Al Jazirah NewsPaper Monday  28/04/2008 G Issue 12996
الأثنين 22 ربيع الثاني 1429   العدد  12996

استراحة داخل صومعة الفكر
سعد البواردي

 

أغصان تتلظى

يحيى صديق حكمي

124 صفحة من القطع المتوسط

لا شك أن أغصانه تتوهج من لهب شيء ما.. الحب مثلاً.. الحرب مثلاً.. الهجر مثلاً.. الاغتراب مثلاً. أشياء كثيرة تدفع بأشجار العمر لأن تكون حامية كالنار.. كاوية كالجمر.. لن يكون الحكم مسبقاً ما لم نذق جميعاً طعم حرارتها أو مرارتها..

يبدو للوهلة الأولى أن خصومة بينه وبين شعره ساقته إلى الفراق.. لماذا؟!

تنأى فينأى الهوى عني واغترب

لما تفارقني -يا شعر- اغترب

أراك عاشقة أبدت لعاشقها

جمالها فغدا يبدو ويغترب..

هنا جماليات الشعر المتحرك الذي يأبى الركود على.. والركون إلى وتيرة واحدة.. ماذا يرى بأخيلته مضارب هوى شعره؟ يراه نفحة غيث.. يراه النخيل.. يراه التخيل.. يراه خيمة وجد.. يراه.. ويراه..

ما كنت تقسو وفي كفيك ساقية

من الحنان.. وما أزاري بك الغضب

ومنك حبر الندى يضفي بأحرفه

دمعاً تسلت به -لو تُنطق- الهدب

تكون -يا شعر- نوراً يستضيء به

أهل الهوى.. وأنا -يا شعري- الحطب

الشعر الحطب يا شاعرنا هو الذي يؤجج النار والوهج. والدخان. والدماء.. دون حطب لا نار ولا احتراق ولا يحزنون.

(غضبة الورد الأحمر) لا أدري هل يتميز عن غيره من أنواع الورد..؟ أم أنه ورد له دلالة خاصة توحي بموقف ما..

اتركيني يا قبلة الحس مما

يعتريني من حسنك المقهور

وزعيني ما شئت. ها هو قلبي

لم يعد في كياني المنثور

أنتِ عطر الآفاق بشمسك غيما

يتندى. رقت إليه صخوري

كلما هزني الفراق تجلى

لي أنين الحنين نفحة نور

هكذا عذابات الحب الواله.. تتحول إلى عذوبات يستطعمها المشار بشوق حتى ولو كان لها وخز الأشواك.

أنا أخشى أن يزرع الريح

شوكاً في طريق المحبة المأسور

الخشية واجبة يا عزيزي.. وبالذات حين يطل الهجر بوساوسه.

ليس لي الهجر يا أميرة قلبي

أنتِ أدرى بالحالم المسعور

شاعرنا موله بعشقه حتى هامة رأسه.. قصائده (لهب وبوح).. تبوح بمكنونات نفسه المتيمة و(بقايا عذاب) تغالبه لحظة صمت.

يا منى الروح إنما الصمت ليل

ورفيف العتاب أندى خليلا

فامنحيني هواطل العتب حتى

لا تواري النفس شيئاً دخيلا

وبشيء من التمرد تكون له وقفة:

لفظت أحرفي الخنوع وافضت

للتجلي حرفاً أنيقاً نبيلا

الخنوع في الحب يعني الركون إلى الفشل.

(شموع تورق الأسى) لها نفس المذاق. نفس اللون. نفس الرائحة.. ونفس النهاية.. تلخصها هذه الأبيات:

حلفت لها أن الهوى شحه النوى

وان الغرام الصب في روحيَ ارتجا

وان رؤى الأشواق قد شاخ دلها

وان شعاع العشق في زمني ضحا

فما اتضحت الا مكوثاً.. كأنما

دمي قد غدا للحزن والأرق الملحا

هذا هو الشعر الواله.. إنه كالحب المتحرك في قربه وبعده.. تحسه.. ولا تلمسه إلا نادراً حين تتبلد الأشواق وتتجمد لهفة العناق..

حتى (أهازيج) العنوان الذي تلمست فيه الفرحة انتهى كغيره نهاية مأساوية يتحدث عنها شاعرنا بنبرة أسى وحزن:

فلم ألق غير الصد صبّ لي الأسى

كؤوسا وأجرى في جوانحيَ البلوى

ليت ان شاعرنا أعطى لنا فرحة حب لا تتحول إلى قرحة عتب ولا غضب.. ولكن ماذا بيدنا جميعاً وقد أمسك بخيوط الشراع يحركها يمنة ويسرة كما يطيب له.. نحن مسيرون لا مخيرون.. من يدري فقد يمنحنا الحظ لحظة راحة واستراحة من الحب وشجونه وجنونه:

(أنتِ يا عاذلتي) ماذا له؟ وماذا عليها أو لها..؟!

أنا من دونكِ أبقى في سفوح اليأس..

هل ستنتشله من السفح إلى أعلى دون يأس؟ وهو يغازلها بكل أدبيات الشوق.. (أنت روحي).. (أنت أحلامي).. (أنت مقلتي).. (أنت غيثي).. خطاب مليء ومشحون بالمشاعر انتهى إلى مجرد أمنية:

ليتنا نرحل يا موارة الأشواق للعشق

للأنسام الرضى.. نرحل للحب على متن حنان

التمني لا يصنع معجزات.. دائماً يعوقها.. لأنه لغة عجز..

(لا تعذلي شفقا) هكذا اصطفى العنوان.. فهل من جديد؟!

صوغي من الحب ما يحلو من الطرب

فالهم قرّب نائي الوجد من تعبي

وارو الحشا من تباريح الهوى فأنا

معتّق الحزن.. قد كُفنتُ في كُربي

شهادة حق قلتها بنفسك عن نفسك كلنا شهود عليها.. فمن دعاء.. إلى نداء.. إلى رجاء.. إلى عناء.. هل ستنجلي غمامة الشكوى؟! أرجو..

ليلاي اني كسرت النفس في وله

معطر.. بالإباء الغض مختضب

ليته بالإباء البض لا الغض لكان أقرب إلى الفأل:

عرفت أن حياتي نار أسئلة

تبعثرت.. والجواب المر في الحطب

مؤشر لدخان سيتصاعد عما قريب إن لم تُحسن من موقفها نحوه:

فاستلهمي من سفير الحب أمزجة

تزيل ما قد جرى في الروح من وصب

يطيب جرحي إذا داويته. وإذا

تنأين عني فإن الجرح لم يطب..

لمحتُ فيكِ المنى يسري تموهجا

في منتهى العطف ما عابت ولم تعب

وبكل توصيف مرهف الكلمات:

عشقي كما الطفل يهوى ماء رابية

براءة العشق ثوب الطهر. عشق صبي

وما زال الأمل باقياً دون نهاية:

(فراق عند اهتزاز النور) عنوان:

طيوف الأماني ليس بَعد الهوى بُعد

أفيئي فدرب الحب ليس له حد

وصوغي من الأغصان قيثار شاعر

ليهنأ للطير المعذب أن يشدو

كل هذا جميل ورائع:

بدونك لا يحيا الهوى في ربوعنا

كما الجيد لا يزدان من دونه العقد

ويبدأ المشهد الوصفي يتلاحق.. إنها الغيمة.. يسترجع إلى الذاكرة قصص العشق والعاشقات والمعشوقات (ليلى) و(سلمى) و(دعد) و(هند).. وينتهي شهريار في الصباح عند الكلام المباح..

(الجوزاء).. تلك النجمة التي تبرق في السماء.. لجأ إليها شاعرنا بعد أن ضاق ذرعاً بنجمات الأرض..

حدثيني يا طلعة الجوزاء

عن شرودي في وجهك المتنائي؟

كما يعاني العشاق من ليل بُعد

وأعاني من لفحة اللأواء؟!

كيف يحيا الفؤاد والليل داج

ونهار ابتهاجنا في انزواء؟!

ويدير رأسه إلى الحزن بعد جوزائه التي بثها شجونه وشؤونه.. الحزن الذي بداخله ارتضاه خصما وحكما:

أيها الحزن قد رضيتك حلاً

مذ رضيت العنا مع الشعراء

وطرح في محكمة الحزن شواهده وشهاداته.. الحكم حتى هذه اللحظة لم يصدر له.. أو عليه.. هكذا تبدو الأمور معلقة..

(غيمة ود) وعتاب منها وجواب منه:

تعاتبني والقلب يسلو ويرفق

وتجفو عن اللقيا. فأحنو وأشفق

أقول: أهذا البُعد يشفيك غلة

وأمواج حزني في الحنايا تدفق

أيسليك يا روح المنى أن بيننا

من البُعد ما يغري حناني ويحرق؟

كل هذا الخطاب الخطب في قاموس الحب قرأناه لشاعرنا ومن شاعرنا المجيد يحيى حكمي.. إلا أن الذي لم نقرأه ولو مرة واحدة خطاب عروسة شعره الحاضرة بطيوفها.. الغائبة بحضورها.. الشكوى لشاعرنا تنتهي إلى مجرد صدى لصوته تختزل الفكرة قبل أن تكتمل:

كأنشودة تاهت مع الريح بعدما

تغنى بها السمار -دهرا- وصفقوا

(غيهب الأبد). و(وحدي). (الغور). و(وهم في نوارة الذات) محطات مذاقها كسابقاتها حلاوته في مرارته.. لأنه بلغة الشعر إبحار في بحر المعاناة ليس من الضرورة أن تجني الأصداف.. يكفي أن ترصفها دون أن تقترب منها.

(عنان شوق) عنوان محطة جديدة تصدع بالمناجاة:

سطري من لحاظك الولهانه

قصة الحب ديمانة هتانه

إن تندى من فيك سعف هياء

فالمزايا كروضة مزدانه

بتُّ ألوي عنان شوق عميق

ولي العشق بات يلوي عنانه

شاعرنا يطارد الحب ويطارده الحب دون أن يكل أو يمل لقد وجد فيه هوايته وهويته.. إنه يطبطب على أكتاف وجدانه ووجدانها معا:

يا لحاظا يلفها المسهد رقي

لخلي سلبت منه اتزانه

واقرئي الشوق. لملمي كل طيف

في مراياه.. أطفئي نيرانه

في كل مرة تطل نيران وجوه مشتعلة دون اطفاء.. ودون انطفاء.. وتلك مشكلته المزمنة.

هذه المرة عشقه لحسناء اسمها جازان:

جازان نهر الحب دفاق

فيك الدنا عطر واشراق

العشق موالك يا جنة

في روضها.. ألكل عشاق

قصيدة أنت نمت في دمي

حروفها عهد وميثاق

أهيم في لثمك. هذا أنا

يمور من ليلاي إرهاق

على ذراعيك أرتمي شاهق

مسطر.. حبر وأوراق

أنتِ المنى جازان يشتد في

نجواكِ إرعاد وابراق

على وقع هذا الإيقاع الجميل غنى لمدينته.. وتغنى بها.. عانق البحر. والساحل.. والجبل الرائع.. وخضرة النماء. حسنا فعل.. وإذا كان غنى لمدينته فإن دائرة شدو اتسعت مساحتها ومساحتها نحو وطنه المترامي الأطراف.

يرسو على ضفتيه الحب. والأمل

وفي حناياه يهمي الغائم الهطل

أرض له تسكب الذكرى معطرة

تفيض من فجرها الأنوار والشعل

يا موطني أنشد التاريخ أغنية

رضا بها ما حواه الوصف والغزل

ملأت قافية الإقدام ملحمة

تحار عن سردها الألفاظ والجُمل

إلى أن يقول:

فيك ارتقت راية الإسلام وارتفعت

فوق الذرى. وتهادى الزيف والدجل

وقمت في يدك التوحيد ترسل

معلماً.. وبه للمرتقى تصلُ..

يا موطني يا رياض الخير يأسرني

فيك الهوى فتغني للهوى القبل

أعطى شاعرنا الإبداعي كل ما في قلبه من نبض.. وكل ما في عقله في إيحاء وهو يترسم وجه وطنه.. ومعالم وطنه. وملامح أهله وقومه.. كان رائعاً.. ووفياً.. ولم ينس (الرياض) قلب وطنه خصها وهي البكر بأخرى لا تقل عن سابقتها في دلالاتها ومجالاتها..

هنا في (الرياض) البكر ولهى تنهدت

مسافاتها. عشق التحلي تنهدا

تعطرت الدنيا لها.. ينشر الرؤى

تفردُها.. والشيح منها تفردا

على رقصات النور يختال جيدها

جمالاً.. أفدّي جيدها لوهمي الردى

هنا قلّد التاريخ للأرض مجده

هنا زمن الكثبان غنى وأنشدا

هنا عرف الإلهام أغرودة النهى

فغتها حرفاً.. غراما معمدا..

بوركت يا شاعرنا الأصيل بشعره.. الجميل بمشاعره.. أخرجتنا من دائرة العشق المغلقة إلى فضاءات الحب المطلعة تحلق بك ومعك في رحاب وطن هو في دواخلنا سكن. ومثوى. ومأوى. وتاريخ.

(لحون المساء) مشهد حياتي له أكثر من وجه.. وأكثر من تقاسيم.. أشبه بالتأملات الحياتية الموجعة:

غار في صمته العصيب البيان

وتهادى من الأسى التبيان

ما ارتوت أحرف القصيد مناها

في رؤى اللحن ماجت الألحان

وازدهار الربيع امحل فيه

الروض فيح مؤجج ودخان

والعصافير لم تجد عشها الحاني

لتأوي.. عاثت به الغربان

واليتامى قوافل وقطار الخو

ف يجري على ثراه الهوان

على هذا النسق من الشكوى جاءت نظرة شاعرنا إلى عالمه المسكون بأوجاعه رمادية قاتمة..

كيف تزهو الحياة والكفر ضار

يتمطى يرغي له الطغيان

يا لحون المساء ثوري فإنا

أمة في حقوقها تستهان

هنا وضع يده على الجرح النازف.. عزف له في حيرة وحسرة.. لعل صرخة إيقاظ منه تفتح منافذ البصر والبصيرة المغلقة.

شذبتها شدائد الدهر حتى

لم يعد للوجود فيها مكان

ينبري للحلول فيها غويء

كيف يهدي حلولها افعوان؟

(ترانيم لأمتي) خطاب آخر له نفس الوجه والتوجه.. يذكر بالماضي.. ويستفز الحاضر.. ويتطلع إلى المستقبل بشيء من الفأل المشوب بالحذر.

اصنعي يا سلالة المجد مجداً

يتحدى قوافل الإرهاب

وابعثي من حجارة القدس بركا

ن فداء. في عزة. وارتقاب

من دموع المأساة يبعث نصر

ان رجعنا لربنا الوهاب

(لا. يا قيود) مقطوعته قبل الأخيرة اجتزئ منها بعض الأبيات المعبرة.

ألا أيها الزمن المر شاهدت لفح

الأسى في السنابل

تراءيت نمنمة الشيح تجتر من

هوجة الريح وسطر الجداول

رأيت اللظى تجرف الروح.. حرفا.

فلا أغصن تعزف الناي

تخضر شوقاً.. ولا نسمة من ندي الخمائل

ولكنني (الوعد) لي رجعة اغرس البدر رغم الغوائل

أخيراً يلف شاعرنا رداء الغربة.. فيتسربل بالحنين والأنين على إيقاع وتر القيثار الحزين..

تغيب شخوص الحب عمن أحبها

وليس يغيب الهم عنها ولا الذكر

ومهما صدور العاشقين تفرقت

فقد يجمع العشاق في مقة صدر

همّ شاعرنا إنساني يتجاوز حدود الجغرافيا والديموغرافيا الضيقة.. مشهد الاغتراب لديه ضياع وطن.. تشرد شعب.. ومأساة أمة..

سواي الذي قد أرضع البعد والنوى

فقسمي بها التهجير. والمسلك الوعر

وقسمي بها أن لا أشم هواءها

وحالي بها التغريب. والخوف. والأسر

ويرنو ببصره إلى الأرض السليبة عن يمينه وعن شماله ليشهد الملامح الحزينة تشكل صورة مأساوية لوطن مستباح.

ولكنني والقدس عشقان عشنا

ربى (المسجد الأقصى) بذا نطق الدهر

عشقت بها الأغصان لما تفتحت

براعمها فانسل من جوفها الزهر

عشقت بها الزيتون رمزاً لقامة

على الجمر ما تغنى ولو مضها الحجر

لأني شممت العطر في أفق أرضها

متى يا ترى ينزاح من مسه العطر

هو البين يا قدساه مرت صروفه

على كبدي.. أواه لو يجبر الكسر

وبروح الفداء يرتفع صوت النداء جسوراً كالعاصفة.. جسوراً كالفتح.. قويا كالجهاد الذي لا يخشى الموت:

إذا عز في دار المنايا لقاؤنا

ولم ألثم المغنى. فأرضك لي قبر

يا رفيق الرحلة.. يحيى حكمي في شعرك حياة وحكمة.. لولا نهايات شعرك الوجداني التي أصابتنا معك بالإحباط.. ولا واحدة منها كان لها نهاية فرح.. الحب ليس كل مأساة تستدعي المواساة.. فيه ما ينبت الحقل.. وفيه ما يجتث حصاد الحقل.. إنه أمل.. وألم.. إنه بداية ونهاية.. أكثر من فصل.. صيف وربيع وشتاء وخريف.. وما أعطيته من حب شتوي يحتاج إلى دفء أنت القادر على ضخه بمقدرتك الشعرية المتميزة.

الرياض ص ب 231185

الرمز 11321

فاكس 2053338


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد