أكد عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بجامعة الملك سعود الدكتور عبدالله الجوعي أن قرار إلغاء الاختبارات المركزية للثانوية العامة لم يكن سوى حلقة في سلسلة إجراءات وأنظمة تصب في ترهل التعليم وتعزز اضمحلال مصداقية التقويم في المرحلة الثانوية مضيفا أن مصداقية التقويم في التعليم بعامة وفي المرحلة الثانوية بخاصة بدأت تهتز وانعكس ذلك جليا على بنود القبول لدى الجامعات، ولكي أكون منصفا فإن نسبة الثانوية العامة لم تعد مؤشرا حقيقيا لمستوى الطالب العلمي والفكري، وإنما هو -في الأعم الأغلب- تضخم وورم يتطلب علاجاً عاجلاً.
ومضى الدكتور عبدالله أن ما سبق قد يكون شافعاً لضرورة وجود معايير دقيقة علمية محايدة تضع الطالب أمام حقيقة مستواه وتقيس إمكاناته العلمية والفكرية، وهذا ما وجد مؤخراً متمثلاً في اختبارات المركز الوطني للقياس والتقويم بشقيه التحصيلي والقدرات.
وبيَّن الدكتور الجوعي أن القضية -في نظري- أعمق من مسألة إلغاء مركزية الاختبارات في المرحلة الثانوية، إن الأمر يتعدى إلى جملة من النقاط أوجزها فيما يلي:
- التوجه إلى تنجيح الطلاب بحجة التكلفة المادية يقود إلى تخريج أجيال لا تحمل من العلم إلا الشهادات!
- إن منح الثقة التامة لكل مدرسة أن تقوِّم تلاميذها مدعاة إلى التساهل وصولاً إلى تلميع و(تسويق) تلك المدرسة.
- إن ضعف المستوى العلمي لخريجي الثانوية العامة ظاهر جدا بالرغم من أن الطالب إلى الآن يحصل على نصف درجاته على الأقل بجدارة، فكيف إذا كان يحصل على معظم درجاته بغير جدارة.
- إن النتائج العلمية و(المؤلمة) التي يسجلها مركز القياس والتقويم من تفاوت كبير بين مستوى الطالب في اختبارات القدرات ونسبته في الثانوية العامة كافية لإعادة النظر في طرائق التدريس وأساليب التقويم ومراجعة المناهج.
- تعثر الطلاب وتكدسهم في الجامعات الجادة نتيجة طبيعية لتعليم مترهل، وهناك إحصائيات خطيرة في هذا الشأن فمثلاً:
- في جامعة مرموقة 75% من الطلاب المقبولين في كلية العلوم لم يجتازوا السنة التحضيرية!!
- في شركة عريقة، أكثر من 70% من المتقدمين إليها لا يتقنون أكثر من 30% من منهج السنة الثانية المتوسطة في اللغة الإنجليزية!!
- في إحدى الكليات التربوية، معدل الطلاب المتقدمين لاختبار القبول 33% في حين أن درجة الاجتياز 60%.
وتطول السلسلة وتكثر الأمثلة، ويتزايد معها الألم لكل من يحمل هم التعليم الذي هو المؤشر الفعلي لتقدم الأمم.
وحول إمكانية الدور الذي يلعبه إلغاء مركزية الاختبارات وإقرار نظام المعدل التراكمي في تحقيق العدالة بين الطلاب قال عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين هنا أحب أن أشير إلى أن الأنظمة بحد ذاتها قد تكون مقبولة أو حتى رائعة، لكن في بيئة دون أخرى، وفي ثقافة دون ثقافة، وقضية المعدل التراكمي شاهد مناسب على ذلك، فلو كان طلابنا على مستوى الوعي والاهتمام وتحمل المسؤولية وإدراك معنى المعدل التراكمي منذ بداية الصف الثاني الثانوي لكان ذلك أمراً إيجابياً، ولكن الواقع أن الطالب يكون غافلا عن كل ذلك ليتفاجأ في النهاية بأن رفع معدله أمر لا يمكن تداركه، ولأن الخطأ ينتج الخطأ فإن الطالب يسعى بكل ما يستطيع ل(شراء) مجموعة من الدرجات التي يرفع بها معدله، ولأن هاجس المعلم أن لا يخفق عنده أحد فإنه يختصر المقرر في عدة وريقات يحفظها الطالب ويلقيها في الامتحان وتلك نهاية المطاف.
إننا -بكل أسف- لم نعد نستغرب أن نرى بعض طلابنا في الجامعة لا يحسن جمع الكسور ولا يتذكر قوانين الأسس أو يسترجع قابلية القسمة، وما ذاك إلا نتيجة سرطان التعليم (التلقين) أو كما يحلو للبعض أن يسميه Copy and paste.
مثال آخر: التقويم المستمر وهو أمر محمود لكن تطبيقه في بيئة تقوم على العلاقات الاجتماعية القوية أو تتبنى المجاملات أو تتاجر بالتعليم يتحول إلى تنجيح مستتر لا تقويم مستمر!
وفيما يتعلق باستعداد الجامعات للتعامل مع النظام الجديد المعدل التراكمي أكد الدكتور الجوعي أن الجامعات اعتمدت الاختبارات التحصيلية واختبارات القدرات كبديل موثوق يرفع عنها عناء التمحيص والاختيار، ويضع الطالب وجها لوجه مع حقيقة مستواه، ومن خلال موقعي في اختبارات القبول لبعض الكليات كانت نسب القبول موزعة كما يلي:
- 30% نسبة الثانوية العامة.
- 30% اختبار القدرات.
- 30% اختبار القبول.
- 10% المقابلة الشخصية.
وللحقيقة فقد كان أصدق تلك المعايير وأثبتها هو اختبار القدرات وكان يتماشى بشكل طردي مع معدل الطالب في الجامعة حتى يتخرج، هذا كان قبل أن يلقى بالاختبار المركزي جانبا، أما الآن فأعتقد أن التركيز على الاختبارات المحايدة المنفصلة عن المدرسة والمقننة علميا وتربويا أدعى إلى تحقيق العدالة وأجدر بالاعتماد.
الأمر الآخر وهو التوجه الحديث لمعظم الجامعات ما يعرف بالسنة التحضيرية وهدفها التمحيص والتركيز على إتقان المهارات الأساسية كمهارات التفكير والاتصال ومبادئ الحاسب والرياضيات ونحوها، إن هذا الاتجاه يعكس مدى عدم قناعة القائمين على الجامعات بمعظم مخرجات التعليم العام، ويبقى السؤال ماذا عن مستوى التعليم في الجامعات ذاتها وهنا تبدأ مؤسسات الاعتماد الأكاديمي بدورها الذي لا يحابي، وهو دور مهم وحيوي يجعل الجامعات تلتفت إلى كفاءتها وزيادة جديتها.