من عادة المترفين ذوي الطبقة العالية في المجتمع الكسل، فهم لا يعنون بالتقعر في شيء من الأشياء الحياتية، لا سيما اللغة التي تفرض عليهم الجهد والوقت كيما يتقنونها ويزوقونها، ولكنهم يرون ضرورة التقعر من باب الطبقية، حيث تتبع اللغة العالية الرصينة المتقنة متبع اللباس الفاخر والمسكن والمركب كذلك، فهي ضرورية من أجل التمايز الاجتماعي.
حين نعود إلى الوراء نجد قريشاً تُعنى باللغة، وتختار من لهجات القبائل أحسنها، فهي ترسل أبناءها إلى البادية، وتحاذر من تلوث ألسنتها حين تختلط بغيرها زمن التجارة، فقد استطاعت أن تجعل لغتها سليمة من عنعنة تميم، وكسكسة هوازن، وغمغمة قضاعة، وتلتلة بهراء، وطمطمائية حمير وكشكشة ربيعة، ولخلخانية الفرات...
لقد حرصت قريش على أن تدعم قوتها ليس بحماية الكعبة والأصنام فحسب، وإنما عمدت إلى سلامة لغتها للتمايز القبلي، فأقامت الأسواق الأدبية، وحثت الشعراء على أن ينظموا بلهجتها، فكان لها الطبقية التي ترفعها مقاماً لدن القبائل الأخرى، ومن ثمة تسلم تجارتها من اللصوص احتراماً لبيت الله وللأصنام!
كان المترفون من أشراف مكة يكرهون اللحن كيما التمايز الطبقي الاجتماعي، أما الفقراء فهم لا يملكون المال كيما يرسلون أبناءهم إلى البادية، فكانت اللغة تميزهم عن غيرهم، فكانوا يتحذلقون بلغتهم الرصينة، ويعدون اللحن عيباً لا يحسن بابن الشريف.
حين جاءت الدولة الأموية رأينا حرص الخلفاء على إرسال أبنائهم إلى البادية، وكان أول من فعل ذلك معاوية مع ابنه يزيد، حيث أصبح فصيحاً وشاعراً، وكان عبد الملك بن مروان يُعنى بالفصاحة، فهي ميزة طبقية يجب أن يكون له منها نصيب، بيد أن ابنه الوليد كان من الذين يلحنون، فكان عذر أبيه أن قال: (أضر بالوليد حبنا له، فلم نوجهه إلى البادية).
وكان الشيب قد ظهر فيه قبل أوانه فقال: (شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن).
في العهد العباسي تغير الحال، فكان الخلفاء يجلبون المعلمين لتعليم أبنائهم اللغة الرصينة، فراج النحو، وخرج رجال يهتمون بالتعقيد اللغوي كيما يكون له شهرة تقربه إلى السلطان، فكان الكسائي، وخسر سيبويه في مناظرته الشهيرة.
في واقعنا المعاصر اليوم؛ يتعمد كثير من الكتاب التقعر في اللغة، وينتقي الألفاظ التي ترن في الأذن، فتراه يختار منها النادر الغريب، ولا يهمه بعد ذلك لو انحرف المعنى أو غمض، فهو يضع نصب عينيه ظاهرة التمايز الطبقي من حيث يدري ولا يدري!
ولله في خلقه شئون!
ahmad-37-@hotmail.com