Al Jazirah NewsPaper Sunday  06/04/2008 G Issue 12974
الأحد 29 ربيع الأول 1429   العدد  12974

ونام الحزن
هيفاء الربيع

 

اشتد ضوء القمر.. تمردت المشاعر عن قضبان الحزن توسعت حدقتا العين، تجمد بداخلها سائل شفاف يُسمى (الدمع) وهكذا استند الكيان المنهك على دقائق وخزت رأس أفكاره، حركت قلبه أفاقت الخلايا النائمة في غيبوبة حزن، هكذا هو (الحزن) عندما يتمكن من القلوب فإنه يمسك بتلابيب الفرح، ينهره، يصفعه، يرمي به على حافة الطريق ويأمره بأن لا يجري خلف قطار القلوب الطامحة إنها طامحة للعلا للوصول إلى معاني التقدم والرقي ولكن ذلك الاسم الغامض في ذواتنا قد تملك، وفرش أشواك سطوته بداخلنا إنها لحظة إفاقة نام فيها الحزن للحظات ففرَّ القلب المسكين إلى أرض خالية فأيقن لحظتئذ أنه قد فاته الكثير.

يقول ابن الرهان:

فصرت الآن منحنياً كأني

أفتش في التُراب على شبابي

ولكن أيها القراء الكرام:

هل أنتم بالفعل قد أحدودبت قامتكم، وغزى الشيب رؤوسكم ودلفتم بأعماركم المتقدمة إلى (زنزانة الشيخوخة) بالطبع (لا) فليقلها كل من يقرأ هذه الكلمات.

يقول الطفرائي:

رويدك فالهموم لها رتاجُ

وعن كثب يكون لها انفراجُ

ألم تر أن طول الليل لما

تناهى حان للصبح انبلاجُ

انظروا لأنفسكم في مرآب الحقيقة فماذا سترون بالتأكيد سترون نضارة الشباب، بريق الأمل، قوة الإرادة، نبضات الفرح، تحدي الحزن.

وها هو الحزن قد نام في أعماق قلوبكم فانهضوا إلى حيث طريق النور والتحدي ووضع أولى خطوات التحدي في طريق النجاح إن النجاح لا يأتي من إنسان حزين قد قفل عليه الأبواب وفضل النوم والانفصال عن حياة البشر.

النجاح لا يأتي من إنسان قد فرَّغ قلبه فقط لحمل مشاعر الفيض والكره والحسد وتمنى زوال الخير عن الغير.

النجاح لا يأتي من إنسان قد اختار حياة الغفلة والانسحاب من حياة الإفاقة والنهضة يقول جورج إليوت: النجاح سلالم لا تستطيع أن ترتقيها ويداك في جيبك.

إذاً فإن نهضة الأمم تأتي من نهضة الإنسان نفسه فكلمَّا تخلى الإنسان عن بناء نفسه فماذا سيحدث في كيان المجتمع سيكون بناءً ضعيفا مهزوزا يخشى من قذف الحجارة على زُجاجه الهشَّ، كما يخشى أيضاً عن عاصفة الزمن من أجل أن لا ينهار بناؤه وأساسه الضعيف يقول جبران (للعظيم قلبان، قلبٌ يتألم وقلبُ يتأمَّل).

فلماذا لا نصنع من الألم قطعة خزفية، نقوم بنحتها والعمل على إزالة ما بها من تشوهات ونتأمل أن تكون تُحفة جميلة نكون قد أخرجناها من مكمنها وفرَّغنا كل ما نحمله بداخلها ونحظى بعدها بلذة النجاح والانتصار، إن انتصار الإنسان على همومه نجاح كبير وانتصار الخوف على الحزن وجهان لعملة واحدة هي عُملة الذات الخابية الضائعة، التائهة في صحراء مُظلمة، مُقفرة يظمأ فيها لدفق القلوب الطيبة للمسة أمٍ حانية وقبلة من فم طفل بريء اختار القبلة تعبيراً عن مشاعر حبه نعم (البراءة) لمحة نقرأها في الأعين الحزينة، هناك أعين تشعر ببريق الحزن فيها، تشدك إلى عالمها الغامض حتى وإن ابتسمت الشفاه فلا يزال هناك زخمٌ كبير جداً من سيل حُزنه المتعطش إلى الصحراء ليروي ظمأ تُرابها، يسقي جفاف أشجارها فآه ثم آه من (لغة الحزن) المُغلف بنبض البراءة، تشعر أنك أيقنت تماماً أن الحزن يعيش في القلب ليس حُزناً لذاته وإنما هو امتزاج بالملامح فلم تشأ الظروف أن تُغيرها.

وبالرغم من (بريق الحزن) في (الأعين البريئة) فإن سيل القوة والعزيمة لا يزال يمتلئ في الصدور فما دام مطر الدموع يتقاطر في صمت الليالي فإنه لابد أن يكون هناك في صدر الإنسان منفذ لخروج هذا الألم الطاغي على الروح والجسد، ودفق السيل على أرض صحراوية تماماً كما يتراءى لذلك الكيان رؤية القمر عندما نام الحزن لأول وهلة...

إذاً : الأيمان يُربيَّ النفوس الضعيفة

الصبر يصقل النفوس العظيمة

الأمل يُنفش النفوس الحزينة

فلا تجعل صعود الجبال الشاهقة أمراً صعباً بل تخيل أنك تتسلقه، تطأ على حجارته، تتذكر صبر (أبناء فلسطين) وأنهم جعلوا من الحجارة سلاح، تذكر ما قيل في قديم الزمن (لا تحقرنَّ صغيرة إن الجبال من الحصى).

إذاً الجبال هي الآن شاهقة بقدرة الله عز وجل وحده، فهل تستطيع أيها الإنسان أن تُسخرَّ ما وهبك الله من نعم؟؟

اعلم أن كل كبير كان بالأمس صغيراً.

تماماً كما يكون هذا ماثلا في خلق الله للإنسان وخلق الله عز وجل للجبال، وقدرته في جعل القلوب تحزن، يُقلبها الله كيف يشاء.

اصعد أيها الكيان الشامخ، لا تخف من الصعود أو النزول قاوم تيار الخوف وعش بنفسٍ عزيزة، كريمة، مترفعة عن صغائر الأمور التي تقلل من قدر الإنسان وتُضعف ثقته بنفسه يقول (أبو القاسم الشابي):

ومن يتهيب صعود الجبال

يعش أبد الدهر بين الحفر

فلتنهض أيها الإنسان فلقد (نام الحزن) نام على أرض قلبك الأخضر ببرعمة المورقة وأغصانه السامقة ووروده الندية نام الحزن على ثمار شهية تتدلى من دفق نبضك ونهوض حسك.

فكما القمر يُنير المكان فما تحمله في كيانك نجوم تتلألأ في أفق النجاح كما نراها في مُخملية المساء.

يقول شمس المعالي قابوس:

وكم على الأرض من خضرٍ ويابسةٍ

وليس يُرجم إلا ماله ثمرُ

وفي السماء نجوم لاعداد لها

وليس يُكسف إلا الشمسً والقمرُ


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد