Al Jazirah NewsPaper Wednesday  21/05/2008 G Issue 13019
الاربعاء 16 جمادى الأول 1429   العدد  13019
التلوث البيئي والتلوث الأخلاقي
حمد بن عبدالله القميزي

يتحدث الساسة والاقتصاديون والعلماء بجميع تخصصاتهم عن التلوث البيئي بأنواعه المختلفة (الهوائي، المائي، الضوضائي، الإشعاعي...الخ)، وتتناوله وسائل الإعلام بأنواعها من زوايا متعددة، لأنه يشكل تهديداً خطيراً ومباشراً للحياة البشرية. وتبذل دول العالم كل ما تستطيع

لمقاومة هذا التلوث والتخلص منه أو التقليل منه وأخطاره، لذا توحدت جهود الدول وتكاتفت مؤسساتها وأفرادها من أجل المحافظة على البيئة وحمايتها من الآثار الناتجة عن هذا الخطر الداهم، فعقدت لذلك المؤتمرات والندوات والحلقات الدراسية، وأجريت الأبحاث العلمية لتقديم الحلول العملية لمقاومة ذلك التلوث والحد من أثاره.

وقد بدأ التلوث البيئي عندما أخذت مجموعات كبيرة من الناس تتجمع وتعيش معاً في المدن، واتسع هذا التلوث باتساع هذه المدن، وتسببت الممارسات والسلوكيات غير الصحية والخاطئة في تفشي الأوبئة الجماعية في هذه المدن، وتزايدت خطورة المشاكل البيئية واتسع نطاقها في القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر خلال الحقبة المسماة بالثورة الصناعية، التي بدأت في إنجلترا ثم انتشرت إلى الأقطار الأوروبية الأخرى وأمريكا الشمالية.

وفي خضم هذا الاهتمام المتزايد بهذه المشكلة العالمية -التلوث البيئي- نسي العالم أو تناسى أن هناك تلوثاً من نوع آخر، لا يقل خطورة عن هذا التلوث، بل هو هجمة شرسة وحملة موجهة لتفتيت الأخلاق والقيم وسبب رئيس من أسباب التلوث البيئي، إلا وهو التلوث الأخلاقي.

ويعتبر التلوث الأخلاقي من أخطر أنواع التلوث على الإطلاق، لأن الأخلاق هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي نشاط إنساني، فهي الأداة التي تنظم الحياة الاجتماعية من كل جوانبها التعبدية والتعاملية، ومن هنا فإن افتقاد الإنسان للأخلاق السليمة ينعكس أثره بصورة سلبية على تعاملاته وبيئته التي يعيش فيها، لأن البيئة الصحية النظيفة تحتاج إلى إنسان لديه من القيم الأخلاقية ما يجعله يغار على بيئته ويسعى جاهداً للمحافظة عليها.

والتلوث الأخلاقي شبيه بالتلوث البيئي من حيث المفهوم إذ إن التلوث البيئي يعني أن تتغير البيئة من حالتها الطبيعية السليمة إلى الحالة السيئة وغير الطبيعية، كذلك التلوث الأخلاقي يعني أن تتغير أخلاق أفراد المجتمع من الحالة الإيجابية والصحيحة إلى الحالة السيئة والسلبية.

والمتأمل في واقع أفراد المجتمعات المعاصرة باختلاف جنسياتها وأماكنها وفئاتها يلمس مدى اتساع التلوث الأخلاقي والابتعاد عن القيم التي كانت تميز المجتمعات السابقة، ومن ذلك: انتشار الكذب والخيانة وقلة الصادقين والأمانة، والابتعاد عن خلق الحياء، وانتشار التهور والانحراف بين كثير من الشباب والفتيات، وغياب التوقير والاحترام داخل الأسر، وقطيعة الأرحام واحتقار الآخرين...الخ.

إن الإنسان الذي يعيش في المجتمع الملوث أخلاقياً يكاد يفقد علاقاته بأهله وأحبابه من أجل مكسب رخيص لا يغني ولا يسمن من جوع، ويفقد مروءته وشهامته ويصبح غير مبال لما يحدث من حوله، بل ويصبح متواكلاً على غيره في تصريف أموره وتدبير شؤونه، ولا يراعي ظروفه وظروف الآخرين ويصبح أنانياً لا تهمه غير مصلحته فقط، ولا يعمل بجدية ويدخر عافيته وجهده ويقبل أن يعيش على نفقات وجهود الآخرين، فالتلوث الأخلاقي الذي بدأ يسود المجتمعات واكبه تحول واضح في شخصية الأفراد لا يخص طبقة دون أخرى.

وسائل التغلب على التلوث الأخلاقي:

(1) البيئة الاجتماعية: حيث تبنى العلاقات بين الأفراد على أساس من السلوك الحسن والاحترام المتبادل، والتعود على الفضائل سلوكاً وتعبّداً، مثل: الإخلاص والأمانة، والمحبة والجد، والنظام والتعاون، والإخاء، والمودة والاحترام، والاعتماد على النفس، والرحمة، والشفقة...الخ

(2) الأسرة: فالأسرة هي التي تغذي أفرادها بالصفات الخلقية الحسنة عن طريق الممارسة اليوميّة، والسلوك الخلقي الحسن للوالدين، وترجمتهما لمعاني المسؤولية والصدق والأمانة؛ ليعرف الأبناء الأخلاق سلوكاً طبيعياً عملياً قبل أن يعرفوه في معانيه المجردة.

(3) المسجد: لأن المسجد هو مكان الإشعاع الروحي والثقافي والفكري الذي يصوغ سلوك أفراد المجتمع المسلم بما يناسبه من نقاء وطهر، وعفاف وتجرد، وانضباط والتزام.

(4) المدرسة: لأن الجو المدرسي يتبادل فيه الطلاب التجارب الحسنة، والخبرات الطيبة، ويتدربون فيها عملياً على ممارسة سلوك الفضيلة والخير والحق في بيئة اجتماعية صالحة موجهة، من خلال المنهج الدراسي ووسائله المباشرة وغير المباشرة.

(5) الجلساء الصالحين: إذ إن الفرد يتأثّر بمن يعيشون حوله، ولذلك شبّه الرسول صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح ببائع المسك والجليس السوء بنافخ الكير، فكلاهما مؤثر في صاحبه، والإنسان بطبعه مقلِّد لأصدقائه في سلوكهم ومظهرهم وملبسهم، فمعاشرة الفضلاء تكسب الفرد طباعهم وسلوكهم.

(5) توحيد جهود الوسائل التربوية المتمثلة في البيت والمدرسة والإذاعة والتليفزيون والأندية الثقافية والرياضية والشبابية على اختلاف نشاطاتها، فإذا كانت المدرسة أو كان البيت قائماً بالتربية الخُلقية، والمؤسسات الأخرى تقوم بما يعكسها فلا قيمة لذلك الجهد.

أخيراً: يقول الإمام الغزالي -رحمه الله- محذراً من التلوث الأخلاقي: (الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة).

مشرف التدريب التربوي بإدارة التربية والتعليم بمحافظة الخرج


gomaiziy@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد