الطائف - تحقيق - عبدالله عايض الوهبي
دماء طاهرة بريئة تراق بين يوم وآخر، تنزف من وردات ينثرن عبير العلم والنور بين القرى والهجر، معلمات يتكبدن المصاعب والأهوال من وحشة الطريق ووعورته، ويتأملن عقارب الساعة بين الذهاب والإياب وكأنهن على موعد مع تهور سائقهن أو رعونة المقابل ليواجهن المصير المحتوم حين تتناثر الأشلاء والدماء والأقلام وتذوب الآمال مع غياب الابنة الحبيبة التي طال انتظار تخرجها لتصرف على بقية الإخوة الصغار من مرتب بائس ضئيل لا يكاد يفي بالمستلزمات، لكنه الصبر والكفاح الذي ينطفئ عند أول حادث لسيارة نقل معلمات، هنا تتحدث بقية من معلمات يواجهن كل صباح المصير ذاته.
تقول المعلمة منيرة زايد التي تقوم بالتدريس في إحدى المدارس جنوب الطائف: لقد شعرت أنا وكثير من زميلاتي بالحاجة الماسة إلى من يفسح لنا المجال لنتحدث ونفرغ لو قليلاً من همومنا، إنني معلمة للسنة الخامسة على بند محو الأمية منذ أن تخرجت في سفر طويل أقطع يومياً مسافة أكثر من مائة وثمانين كيلومتراً من مدينة الطائف إلى إحدى القرى البعيدة في بني مالك وأحاسب يومياً على حضوري بدقة فمتى يكون الخروج من المدرسة والوصول إلى المنزل، نخرج من منازلنا الساعة الثالثة والنصف فجراً ليكتمل العدد في الحافلة ونغادر الطائف لنصلي الفجر في مساجد المحطات النائية حيث إننا نعاني من أسوأ طريق إسفلتي في المنطقة لم تقم الجهة المسؤولة بالانتهاء منه منذ أكثر من ثلاث سنوات فهو عرضة للجمال الضالة وضيق الطريق الذي لا يكفي إلا لسيارتين فقط ذهاباً وإياباً وهو عرضة للحوادث وبدون سرعة كما نشاهد في طريقنا من كل أسبوع حوادث بشعة ومرعبة تختلط فيها الدماء بأكوام لا تعرف لها رأساً من أرجل، وكم رأينا من صديقات لنا وقريبات بتلك الحالة وكم شاهدنا مناظر مؤسفة تفوق الوصف، المعلمة تخرج مبكراً وتصل متأخرة فتقضي اثنتي عشرة ساعة ونصف في خدمة التربية والتعليم، إذن ساعات عمل أفسدت العلاقة بين الزوجين وبين الأم وأطفالها وكم من أرملة عالة على المجتمع وكم من مطلقة لا عائل لها سوى وظائفهن في الزمن الذي تخلى فيه الرجل عن دوره كأخ أو عم أو أب، لا يمكن وصف العلاقة بين الزميلات وبين المعلمة وطالباتها بعد كل هذا العناء إلا بجو متوتر وعلاقة سيئة بفعل الضغوط النفسية والإرهاق الجسدي من السفر كل يوم وإنجاز أعمال كثيرة في المدارس من فئة قليلة من المعلمات هذه كارثة أعظم فلا الوقت ولا الطاقة تسمح بذلك والنتائج الخصام والجدال العقيم.
وتضيف أيضاً: هي هذه معاناة المعلمات في القرى النائية على أمل النقل أو التخلص من تلك المشكلات ولكن هل نظرت الوزارة يوماً إلى من ليس لديهن أمل في النقل (معلمات محو الأمية) هذه الفئة لا أمل لها في النقل أو الراتب الكامل نهاية الشهر أو حتى الاستقرار النفسي فالوظيفة كما يقال (على كف عفريت) ولكن المعاناة أكبر بكثير مما كتبته في سطور إنها مأساة نحياها وأيام تمر بل سنوات من عمر الوطن وما زال المسؤولون يتداولون القرار الصعب.
تحديات وصبر
وتقول المعلمة ندى حسن إنها تعمل لفترة طويلة جنوب الطائف حيث يشكل المشوار اليومي معاناة شديدة لكن حاجتها للوظيفة تجعلها وأسرتها تتحمل هذا المشوار، وهي رغم المعاناة إلا أنها متحملة كل ما تواجهه من ضغوط نفسية وعائلية وأن لديها عملاً يدر عليها دخلاً معقولاً أمام مصاريف وتكاليف الحياة لكن الفتاة السعودية ذات قدرات وهمة عالية وطموح لا حدود له لقد أثبتت كما أثبتت المرأة عموماً مدى تحمل مصيرها وصمودها أمام تحدياتها الصعبة.
أخيراً يعني الكثير من معاناة المعلمات ولكن كما يقال إن لكل منزل أسراراً وكما يقال أيضاً صاحب البيت أعلم بما فيه وكما أقول للوزارة لن نهدأ ولكن نسكت ولن نتخلى عن خدمة الوطن نرفع أصواتنا إلى كل مسؤول له بنات وأخوات يعانين مثل ما نعاني من هذه الأخطار اليومية.
فوزية محمد العبدلي قالت: بعد تخرجي فرحت كثيراً أنا وأسرتي وقررنا أن نحتفل بهذه المناسبة.. تأجلت الحفلة إلى ما بعد التعيين بناء على طلبي.
ما الذي حدث.. لقد تعينت ولكن أين في مناطق نائية ومقطوعة، فألغيت تلك الحفلة ولم تكتمل الفرحة كانت صدمة عنيفة لي ولأسرتي ولكن قررت ألا أضيع الفرصة وذلك لوجود أب طاعن في السن ليس له دخل ثابت وإخوة يصارعون من أجل توفير متطلبات الحياة الأساسية لكي لا أكون عالة عليهم، لم أجد بداً من خوض تلك التجربة حزمت حقائبي ذاهبة إلى تلك المنطقة ورغم نظرة المجتمع الذي كان يرفض رفضاً قاطعاً سفر الفتاة للوظيفة وتظل هذه مشكلة التعيين في مناطق بعيدة ونائية تؤرق بال كثير من الأهالي وتسبب لهم الإرهاق والقلق النفسي والذهني خصوصاً بعد تزايد أخبار حوادث الطرق وما تواجهه من مشكلات في الطرق التي تحدث بصفة مستمرة.
وذكرت المعلمة بدرية سعيد قائلة: نعم الاستقرار الوظيفي (معدوم) خصوصاً مع نظام التعاقد لمدة شهرين خلال الفصل الدراسي الأول رغم أنه كان يحمل الفائدة في تغطية النقص الحاصل من عدم تثبيت المعلمات لذلك يفترض أن يكون نشر أسماء المعلمات المعينات مع بداية العام الدراسي ومباشرة أعمالهن مع بداية العام وليس في منتصف الفصل الدراسي الأول، حيث ذكرت أنها تواجه مشقة كبيرة خصوصاً عندما كانت معلمة في قرية نائية وبعيدة ولا بد من الاستيقاظ الساعة الثانية والنصف ليلاً وهو ما يسبب تعباً نفسياً (عدم النوم - إجهاد)، وأصل إلى الطالبات وأنا في حالة اكتئاب ليس لدي استعداد للشرح بالإضافة إلى أن وقت الذهاب والإياب يأخذ جزءاً كبيراً من وقت المعلمة بدلاً من الاهتمام بالدروس والمراجع والأنشطة في المدرسة النائية على المعلمة المتعاقدة أن تغطي مناهج كثيرة في المدرسة الواحدة؛ مثلاً أنا كنت أدرس التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع رغم أن تخصصي تاريخ، وإذا رفضت يلغى عقدي بحجة أن غيري سيقبل بهذا الجهد بينما المعلمة الرسمية من حقها الرفض وتعطى أعمالاً إدارية بسيطة.
أمي تودعني بالليل كل يوم وأنا أحاول إخفاء تعبي النفسي والجسدي عنها لكن قلب الأم لا يمكن إخفاء أي شيء عنه، راتبي كموظفة متعاقدة لا يفي أبداً في الفصل الدراسي الأول (ألف وخمسمائة ريال) للسائق والباقي مصروف يومي (أكل، دفتر تحضير، وسائل، أوراق عمل، طباعة، كتب مراجع، وتصوير أسئلة)، وقالت إن علاقتي مع المعلمات جيدة وكذا مع الطالبات، أما الطريق فسرعة زائدة، خطر الجمال، والضباب، ولكن هل يقوم هذا السائق بتفقد إطارات السيارة؟.
تقول المعلمة هدى خلف إن الاستقرار مفقود فنحن لا نشعر بالاستقرار الوظيفي بسبب المعاناة والمشقة التي نواجهها فتراودنا دائماً أفكار بتقديم استقالة أو طلب إجازات بدل استثنائي وهذا سبب كافي لاختلال الاستقرار الوظيفي. وتقول: نحن أكثر من نواجه مشقة عند الاستعداد للذهاب وعند الإياب يكفي أننا نستيقظ من الثانية صباحاً ونصل إلى المدرسة في الساعة السابعة إلا ربع, السفر أكثر الأمور مشقة على البشر نحن نعاني منه يومياً كل يوم نشعر بالخوف من الطريق نترك أولادنا ونودعهم (وداع الموت) كما نعاني من غياب المرأة عن بيتها وعن زوجها وهذا لا بد أن يؤثر على العلاقة الزوجية يكفي أن يتعود الرجل على غياب زوجته فلا يعود يبالي بها ولا بمشاعرها، كما أن الراتب لا يفي بمتطلبات الحياة مع إعطاء السائق راتب قدره (1500) ريال بالإضافة لما تعانيه المعلمة من مطالبة بتصوير أوراق عمل أو اختبارات لأعداد كبيرة من الطالبات وكل ذلك من الراتب الذي لا يكفي متطلبات الحياة وبخاصة بعد ارتفاع الأسعار. المعلمة المسافرة دائماً ما يؤثر ذلك على نفسيتها حيث تصبح متعبة ومجهدة من السفر وتظهر عليها العصبية والنرفزة سواء في علاقتها مع زميلاتها أو طالباتها.
جميلة الخالدي معلمة في منطقة نائية شمال الطائف ذكرت أنها تقوم في منتصف الليل للاستعداد لرحلة الموت اليومية التي تواجهها مع زميلاتها المعلمات فهنا لا وجود للاستقرار الوظيفي مواجهة الكثير من المشكلات مع الأزواج وعدم الاستقرار في المنزل.. الأولاد المطبخ وبقية اليوم في المشوار ذهاباً وإياباً اضطراب نفسي وقلق ونعاني من هذه المشكلة وعلى كثرة الحوادث التي نواجهها أو نسمع عنها ولكن لا حياة لمن تنادي فإن بعض أولياء الأمور يرفض أن يكون السائق من الشباب فهذه مشكلة من طرفين.
أولياء الأمور حسين الغامدي وسلمان الثقفي وخالد الحارثي قالوا: لقد فرحنا وفرحت جميع الأسرة بتخرج بناتنا ولكن بعد التخرج ماذا حدث؟ التعيين كان في مناطق نائية لم نسمع عنها من قبل ومناطق لا تصلها السيارات أبداً وطرق غير معبدة يقطعن مسافات شاسعة حتى يصلن إلى مدارسهن، وإذا وصلن إلى المنزل يصلن وهن يعانين بعد الطريق ونفسياتهن متعبة ونحن نعيش فترة ذهابهم إلى المدرسة فترة خوف وترقب لا سمح الله من الطريق والحوادث التي نسمع عنها يومياً في الطرقات فإذا وصلت إلى المنزل فهي تعيش من جديد يوماً جديداً في حياتها. قائد السيارة إذا كان من الشباب فربما يكون يقود سيارته بسرعة جنونية وإذا كان كبيراً في السن فالإرهاق والتعب، وإذا كان يعاني من بعض الأمراض فذلك أخطر بكثير على أرواح بناتنا ولا يوجد حل سوى أن نرفع أصواتنا كأولياء أمور إلى الجهات المختصة للنظر في هذه القضية التي أصبحت تهم الجميع وخصوصاً أن فيها أرواحاً تمشي على طرق الموت ما تدري ما يحدث لها وهل تعود أم لا فهي كل يوم تودع وداعاً ربما تعود وربما لا تعود بعده إلى أهلها أو إلى أطفالها الذين سوف يكونون أيتاماً وسيفقدون ذلك الحنان والأسباب أن وزارة التربية والتعليم لم تنظر في هذه الموضوعات التي تطرقت لها وسائل الإعلام في كل مكان فأين المسؤول عن هذا؟.
دراسة وأبحاث
من هذا الجانب تحدث الأستاذ طلال الثقفي الأخصائي النفسي قائلاً: لقد أصبحت حوادث السيارات من الظواهر العالمية التي تعاني منها مجتمعات كثيرة وتحتل مركزاً متقدماً من بين المشكلات الاجتماعية نظراً لما تسببه من خسائر بشرية ونفسية واجتماعية واقتصادية كثيرة تعود بالضرر على الفرد والمجتمع على حد سواء، والمملكة من بين الدول التي تعاني من مشكلة حوادث السيارات مثلها مثل العديد من دول الشرق الأوسط عامة ودول الخليج خاصة، وأدت النهضة الشاملة في المملكة وانتشار التعليم إلى ازدياد عدد الطالبات والمعلمات في المدن والقرى والهجر مما زاد عدد المتنقلات يومياً على الطرق من أماكن سكنهن إلى مناطق مدارسهن ومراكز تعليمهن ونتج عن ذلك زيادة في أعداد الحوادث في المملكة عموماً ترتبط بسلوكيات وتصرفات خاطئة تصدر عن السائق، كما أوضحت النتائج أن تلك السلوكيات أو التصرفات يقف وراءها نمط من الشخصية لديه استعداد أو مهيأ أكثر من غيره للوقوع في الحوادث ولذلك فقد أشارت النتائج إلى أن هناك فروقاً معنوية إحصائياً بين مرتكبي الحوادث المرورية وغير المرتكبين للحوادث وهذا يؤكد أن هناك التقاء في سمات الشخصية الخاصة بمرتكبي المخالفات والحوادث المرورية من صغار السن، وكان من أهم تلك السمات الشخصية العدوان البدني واللفظي، الغضب، الاندفاعية، الاستهتار، واللامبالاة الاجتماعية، وعدم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، ومجاراة الشباب للتصرفات أو السلوكيات الخاطئة والاتجاهات السلبية نحو الحوادث وهذا النمط من الشخصية بسماته الأساسية السابقة ينمو ويرتقي من خلال بعض أساليب المعاملة الوالدية التي يتبعها الآباء مع أبنائهم والتي أهمها التدليل والحماية الزائدة والتميز بين الإخوة طبقاً لنتائج الدراسة الحالية مما يجعل لهؤلاء الأبناء أسلوباً مميزاً للحياة يرتبط بأساليب قيادة السيارة الخطرة كذلك أظهرت نتائج الدراسة فروقاً مماثلة ذات دلالة إحصائية في العوامل الاجتماعية موضوع الاهتمام وهذا يعني أن كلاً من العوامل الشخصية والاجتماعية تساهم بدور نسبي تفاعلي في إقدام السائقين من صغار السن على انتهاك قوانين المرور وأعرافه بما تشمله هذه الانتهاكات من مخالفات وحوادث مرورية، والمهم في الأمر ما تعانيه أسرة تلك المعلمة من فقدان ابنتها وحرمانها منها مما يترتب عليه الشعور بالحزن واكتئاب نفسي قد يستمر ملازماً لأفراد العائلة لفترة طويلة نتيجة الحرمان المفاجئ وفقدان أحد أفراد أسرتهم بل إن الأشد وطأة حرمان الأطفال من أمهم وفقدان عاطفة الأمومة في فترة مبكرة من الحياة قد تنتج عنها حالات نفسية قاسية تؤثر على التنشئة الاجتماعية لذلك الطفل.
كما أن القلق الذي تعيشه أسر المعلمات طيلة الوقت الذي تقضيه ابنتهم في الطريق للمدرسة نتيجة لتلك المخاوف التي تعانيها الأسرة من الخوف من فقدان ابنتها.