Al Jazirah NewsPaper Tuesday  01/04/2008 G Issue 12969
الثلاثاء 24 ربيع الأول 1429   العدد  12969
أبشر يا صاحب القرآن
معالي الشيخ د. صالح بن عبدالله بن حميد

الحمد لله الذي أنزل الكتاب، هدى وذكرى لأولي الألباب، والصلاة والسلام على من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، نبينا محمد وعلى الآل والأصحاب، ومن تبعهم بإحسان إلى الفصل والحساب.. أما بعد:

فإن الله تعالى فضلنا بإنزال القرآن، وخصنا بأشرف كتبه وأعظمها المعجزة الباقية عبر الأزمان.

{قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(15- 16) سورة المائدة.

إنه العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، إنه الشفاء لما في الصدور، والحكم العدل عن مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل، والقول الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضباؤه، وشهاب لا يعدم نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره، بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول.

فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنى وأعذب أسلوب، لا يستقصي معانيه فهم الخلق، ولا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان الطلق، فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزم عليه، والموفق من وفقه الله لتدبره، واصطفاه للتذكير به وتذكره.

إن هذا القرآن أنزل ليكون منهج حياة وأسعدها، ومرشداً إلى سبيل هو أقوم سبيل وأنجحه، يهدي النفوس ويزكيها، ويقوّم الأخلاق ويعليها: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (9) سورة الإسراء، يقود من اتبعه إلى سعادة الدارين، وينجيه من شقاوة الحياتين {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} (123-124) سورة طه، قال ابن عباس رضي الله عنهما (تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل به ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة).

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم وبين منزلته، وثمرة من قرأه وتمسك به فقال: (إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين والنور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من الرد، أتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته، كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: (ألم، حرف ولكن أقول: ألف حرف ولام حرف وميم حرف).

وقد ورد في فضل تعلمه ما رواه البخاري عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بين المؤمن الذي يقرأ القرآن ويكثر من تلاوته وبين المؤمن الذي لا يقرأه ولا يكثر من تلاوته، فقال صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة: ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو) متفق عليه.

والمؤمنون الذين تذوقوا حلاوة القرآن وتغنوا بآياته يجدون له عظيم الأثر في قلوبهم، قال تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(23)سورة الزمر.

فأبشر يا صاحب القرآن فإنك من أهل الله وخاصته فأعظم به من انتساب، وأكرم به من تشريف، قال صلى الله عليه وسلم (إن لله أهلين من الناس، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته).

ولهذا كان التنافس في حفظ القرآن من أفضل أنواع القربات {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}(26)سورة المطففين، ومن أجل ذلك يغبط الإنسان ويحسد من سبقه إلى حفظ كتاب الله، وقد بين صلى الله عليه وسلم في قوله (لا حسد إلا في اثنين) وذكر منها (رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار).

فمن أكرمه الله بحفظ كتابه فينبغي له أن يتعاهده ويراجعه دائماً، فقد ورد في الصحيحين عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تعاهدوا القرآن فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).

وفي هذه الأيام التي تنعقد فيها مسابقة الحرس الوطني لحفظ القرآن الكريم برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- والتي يشرف عليها جهاز الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني أجدها فرصة مناسبة لتقديم الشكر العميق لخادم الحرمين الشريفين على ما قدمه لأبنائه من بذل في هذا الباب، حيث أولى -حفظه الله- في هذه المسابقة القرآنية ما يليق بها من جميل العناية وكريم الاهتمام، فاحتضن - وفقه الله - هذه المسابقة ورعاها مادياً ومعنوياً محققاً لها مقاصدها التي تهدف إلى تشجيع العسكريين على حفظ كتاب الله وتعلمه، والإسهام في إعداد جيل صالح عامل بالقرآن متآدب بآدابه مصون من الزلل والانحراف فيكون - بإذن الله - درعاً حصيناً لوطنه ومجتمعه.

نسأل الله تعالى أن يجعل جهده حسنات في موازين أعماله وأن يجزي القائمين على جهاز الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني خير لقاء عنايتهم بهذه المسابقة، وأن يوفق الجميع إلى القول النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد