Al Jazirah NewsPaper Saturday  31/05/2008 G Issue 13029
السبت 26 جمادى الأول 1429   العدد  13029

لغة العيون فيها فنون
د. محمد بن شديد البشري

 

يستخدم المتحدث البارع أثناء تواصله مع الآخرين عددا من المهارات الجسمية التي تساعده في تحقيق أهدافه التواصلية بطريقة سلسلة وميسرة، ولهذا نجد أن كثيراً من المتحدثين المتميزين ينجح في توظيف ملامح وجهه أو إيماءات عينيه حينما يمر في مواقف تواصلية يحتاج فيها إلى إقناع محدثه أو استمالته أو التأثير عليه.

والذي يكاد يجمع عليه كثير من المتخصصين في فنون التواصل أن القدرة على توظيف إيماءات العين ليس بالأمر الهين، وأنه يحتاج إلى مزيد ممارسة وتدريب إضافة إلى تعميق القناعة بأهمية توظيف هذه المهارة.

ومن هنا فإن توظيف إيماءات العين لدعم المعنى المنطوق مهارة يلجأ إليها بعض المتحدثين؛ لتوصيل المعنى المقصود، أو لبيان أهميته، وحركة العين يمكن أن تقوي وتدعم الرسالة الشفهية المنطوقة، لأن العين صادقة في التعبير دائماً.

ويرى أحد المتخصصين أن العين يمكن أن تهدد كما تهدد بندقية معبأة ومصوبة، أو يمكن أن تهين كالركل والرفس، وإذا كانت نظرتها حانية ولطيفة، فإنه يمكنها بشعاع دفئها وعاطفتها أن تجعل القلب يرقص بكل بهجة.

في حين يرى الآخر أن لحدقة العين دورها في إيصال الفكرة، وإتمام عملية الاتصال، فاتساعها عند النظر يعني الانتباه، وشدة الاهتمام في حين أن النظرة الثاقبة (الناقدة) تعني الإصرار أو التحدي، ومن النظرات التي تطلقها العين النظرة المستبشرة المتفائلة والنظرة الماكرة والنظرة الحاقدة والنظرة المتجاهلة.

ويقول بعض المهتمين في هذا الشأن: إن نظرات العيون تمثل أصدق تعبير عن مشاعر الإنسان، وأنها قد تنقل وحدها الرسالة، وقد تنقل معاني الحب أو الكراهية، أو الغضب، أو الاشمئزاز أو الحنان، أو الإعجاب، أو اللوم، أو التوضيح.

ويلاحظ أن الارتفاع بحاجبي العينين مثلا أو تسبيلها عادة ما يصاحب موضوع الحديث، فعندما يكون محتوى الكلام سهلا، وإيجابياً يرتفعان، وبالعكس يسبل الحاجبان، ويتجه النظر إلى أسفل عندما يكون موضوع الحديث صعبا أو سلبياً، أو ناقداً.

وتعطي حركة العين عدة دلالات عند الحديث فإغماضها يدل على القلق، وإدارتها شمالاً ويميناً يدل على الاشمئزاز، ورفعها إلى السماء يدل على الدعاء والرجاء، وتثبيتها يدل على الشدة، وازدياد بريقها ولمعانها يدل على الفرح، وخفضها إلى الأرض يدل على الحيرة.

كما أن إيماءات العين تعزز المعنى المقصود أحياناً، وأحياناً أخرى يستخدمها المتحدث لإيصال معنى كامل مباشر، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} (29-30) سورة المطففين. وقوله تعالى: {فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} (19) سورة الأحزاب.

ومن استخداماتها للمعنى المباشر قول الشاعر:

أشارت بأطراف البنان وودعت

وأومت بعينيها متى أنت راجع

وعلى ضوء هذا فإن وعي المتحدث وإدراكه لحركة عينيه أثناء الحديث يدل على مهارته في الحديث الشفهي خاصة إذا جعل حركة العينين تصاحب المعاني، وتعمقها، وهذا كله يسهم في إيجاد نوع من التفاعل بين المتحدث والمستمعين.

دعونا نبدأ من اليوم في ملاحظة تحركات وإيماءات عيون محدثينا ودعونا أيضاً نرقب تحركات وإيماءات عيوننا فقد نكتشف أشياء كثيرة كانت غائبة عنا.

ولله در القائل:

وإذا التقينا والعيون روامق

صمت اللسان وطرفها يتكلم

تشكو فأفهم ما تقول بطرفها

ويرد طرفي مثل ذاك فتفهم

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود

albashri@yahoo.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد