Al Jazirah NewsPaper Sunday  06/04/2008 G Issue 12974
الأحد 29 ربيع الأول 1429   العدد  12974

دور الإعلام في تنمية الحس الوطني
إبراهيم ناصر المعطش

 

تتنوع الأدوار التي ينبغي أن يؤديها الإعلام، وتتعدد المهام المطلوبة منه تجاه المتلقي، لتشكل، في مجملها، ما يطلق عليه رسالة الإعلام، وتختلف هذه الرسالة وفقاً لاختلاف وسائل الإعلام ومنطلقاتها، وتوجهاتها، وملكيتها والهدف من إنشائها، لكن الأمر الذي لا تختلف فيه هذه الوسائل -أو بالأحرى- الذي يجب ألا تختلف حوله وسائل الإعلام (الرسمية على وجه التحديد) هو الدور الوطني.

ويتمثل الدور الوطني في الجوانب الأمنية، والاقتصادية والتنموية، والحضارية، وغيرها، ويجيء حب الأوطان والإخلاص لها على صدر قائمة الأولويات الوطنية، وهذا يضع أمام الإعلام مسؤولية ليست سهلة، وقد يحتاج إلى جهود وخطط ودراسات، فما هو دور الإعلام في تنمية الحس الوطني، وما رسالة الإعلام إزاء تكريس المواطنة؟!

هذه التساؤلات تطرح نفسها بقوة، في زمن صارت للإعلام آلة قوية، ووسائل حديثة، وسطوة وجبروت وتأثير فاعل.. صار الإعلام يقتحم المنازل، والغرف الداخلية يقطع على الناس خلوتهم، ويقتل فراغهم، ويفرض نفسه عليهم دونما استئذان، مستمداً قوة تأثيره من الاستجابة السريعة له والإنصات له بانتباه!

هذه الميزة تجعله في مصدر قوة، وموقع تأثير فاعل، ولكن من الصعب القول: إنه في موضع نجاح، لأن نجاح الإعلام لا يقاس بالقوة فقط، بل بالنتائج، وتحقيق الأهداف، وحينما نتحدث عن المواطنة وترسيخها، وتكريس مفاهيمها، وتزكية حسها بين أفراد المجتمع.. فإننا في الواقع نتحدث عن أمر عظيم، يمكن أن تتفرع منه كل النجاحات المأمولة.. فالمواطن الصالح الصادق المخلص لوطنه، لن يألو جهداً من أجل الحفاظ على أمن الوطن واستقراره، وحفظ أسراره، وكشف أعدائه والمتربصين به، وهو أيضاً لن يبخل بجهد أو فكر من أجل التطوير والبناء والإنتاج والعطاء ولن يستكثر دمه أو ماله أو روحه من أجل الوطن، فروح الانتماء تشد صاحبها تجاه كل ميادين العطاء والفداء، وتدعوه إلى تلبية نداء الوطن (الذي هو نداء الضمير) والاستجابة له سواء في الثغور أو في الوظيفة أو الذود عنه أو محاربة الأفكار التي تهدم البناء الوطني، أو تقلل من شأن المكاسب الوطنية، أو تسيء إلى سمعة الوطن بأي شكل من الأشكال.

هذه الروح مهمة، وضرورية في كل زمان ومكان.. وقال الشاعر أحمد شوقي:

وللأوطان في دم كل حر

يد سلفت ودين مستحق

فلا يظنن كائن من كان أنه يقرض الوطن أو يمن عليه إذا أعطاه شيئاً، مهما بلغ شأن هذا العطاء.. فيكفي حضن الوطن الدافئ ديناً على رقاب الجميع، ويكفي كنفه الآمن الذي يضم أبناءه بكل حنان، دونما نفور أو تمييز.

أين الإعلام من غرس هذه القيم التي تحتاجها كل الشعوب؟ وما هي آليات الإعلام واستعداداته للإسهام في تنمية الحس الوطني لدى المتلقي سواء كان مشاهداً أو مستمعاً أو قارئاً؟ وماذا أعد لذلك من خطط ودراسات وخبراء ومتخصصين؟

فالإعلام يعد لكل جانب خبراءه ومتخصصيه؟ وهو يهتم بالتسويق ويجلب له الخبراء بالرواتب المميزة، ويهتم ببرامج ومادة الطفل فيحضر لها خبراء علم نفس الأطفال والمتخصصين في هذا المجال.. ويهتم بمادة التسلية ويعززها بما تحتاجه من مقومات.. فهل لديه الاستعداد للقيام بدور بارز وقوي لتكريس قيم المواطنة، وإيلائها الأهمية التي تليق بها، وهل لدى صناع الإعلام مشروع وطني يشتمل على هكذا أفكار ومبادرات تردم الفجوة القائمة في تجاويف المفاهيم الوطنية؟ وكيف يمكن الالتفات إلى هذا الجانب المهم؟

الإعلام لا يحتاج إلى حملات توعوية، مثلما تعمل بقية القطاعات التي تضطر إلى ذلك.. إنما المسألة لا تتعدى رسائل إعلامية تتخلل البرامج.. وصفحات الصحف، وموجات الأثير.. فإقامة الندوات، وتخصيص البرامج، واستضافة الخبراء ومخاطبة النشء بما ينمي القيم الوطنية، وحب الأوطان والإخلاص لها، وتجذير الانتماء، كفيل ببث روح الحس الوطني بشكل ينطلق من الوجدان والشعور، ويجعل هذا الحس يتقدم الأولويات، ويتصدر الاهتمامات.. لأن حب الوطن ليس فقط التغني بحضنه الدافئ، ورحابة أرضه، وزين ترابه، وتقاليد أهله، وجمال طبيعته وحسب، بل هو انتماء وجداني، ووفاء وإخلاص، وفداء وحضور دائم وفعل كل ما يسهم في رفعة الوطن واستقراره والحفاظ على سمعته ومصالحه، وبالتالي رفض ومحاربة كل ما يمس بهذه القيم الوطنية بقناعة وتجرد.

نريد دوراً إعلامية لتنمية الحس الوطني لتكون مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الضيقة، وفوق المصلحة الشخصية.. والإعلام قادر على ذلك إذا التفت إليه بجدية، ووضعه ضمن أجندته، وأعني بذلك الإعلام الرسمي الذي هو أقرب إلى هذا التوجه، وأجدر بأن يؤدي هذا الدور، فهو لا يقل عن الاهتمامات الأخرى، بل يتصدرها.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد