Al Jazirah NewsPaper Sunday  06/04/2008 G Issue 12974
الأحد 29 ربيع الأول 1429   العدد  12974
شمعة في مهبّ الريح
د. سعد بن محمد الفياض

لم أكن أبداً أفكر في أن أدخل سراديب مثل هذه السراديب، أو أن أعايش بعضاً من هموم أولئك القابعين في غياهب الضغط النفسي، وألم المعاناة، من خلال كتاباتهم ومراسلاتهم على البريد؛ إنها معاناة تلك الشموع التي يحاول البعض إطفاءها!! مع علمهم أن الشمعة هي مصدر الضوء والدفء، وهي مصدر الخير والنفع، كم فرجت من كربات، ونفسّت من هموم، وأضاءت من غياهب؟ وخصوصاً عندما تظلم الأمور في وجه المرء، ويشتد ظلامها؛ فليس له - بعد الله - إلا البحث والاستعانة بشمعة كمشكاة فيها مصباح، هذا هو أثر الشمعة وتأثيرها. وإذا كان الأمر كذلك فإن من ألزم الأمور على المرء هو التفتيش عن الشموع الأصيلة النافعة ومن ثم المحافظة عليها والعناية بها.

وهناك شمعة هي من أنفس الشموع، شمعة تحرق نفسها لتضيء لغيرها وتشقى وتتعب ليسعد ويرتاح آخرون، هذه الشمعة هو ذلك الرجل الذي يتوقد نفعاً وتربية؛ إنه المعلم الذي - كما قيل - كالشمعة تحرق نفسها لتضيء ما حولها.

إنه المعلم صانع مجد الأمة الحقيقي، وتقدم الأمة وتطور نتاجها لا يكون - بعد الله - إلا على يديه؛ فجميع فئات المجتمع للمعلم عليهم حق لا ينكر؛ فالجميع قد نهلوا من علمه واقتدوا بسلوكه؛ القاضي والطبيب والمهندس والجندي والتاجر ورجل الأعمال بل إن أعلى هرم في التعليم وأصغره قد نهلوا من علمه وتتلمذوا على مائدته.

إنه المعلم الذي عانى الكثير والكثير، عانى الهم والغم والنصب والأسقام، بدءاً بالقرارات والتعاميم التي تصب عليه صباً، تارة في أسلوب تهديد، وتارة في أسلوب لوم، وكذلك النصاب المجحف أو التوزيع غير العادل أو النقل والندب المرتجل الذي لا يراعي الظروف أو العوامل النفسية؛ ذلك هو المعلم الذي من أغلى أمانيه وأعز أحلامه أن يستقر في عمله وأن يشعر بالعدل والإنصاف، والاحترام والتقدير وأن تعود إليه الهيبة التي ذهبت مع مهب الريح والتي أصبحت مجرد حبر على ورق لا مكان لها في الواقع، هذا هو المعلم الذي أصبح في حيرة من أمره؛ فالوزارة تريد والإدارة تتوعد والمركز يراقب والنصاب في ازدياد وضغط الدم في ارتفاع والهم والغم!!

فإذا كان هذا هو حال المعلم وما يشعر به وهذه حال الشمعة التي يحاول الجميع إطفاءها، شعروا بذلك أم لم يشعروا، أدركوا ذلك أم لم يدركوا!!

إن على الوزارة - بأركانها وإداراتها وآلياتها - أن تعيد حساباتها في شأن المعلم ومكانته؛ فهو يجب أن تكون له المكانة العالية الرفيعة من حيث الاحترام والتقدير قولاً وفعلاً. لابد من نظرة عادلة منصفة إلى نصاب المعلم يستوي فيها الجميع ومحاولة التخفيف منه، خصوصاً إذا زادت سنوات خدمته في التعليم؛ فكلما كبر الإنسان زادت همومه ومشاغله وكثرت آلامه وآماله؛ فلا بد من رؤية جادة في التخفيف من النصاب فصاحب الخمس عشرة سنة أو العشرين سنة في التعليم ليس كصاحب السنة أو السنتين في النشاط والحيوية والصحة والعافية!! فليس من العدل أن يساوى الشاب القوي المبتدئ في التعليم بالرجل الذي شاب رأسه وانحنى ظهره وضعف بصره!! فإنه من الممكن التخفيف عنه وإعطاؤه رتبة معلم أول مع إسناد الإشراف والمتابعة إليه على من هم أقل منه خبرة مع إعطائه الثقة والفرصة للاستفادة منه.

على الوزارة أن تعي أن أي ضغط نفسي على المعلم من قبلها أو محاولة تحجيم دوره والإقلال من هيبته فإن مردود ذلك سيكون سلبياً على التربية والتعليم؛ فكيف نرجو من معلم هذا وضعه وهذا حاله أن يبذل أو أن يقدم لطلابنا العلم والتعليم والتربية والتوجيه؟

أخيراً، إن كانت الوزارة حقاً عازمة على التطوير والإصلاح فلتصلح أولاً ما بينها وبين المعلم لتسعى بكل إمكانياتها لإزالة هذه الفجوة العميقة، ومن ثم البدء في إعادة الهيبة والمكانة التي افتقدها العاملون في حقل التعليم. عندها فقط سيرتقي التعليم وتجنى الثمار، والعكس هو الصحيح!!



Saad.alfayyadh@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد