Al Jazirah NewsPaper Wednesday  07/05/2008 G Issue 13005
الاربعاء 02 جمادى الأول 1429   العدد  13005
ضرورة حماية المشروع الوطني الفلسطيني من استحقاقات التسوية الراهنة
هل ما زال المشروع الوطني وطنياً؟!
أ. د. إبراهيم أبراش

المشروع الوطني محل التداول اليوم بمرجعيته القانونية ومحدداته السياسية والجغرافية، حديث نسبياً؛ فهو نتاج لفكر التسوية، وإن لم يكن جزءاً أصيلاً منها، وحيث أإنه مشروع، أي ما قبل الإنجاز، وحيث إنه مرتبط بتسوية متعثرة وبحالة سياسية فلسطينية أهم مميزاتها غياب استراتيجية عمل وطني وقيادة وحدة وطنية، فإن كثيراً من اللبس والغموض ينتاب هذا المشروع، خصوصاً مع ظهور حركة حماس التي تقول بالمشروع الإسلامي بما يترتب على هذا المشروع من تعارض مع المشروع الوطني من حيث استراتيجية العمل لتنفيذ المشروع وشبكة العلاقات والتحالفات الإقليمية والدولية ومفهوم التسوية ومفهوم الدولة الوطنية ونظام حكم الدولة.

ظهرت فكرة مشروع وطني لأول مرة مع انبثاق الوطنية الفلسطينية في نهاية الخمسينيات وكانت نشرة (فلسطيننا) المعبرة عن رأي حركة فتح أحد منابر التعبير عن هذه الوطنية الصاعدة، ولكن آنذاك كانت فكرة وطنية خالصة. كان يتم التعبير عن الفكرة الوطنية الفلسطينية بالهوية الوطنية وبالكيانية الفلسطينية، وكان واضحاً أن المقصود بالكيان الفلسطيني، دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة الخاضعين آنذاك لكل من الأردن ومصر. غابت الفكرة مع ظهور منظمة التحرير الفلسطينية؛ فبالرجوع إلى الميثاق الوطني الفلسطيني - 1968م - لا نجد أي حديث عن دولة فلسطينية أو مشروع وطني بمفاهيمه المتداولة الآن؛ لأن فكرة الدولة الوطنية كانت محرمة وممنوعة من القوى القومية ومن الأنظمة العربية. اقتصر الميثاق على تعريف الشعب الفلسطيني وحدود فلسطين التاريخية وتحدث عن تحرير فلسطين كل فلسطين، بل اعتبر الميثاق قرارات الشرعية الدولية باطلة؛ فالحقوق التي يطالب بها الفلسطينيون - كما وردت في الميثاق - هي الحقوق التاريخية. عاد الحديث مجدداً عن الدولة من طرف حركة فتح أيضاً في نهاية الستينيات - 1968م تقريباً - ولكن هذه المرة كان الحديث عن دولة ديمقراطية علمانية على كامل التراب الفلسطيني، وقد تم تبني هذا الطرح رسمياً من منظمة التحرير الفلسطينية عام 1971م عندما تبناه المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد آنذاك، وحتى ذلك الوقت كانت الشرعية الدولية وقراراتها مرفوضتين فلسطينياً.

في عام 1974م وبفعل ما أنتجته حرب أكتوبر 1973م من مفاعيل وتداعيات سياسية وعسكرية، نضجت فكرة التسوية الفلسطينية أو خرجت من تحت الرماد، وجرت محاولة التحايل على الحقوق التاريخية بالحديث عن مشروع سلطة وطنية (على أي شبر من الأرض يتم تحريره أو يعطي لنا)، ومع أن فكرة السلطة أو البرنامج المرحلي - كما سمي آنذاك - لم يعلن التخلي عن مشروع الدولة الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني - فلسطين من البحر إلى النهر - إلا أن هذا التوجه أدى إلى انقسام حاد في الساحة الفلسطينية وأصبحت فكرة الدولة على جزء من فلسطين التاريخية محل تفكير جاد. انشغلت منظمة التحرير بالحرب الأهلية في لبنان وما أدت إليه الحرب من إخراج المنظمة من لبنان إلى الشتات، ثم جاءت اتفاقية كامب ديفيد وما أوجدته من حراك لفكر التسوية عربياً ودولياً، كالحديث عن مؤتمر دولي للسلام، وعقد قمة فاس الأولى وفاس الثانية، كل ذلك جعل العقل السياسي الفلسطيني مهيأً أكثر لفكرة التسوية ولإعادة صياغة مفهوم المشروع الوطني والثوابت الوطنية. يلاحظ أن ولادة المشروع الوطني تزامنت مع رفع شعار استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، من منطلق أنه لا يمكن تأسيس مشروع وطني دون قرار وطني مستقل، وكانت منظمة التحرير، وتحديداً حركة فتح، ترمي من وراء رفع شعار استقلالية القرار إلى وضع حد للتدخلات الخارجية، وخصوصاً العربية، بالشأن الفلسطيني والحيلولة دون إلحاق الشأن الفلسطيني بهذا المحور العربي أو ذاك، وقد يكون العرب يرمون من وراء الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً دفعها لخيار التسوية.

يمكن اعتبار بيان إعلان الاستقلال في دورة المجلس الوطني بالجزائر عام 1988م بداية التحول في مرجعية الحقوق المشروعة وفي مفهوم الثوابت الوطنية والمشروع الوطني؛ فلأول مرة يتم الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية بديلاً للشرعية التاريخية واعتمادها كمرجعية لمشروع وطني قد تنتجه تسوية سلمية، وقد تأكدت هذه المرجعية في مؤتمر مدريد ثم في اتفاقية أوسلو ولكن في هذه الأخيرة بتوظيف انتقائي للشرعية الدولية فرضته الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تم الاقتصار على قراري 242 و338 من بين عشرات قرارات الشرعية الدولية، فمثلاً تم تغييب قرار التقسيم 181 وقرار عودة اللاجئين 194، الأمر الذي أدخل التسوية المشروع الوطني في متاهات التفسيرات الغامضة لقرار 242.

كان أخطر ما نتج عن ربط المشروع الوطني بقراري 242 و338 تحديداً هو إفقاد هذا المشروع لاستقلاليته الوطنية، وهي الاستقلالية التي دخلت المنظمة دفاعاً عنها عدة حروب ومواجهات مع أكثر من دولة عربية. مع توقيع اتفاقية أوسلو تم الانتقال من مشروع وطني مستقل ومقاوم لمشروع وطني خاضع لشروط تسوية غير متوازنة وحدث تصدع للإجماع الوطني حول هذا المشروع؛ وبالتالي غياب استراتيجية سلام فلسطينية واضحة، وأصبح المشروع الوطني رهين العملية السلمية وما أنتجت من اتفاقات، والأخطر من ذلك أنه أصبح رهين الموافقة الإسرائيلية؛ فلم يعد من الممكن إنجاز هذا المشروع الذي يقول بدولة مستقلة في الضفة وغزة إلا بانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي، والانسحاب مرتبط بنجاح عملية التسوية، ونجاح العملية السلمية في ظل التوازنات الدولية الراهنة مرتبط بالموافقة الإسرائيلية، وما يجعل الشرط الإسرائيلي شرط لزوم وضرورة لقيام المشروع الوطني هو الجغرافيا السياسية، حيث تفصل أراض إسرائيلية ما بين الضفة وغزة، وبالتالي استحالة التواصل ما بين شطري المشروع الوطني إلا بموافقة إسرائيل. إذن الخلل في مسار المشروع الوطني في ظل التسوية الراهنة لا يكمن فقط في أنه فقد استقلاليته بل أيضاً في الجغرافيا السياسية والتباسات تفسير القرار 242 فحتى لو لم تكن هناك سلطة ومسلسل تسوية وقام الفلسطينيون في الضفة وغزة بتحرير هاتين المنطقتين من الاحتلال أو أجبر المنتظم الدولي إسرائيل على الانسحاب منهما، فكيف سيحدث التواصل بين المنطقتين دون موافقة إسرائيل؟

هذه الجغرافيا السياسية حاضرة بقوة اليوم في الجدل حول المصالحة الفلسطينية وعودة وحدة المشروع الوطني سياسياً ومؤسساتياً بعد انقلاب حركة حماس، فكيف يمكن لإسرائيل أن توافق على عودة التواصل بين غزة والضفة فيما حركة حماس المسيطرة على غزة لا تعترف بإسرائيل ولا بالاتفاقات والقرارات التي يعتمد عليها هذا المشروع الوطني؟ كيف يمكن لإسرائيل العدو الرئيس للمشروع الوطني والحقوق الوطنية أن تساعدنا على توحيد ما فرقناه؟

لو كان المشروع الوطني مؤسساً على كامل قرارات الشرعية الدولية، ولو كانت هناك استراتيجية عمل وطني فلسطينية تؤمن بالسلام، ولو حافظت القوى السياسية الفلسطينية على استقلالية قرارها لكان الشرط الإسرائيلي أقل حضوراً وخطورة؛ حيث ستكون إسرائيل مجبرة على فتح الممر الآمن بين الضفة وغزة بضمانات دولية أو يكون ممراً دولياً، إلا أن المرجعية الدولية أخذت تتوارى وتغيب بشكل مقصود وبطريقة متدرجة، وإسرائيل نكصت عن العملية السلمية وواصلت الاستيطان. ليس هذا فحسب بل تم تجاوز حتى مرجعية الشرعية الدولية بصيغتها التي وردت في اتفاقية أوسلو لمرجعية تفاوضية تقوم على ما يتفق عليه المتفاوضون على طاولة المفاوضات بضمانات أمريكية، وأصبح الرئيس بوش هو المرجعية وضمان نجاح المشروع الوطني القائل بدولة فلسطينية نتيجة التسوية.

قد تبدو هذه المقاربة للمشروع الوطني القائل بدولة في الضفة وغزة، محبطة أو تجعل المشروع يبدو مستحيل التحقيق، وهذا كلام صحيح إذا ما بقي الوضع الفلسطيني على حاله من حيث الانقسام وغياب استقلالية القرار الوطني، فلا يمكن أن نتحدث عن مشروع وطني دون قرار وطني مستقل ودون استراتيجية عمل وطني، أيضاً سيكون المشروع مستحيلاً إذا ما بقيت المفاوضات على عبثيتها أو انتقلت سرياً لتؤسس لتسوية جديدة قائمة على ما نتج عن الفصل، وسيكون مستحيلاً إذا بقيت المراهنة على الولايات المتحدة كمرجعية وحيدة للتسوية ولمشروع الدولة إلا أنه مقابل هذه المحبطات هناك حقائق على الأرض تفرض نفسها، أهمها وجود شعب فلسطيني متجذر بوطنه فلسطين مقارب في العدد للساكنة من اليهود والمؤشرات تقول إن نسبتهم ستزيد على نسبة اليهود خلال سنوات. وحقيقة أخرى تقول إن الفلسطينيين لم يرفعوا الراية البيضاء على الرغم من كل المحن التي يتعرضون لها. وحقيقة ثالثة تقول إن السلام لن يتحقق بالمنطقة إلا بحل عادل للقضية الفلسطينية.

أمام هذه الحقائق يمكن القول إن الخلل هو في (مشروع) لاستعادة حقوق فلسطينية بمقتضى تسوية سلمية أفرزتها توازنات ومتغيرات دولية. تعثر هذا المشروع، وإن سمي وطنياً، نتيجة تعثر التسوية أو فشلها، أو نتيجة الانقلاب في غزة، لا يمس بجوهر الحقوق الفلسطينية وبحق الفلسطينيين في إعادة صياغة المشروع الوطني، سواء من حيث مكوناته أو مرجعيته أو أهدافه أو استراتيجية العمل لإنجاز هذه الأهداف. المشروع الوطني المؤسس على التسوية لن يكون وطنياً خالصاً وملزماً للفلسطينيين إلا بعد أن يصبح واقعاً؛ أي بعد قيام الدولة الفلسطينية على كامل الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين إلى ديارهم.



Ibrahem_ibrach@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد