الحب الذي يجثم على صدره ويكاد يفقده عقله بل يكاد يقتله أذكر أنني قرأت رواية شهيرة لتولستوي كانت تتحدث عن امرأة اسمها آنا كارنينا كانت تتمتع بالاحترام والتقدير فأراد أحدهم غوايتها فتلاعب بمشاعرها التي انفجرت فأصبحت تطارد حبيبها من مكان إلى مكان وهو يصدها ويسعى للهرب من حبها فلم تجد حيلة لنسيان حبه إلا أن رمت نفسها تحت عجلات القطار لتنتهي حياتها بمأساة كان للحب من طرفٍ واحد أكبر دورٌ فيها، وأيام المراهقة قرأت رواية عنوانها حذار من الشفقة لفتاة معاقة أحبت معلمها حباً جنونياً بعد أن تعامل معها برقة وعطف زائد فكانت نهاية هذا الحب أن رمت بالفتاة المسكينة نفسها من النافذة لتموت صريعة الهوى بعد أن رفض حبيبها الأموال والأملاك التي عرضها والدها عليه مقابل زواجه منها، وفي دولة عربية نشرت الصحف قبل أسابيع مأساة حقيقية كان الحب بطلها وضحيتها مقيم عربي حيث كاد أن يموت بعد أن ابتلع أربعين حبة بندول ليقتل نفسه بعد أن رفض أهل محبوبته زواجه منها، فغريبٌ هذا الحب الذي يقولون أنه من حرفين ولكن عجز الكثير من الناس عن تفسيره فأحدهم مثلا قال إن الحب حرف الحاء فيه يرمز للحيرة وحرف الباء يرمز للبلاء فهو حيرة وبلاء وهو عذبٌ وعذاب. |
|
يا إلهي، عندما نعشق ماذا يعترينا؟ |
|
|
كيف نرتد إلى طور الطفولة، |
كيف تغدو قطرة الماء محيطا، |
|
|
وتصير الشمس أسواراً من الماس ثمينا، |
|
وهذا الشعور الذي يولده الحب هو ما جعل رجلاً كبيراً في السن من بنغلاديش يبلغ من العمر ثمانين عاماً يطير من الفرح عندما رأى محبوبته بعد سنوات طويلة من الفراق ثم قرر الزواج منها على الفور دون أن تمنعه سنوات عمرها التي وصلت إلى الخمسة وسبعين عاماً بل كان في أشد حالات سعادته فقد كانت حلم حياته الذي تحقق. |
وإن كان هذا الكهل قد حقق أمنيته بزواجه من محبوبته فإن أحدهم لم يجد سوى الشعر ليعبر عن مشاعره الحزينة بعد أن حدد يوم الأربعاء موعداً لعرس حبيبته فقال قصيدة مليئة بالمشاعر الإنسانية حيث يقول في مطلعها: |
يا تركي البارق موعد عرسها يوم الربوع |
يا سعد حظ اللي تملك في يديه حبالها |
سافر بها درب النصيب ولا بعد روحتها رجوع |
ولاني بملحقها الملامة في نصيبٍ جالها |
والحب الذي تغنى به الشعراء في قصائدهم قد لا يدرك البعض أنه على أنواع متعددة فمنه الحب الجسدي وهو الذي يكون مرتبطا بإشباع الجسد فقط وهو ما يعرف بالشهوة الجسدية ومنه الحب المرتبط بالمشاعر والأحاسيس وهو من أرقى أنواع الحب ولا يفوقه إلا حب الله والحب البشري للأسف أعمى فهو يجعلنا نتصرف بجنون في بعض الأحيان ويجعلنا نضحك دون سبب وقد يجعلنا نبكي كحال قيس المجنون الذي أحب ليلى وكذلك كثيّر ومحبوبته عزة وعنترة بن شداد وعبلة فهؤلاء عذبهم الحب ولكنه خلدهم وأدخلهم التاريخ من أقسى أبوابه وليس من أوسعها وقد يكون من حسن حظهم أنه لم يكتب لهم الزواج من بعضهم البعض وإلا لتحول شعرهم الغزلي العذب إلى شهر هجاء وذم فالحب قبل الزواج يختلف عن الحب بعد الزواج فالمشاعر مختلفة والأحاسيس مختلفة وقد يكون السبب كما قال أحدهم أن المحبين يسحبون من رصيد الحب دون أن يضيفوا له شيئاً فينتهي مع الزمن حيث يموت الحب بعد الزواج وينتهي بالطلاق أو قد يستمر ولكن تكون الحياة كلها ألم وتعاسة وشقاء. |
ومن أصعب ما يلاقيه العشاق عدم اكتمال حبهم لأسباب مختلفة كأن يكون للحب من طرفٍ واحدٍ دور فيها أو لوجود عوائق تمنع تتويج حبهما بالزواج كمعارضة الأهل حيث يتمنى أحدهما الموت فلا يجده ويقاسي الألم والويلات ويظلم العالم من حوله وقد ينتحر بعد أن سيطر عليه الوهم بعدم قدرته على العيش دون من يحب ولكن حسب دراسة أمريكية فهذا غير صحيح فقد أظهرت الدراسة أن العشاق يبالغون في تقدير حجم الأثر الحقيقي لانفصالهم عن الحبيب قبل حصوله خصوصا الذين كانوا مغرمين بصورة جنونية حيث تحسنت حالاتهم النفسية أكثر من غيرهم مباشرة بعد الانفصال عن عشاقهم وهو ما لم يتخيلوه أثناء العلاقة. |
ولا يعني ذلك أن الشخص يستطيع أن ينسى من أحب نسياناً كاملا فمثل ذلك محال فأثر الحب يبقى وقد يعود من حين لآخر وحينها قد نضحك من ذلك الحب وقد نبكي ولكن يبقى ذلك ذكرى حلوة تتجدد مع الأيام يقول أبو تمام: |
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى |
ما الحب إلا للحبيب الأول |
كم منزل في الأرض يألفه الفتى |
وحنينه أبداً لأول منزل |
والحب الأول لا يعني أنه الحب الحقيقي فمما قرأت أن الحب الحقيقي له علامات تظهر على الشخص وتكشف ستره فأولها أن يدمن الشخص النظر إلى من يحب ويكثر الحديث معه وعنه ويتلذذ بالمرور في الأماكن التي مر عليها أو عاش فيها الحبيب يقول قيس: |
أمر على الديار ديار ليلى |
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا |
وما حب الديار شغفن قلبي |
ولكن حب من سكن الديارا |
ومن علامات الحب كذلك أن يضطرب ويرتبك المحب عندما يرى من يشبه حبيبه وكذلك عندما يسمع اسم من يحب يتردد في شفة من حوله من الناس ولذا يقال الحب يفضح صاحبه ومن علامات الحب الغريبة أن يتحول البخيل إلى كريم لكي يرضي المحبوب فقط ويستطيع أن يتباهى أمامه بما ليس فيه ويقال كذلك أن الحب يجعل الجبان شجاعاً ويجعل الفقير يدعي الغنى والجاهل يدعي العلم، ويقال أيضا أن الحب يؤدي إلى نحول الشخص وشحوبه وبروز عظامه وذلك مما يلاقي من العذاب ومن قلة أكله وقلة نومه الذي يبحث عنه العاشق ليلاقي من يحب في منامه بعد أن استعصى عليه في قيامه ولذا قال عاشق النوم فيه لذة لا يدركه سوى العشاق. |
والحب هو من أجمل ما تطرق إليه ابن حزم الأندلسي وأشبعه بحثا وتفصيلا حيث أشار إلى أن الحب لا يمكن أن ينشأ إلا بين شخصين بينهما اتفاق روحي وصفات مشتركة وكلما زادت الصفات المشتركة زاد الحب والعكس أيضاً صحيح أما إذا انعدمت الصفات المشتركة فتكون البغضاء محل الحب أو الحب من طرفٍ واحد وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنودٌ مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف). |
ومن أمتع ما قرأت أن المحب عندما يكون مع من يحبه فإنه ينبسط في المكان الضيق وعندما يكون بعيداً عنه يتضايق في المكان الواسع وأنه يظهر على المحب الانبساط الكثير الزائد عندما يكون برفقة محبوبه كما أنه يكثر بين المحبين الغمز الخفي حتى لا يفطن لهما أحد وهذه اللغة هي لغة العيون التي لا يعرفها سوى العشاق كما أنهما عند المحادثة يتعمدان لمس يد بعضهما البعض والعاشقان لا يتحرجان من شرب فضلة ما يبقى من أحدهما في الإناء بل ويتحريان الشرب في نفس المكان والموضع الذي شرب منه أحدهما وعندما يتأكد العاشقان من مشاعرهما وأن كلا منهما ملك قلب الآخر يكثر بينهما التهاجر والخصام دون سبب ويعودان لبعضهما دون سبب وقد يكون ذلك من باب الدلال ولذة الوصال بعد الهجر. |
وقد يلاحظ البعض أنني استقيت واقتبست الكثير من كتابات ابن حزم الأندلسي وقد يكون مرد ذلك إعجابا بما قاله عن الحب حيث وصف الحب وصفاً دقيقاً يتعجب الشخص منه فقد وصف الحب بين الحبيبين بالمغناطيس والحديد فكلما تباعدا قل تأثير أحدهما على الآخر وإذا تقاربا كان الانجذاب الذي قد يكون عنيفاً وكلما زاد حجم أحدهما على الآخر كانت القوة والجذب والسيطرة له فالحديد قد يجذب المغناطيس إليه والمغناطيس قد يجذب الحديد إليه كحال الرجل والمرأة وعندما تتدخل قوة خارجية تفوق الحديد والمغناطيس وتفصل بينهما ينعدم التجاذب ويحصل الانفصال وهذا ما يحدث للعاشقين عندما يتدخل الأهل أو الظروف أو الموت ويمنع اكتمال حبهما. |
ومن المقولات التي تتردد على الألسن أن المحبين نيام فإذا تزوجوا استيقظوا بمعنى أن الزواج يقضي على الحب وهو مفهوم قد يكون قاصراً حيث الحب الذي بني على الخيال وتم تضخيمه وبنيت قصوره من الرمال هو ما يزول بعد الزواج ولكن الحب الحقيقي والواقعي يزداد ويكبر وينمو مع الزواج خاصة عندما يجد أرضا خصبة في قلوب المحبين ومن العبارات الجميلة التي تصف وتوضح العلاقة بين الحب والزواج هي مقولة أن الحب قبل الزواج يشبه الأمل وبعد الزواج يشبه العمل. |
ومن ألطف ما قرأت أن الحب يبنى على الغموض فإذا اكتشف أحدهما الآخر فقد الحب سحره ورونقه وتحول إلى حب بشري جامد ولذا يقول الشاعر العربي الكبير إبراهيم ناجي: |
أي سرٍ فيك إني لست أدري |
كلُ ما فيك من الأسرار يغري |
خطرٌ ينساب من مفترِ ثغرِ |
فتنةٌ تعصف من لفتةِ نحرِ |
قدرٌ ينسجٌ من خصلةِ شعرِ |
زورقٌ يسبحُ في موجةِ عطرِ |
في عبابٍ غامض التيار يجري |
واصلا ما بين عينيك وعمري |
أما دموع المحبين فهي أصعب الدموع خاصة عندما تكون خرجت من أجل زوجة على فراش الموت وكان الزوج يظن أنه لا يحبها ثم يكتشف أنها هي حبه الذي لا يرتضي عنه بديلاً فيبكي بكاء الأطفال لا لشيء سوى ليعلن لها وللعالم أنها كانت هي حبه وهي حياته ولكنه لم يكن قادراً على التعبير عن ذلك لاعتبارات قد لا يكون لها ذنبٌ فيها هذه الدموع الصادقة قد لا تكفي فالوقت يكون ضيقاً والمشاعر متداخلة ولكنها تخلف في القلب حسرة من الصعوبة أن تمحى وهذا الحب النبيل الكثير منا لا يسميه باسمه الحقيقي بل نسميه المودة والرحمة والألفة ولكنه حبٌ قادر على أن يمدنا بالطاقة والمشاعر والأحاسيس التي تجعلنا نعيش في نعيم وسعادة طوال حياتنا ولكن دائما الحب الحقيقي يأتي متأخراً. |
علي بن زيد القرون - حوطة بني تميم |
|