Al Jazirah NewsPaper Saturday  07/06/2008 G Issue 13036
السبت 03 جمادىالآخرة 1429   العدد  13036

اعتذارية ابن الزبعرى للرسول صلى الله عليه وسلم
شمس الدين درمش

 

تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لأذى كثير من المشركين فآذوه بألسنتهم وأيديهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

وكان الشعر أحد وسائل الأذى كونه يمثل أحد المؤثرات القوية في الصراع بين الإسلام والكفر. فبرز عدد من الشعراء الذين وظفوا طاقتهم الإبداعية في هجاء الإسلام والمسلمين، وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم مثل عبدالله بن الزبعرى وضرار بن الخطاب، وكعب بن زهير.. وغيرهم.

وقد أسلم هؤلاء الثلاثة فيما بعد واعتذروا عن إساءاتهم حين أعلنوا إسلامهم لله، وإيمانهم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأقف هنا مع عبدالله بن الزبعرى في اعتذاريته للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان قد هرب إلى نجران بعد فتح مكة فقال فيه حسان بن ثابت رضي الله عنه:

لا تعدمَنْ رجلاً أحلّك بغضه

نجران في عيشٍ أحذّ ذميم

فلما علم ابن الزبعرى أن طريق التوبة والرجوع إلى الله، والتزام جادة الحق مفتوح جاء يعلن إسلامه، ويؤكد إيمانه ويمحو السيئة بالحسنة، واصفاً حالته النفسية من القلق والهمّ الذي سيطر عليه فمنعه من النوم، وصار ظلام ليله مضاعفاً، حتى كأنه مريض بالحمّى، فيقول:

منع الرقاد بلابل وهموم

والليل معتلج الظلام بهيمُ

لما أتاني أن أحمد لامني

فيه، فبت كأنني محمومُ

وبعد هذه المقدمة في وصف معاناته يتوجه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدحاً وثناءً بأنه خير من ركب المطايا، ومعتذراً مما فعله إذ هو هائم في الضلال، فيقول:

يا خير من حملت على أوصالها

عيرانةٌ سُرُحُ اليدين غشومُ

إني لمعتذر إليك من الذي

سدّيت إذاً أنا في الضلال أهيمُ

ويشعر ابن الزبعرى بفداحة ما ارتكبه في خطأ فيمضي يؤكد اعترافه بالإساءة ويكشف ما خلفه من عوامل محرضة فيقول:

أيام تأمرني بأغوى خطة

سهمٌ، وتأمرني به مخزوم

وأمد أسباب الردى ويمدني

أمر الغواة وأمرهم مشؤوم

وسهم ومخزوم من بطون قريش التي تمادت في عداوة الإسلام لأسباب عصبية كما هو معروف في كتب السيرة، والشاعر من بني سهم، ونجد في كلمات الشاعر إدانة صريحة لعهده السابق مثل: (في الضلال أهيم، أغوى خطة، أمر الغواة، وأمرهم مشؤوم).

ويحس الشاعر بأنه قدم اعترافاً كافياً بما اقترف لسانه من خطأ فينتقل إلى الضفة الأخرى.. ضفة النور بعد أن كان مهد لذلك بقوله: (يا خير من حملت على أوصالها.. وإني لمعتذر إليك)، فيعلن إيمانه بوضوح، مع الاستمرار في إدانة العهد السابق، فيقول:

فالآن آمن بالنبي محمد

قلبٌ، ومخطئ هديه محروم

مضت العداوة وانصرت أسبابها

ودعت أواصر بيننا وحلوم

ويصل إلى ذروة حالته النفسية في الشعور في الاقتراب من غايته من الاعتذار، وهي طلب العفو، والدخول إلى ساحة القبول، فيقول:

فاغفر، فدىً لك والداي كلاهما

وارحم، فإنك راحم مرحوم

(وتقول رواية كتاب العفو والاعتذار: فعفا له صلى الله عليه وسلم عن جرمه وآمنه) (ص 457).

ففي هذه الرواية ومثيلاتها في كتب السيرة لاعتذارات شعراء المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم عن إساءاتهم.. وطريقتها، وعفو الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم، بل وإكرام بعضهم كما في قصة اعتذارية كعب بن زهير.. إضاءات عدة لما يمكن أن تعالج بها الإساءات الجديدة التي يتعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل بعض أصحاب النفوذ بالكلمة والرسم، فمن هذه الإضاءات:

1- أن اعتذارات شعراء المشركين لم تأت إلا بعد أن قوي الإسلام، وشعروا أنهم باتوا محاصرين. فزال عنهم ما كان يحجبهم عن الإسلام ونوره من ستائر العصبيات، واستكبار النفوس الزائفة، لأنهم كانوا يعرفون أن ما هم فيه باطل، وأن ما جاء به الإسلام حق (وحجدوا بها - واستيقنتها أنفسهم - ظلماً وعلوا).

2- أن هؤلاء الذين يعادون الإسلام ويسيئون للرسول صلى الله عليه وسلم يمكن أن يتحولوا إلى النقيض تماماً فيكونوا من الدعاة إليه والمدافعين عنه إذا أمكننا فتح كوة نحو عالمهم المظلم في عقولهم وقلوبهم، وهذا يحتم علينا أن نبحث عن منافذ ندخل النور منها بدلاً من الغوغائية في الشوارع.

3- إشعار هؤلاء بقوة المسلمين أمر مهم، وليس بالضرورة أن يعلم ذلك الشخص أنه سيقتل - وهو ما كان في حالة الشعراء الثلاثة من المشركين قبل إسلامهم، ولكن يمكن ذلك بوسائل أخرى والتي منها وسيلة الإعلام بأنواعها المقروءة والمسموعة والمرئية. وقد آتت بعض تلك ثمارها كما حصل في الرد على فيلم (فتنة) في هولندا، وإذ أخفق صاحبه في بلوغ أهدافه، وخسر كثيراً من رصيده لدى الهولنديين.

4- إن إشراقة النور تزيل تراكمات الظلام، فالذي يقرأ اعتذاريات ابن الزبعرى، وكعب بن زهير يشعر بوضوح بمقدار ما أحسن به هذان الشاعران بفداحة خطئهما، وما كانا فيه من خطر عظيم في ضلالهما ومعاداتهما للرسول صلى عليه وسلم (ومخطئ هديه محروم) محروم من كل خير.. من خير الدنيا والآخرة، وذلك لا يعرفه إلا من يكابده، لأن خير الدنيا ليس في رغد العيش الظاهر فحسب، وإن كان ذلك أحد أسبابه، فرغد العيش مع الإيمان غيره مع عدم الإيمان!!

5- للاعتذار من الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم متطلبات منها:

الاعتراف بالخطأ صراحة، والإعلان عن احترام الرسول صلى عليه وسلم وتعظيم قدره، والأيمان بما جاء به، واتباع النور الذي معه، حتى تزول الإساءة وآثارها عند الله سبحانه وتعالى.

وفي الختام أقول: إذا كان الذين لا يعرفون حقيقة شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وأبعاد رسالته العالمية التي جاءت رحمة للناس كافة فيسيئون إليه، فإن علينا أن نحسن تعريفهم بما يجهلونه، حتى لا نسيء من حيث نريد الإحسان.


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد