Al Jazirah NewsPaper Tuesday  01/04/2008 G Issue 12969
الثلاثاء 24 ربيع الأول 1429   العدد  12969
توسعة المسعى رحمة وإحسان بالمسلمين.. وهو رأي في غاية الصواب والرحمة بالعباد
الشيخ عبدالرحمن آل يوسف

فقد هالني الرأي المنقول عن بعض العلماء في المملكة من أنه لا يجوز السعي في التوسعة الجديدة للمسعى بين الصفا والمروة، وأن من اعتمر الآن فعليه أن يترك السعي وأن يجبره بدم.

ولقد كنت ممن فرحوا واستبشروا بالقرار الحكيم، الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- بتوسعة المسعى، لما في هذه التوسعة من الرحمة والإحسان بالمسلمين، وموافقة الشرع الحكيم، والسعي القديم بين الصفا والمروة، فإن السعي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى توسعة المسجد الحرام في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله، قد كان مفتوحاً بين الصفا والمروة، لا تحده حواجز تحجز الناس في ممر محدود مجيئة وذهاباً، في نحو بضعة عشر متراً عرضاً. ولقد كان بناء المسعى وحده بالجدران في وقته من المصالح الشرعية، ليستظل الناس، ويسعوا في طريق نظيف قد أُبعدت عنه المارة والبائعون وغيرهم. فقد حججنا قبل هذا البناء في مسعى ترابي تكتنفه الباعة يميناً ويساراً، ويتخلل الساعون السابلة والباعة والمشترون، ثم كان البناء على المسعى وتحديده على ذلك النحو إحدى المصالح الشرعية، علماً أنه قد حد الساعين في ممر محدود لا يتجاوزونه يميناً ولا يساراً، ولم يقل أحد قط بل ولم يتصور أن يكون هذا المسعى المحدود هو الطريق الشرعي التعبدي وحده، الذي لا يجوز الخروج عنه يميناً ولا يساراً.

ثم لما احتاج المسلمون اليوم بعد هذه الزيادات المضطردة في عدد الحجاج والمعتمرين، وصدر الأمر الحكيم من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -حفظه الله- بهذه التوسعة، كان هذا الرأي في غاية الصواب والرحمة بالعباد، وأداء النسك قريباً مما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل المسلمين طيلة القرون السابقة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب للناس حداً معيناً لا يتجاوزونه في سعيهم بين الصفا والمروة يمنة ويسرة، وإنما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتى الصفا فرقى عليها وقال (نبدأ بما بدأ الله به)، وتوجه إلى الكعبة داعياً رافعاً يديه، ثم نزل من الصفا متجهاً إلى المروة، فلما أنصب قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا أتى المروة رقى عليها، وتوجه إلى الكعبة ودعا، ثم نزل متجهاً إلى الصفاء، فعل ذلك سبعة أشواط، وكان المسلمون حوله عشرات الألوف يأتمون به، ويعملون بعمله. ولا يتصور أن عشرات الألوف الذين كانوا مع النبي ساروا في سعيهم في طريق مخصوص، ولا يتعدونه يمنة ويسرة، وإنما الذي يتصور أن عرض هذه الجموع ربما كانت تزيد عن نحو مائة متر أو أكثر بمقاييسنا. ثم إن هذا الذي درج عليه المسلمون في كل عصورهم، ولم يقل أحد منهم قط أنه يجب لمن يسعى بين الصفا والمروة أن يسير في طريق محدد لا يتعداه، بل الواجب أن تلامس قدم الساعي جبل الصفا، وأن تلامس المروة، وأما في أثناء السعي فلو توسع الناس وهم سائرون عرضاً فإن هذا لا يبطل سعيهم.

فكيف يكون توسعة المسعى الذي بني أصلاً على خلاف ما كان معهوداً منذ زمن النبي إلى يوم البناء على المسعى هو المتعين شرعاً، وأن من سعى في توسعة هذا المسعى كان سعيه باطلاً؟!

ومن أجل ذلك، أناشد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- أن يمضي قراره بهذه التوسعة، فإن هذا أقرب للسنة، وأكثر رحمة بالأمة. وأسأل الله أن يبارك عمله الجليل في تيسير سبل الحج والعمرة للمسلمين، وأن يبقى له هذا ذخراً إلى آخر الدنيا. وأناشد أساتذتي أصحاب الفضيلة المشايخ من هيئة كبار العلماء وغيرهم، ممن أفتوا بأن هذه التوسعة خلاف السنة، أن يراجعوا فتواهم فإنها حتماً بخلاف الحق والصواب. فإن الله سبحانه وتعالى عندما شرع لعباده السعي بين الصفا والمروة، قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} سورة البقرة (158)، ولا شك أن كل من أتى إلى الصفا، ولامست قدماه شيئاً منها ثم انحط منها إلى المروة، ولامست قدماه شيئاً منها، وفعل ذلك سبعاً يكون قد أتى بما أمر الله تبارك وتعالى به، واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك. ولم ينقل قط أن هناك من حد للناس حداً لا يتعدونه في طوافهم بين الصفا والمروة.

كما وأرجوهم أن ينظروا بعين الرحمة والشفقة على المسلمين حجاجاً ومعتمرين، وكيف أنهم كانوا يحشرون في البناء القديم دون أن يكون هناك أمر من الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الحشر، وإنما كان البناء القديم شيئاً من المصالح المرسلة، وكان رفقاً بالناس في وقته، وأما اليوم فلم يعد البناء حول المسعى رفقاً بعد أن زادت أعداد الحجيج والمعتمرين هذه الزيادة. فكيف تجعل المصلحة المرسلة واجباً محتماً مستمراً؟! وقد علم بيقين أنه قد زالت هذه المصلحة، وأصبح وجودها مفسدة عظيمة محققة، فإزالة الحاجز أصبح اليوم هو المصلحة التي يجب المصير إليها، ولا يجوز خلافها.

ومن رحمة الله بالأمة أن هيأ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله -حفظه الله- لاتخاذ هذا القرار الحكيم في هذا الوقت. فنسأل الله أن يجزيه خيراً عن الإسلام والمسلمين، ونسأل الله لعلمائنا ومشايخنا الأماجد أن يوفقهم الله إلى كل خير وبر.. والحمد لله ربِّ العالمين.

(*) مفكر وفقيه وداعية معروف- الكويت



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد