تتعرض الشعوب العربية للمتاجرة بقضاياها الداخلية والخارجية على حد سواء على يد كثير من حملة الأقلام وأدعياء الثقافة الذين لا هم لهم إلا لفت الانتباه إلى شخوصهم والطمع في تحصيل مكاسب مادية أو معنوية، فيأتي طرحهم منكراً من القول وزوراً، متسماً بالمغالطات والفجاجة في المعالجة مشتملاً على جملة كبيرة من ألفاظ العموم وصيغ الحتم واللزوم مطعماً بعبارات الألم والندم على ما كان وما سيكون لتكتمل المقالة المفتراة وأسوأ هذه الطائفة من الكتبة من يكون أجيراً للثقافة المعادية للأمة في ثقافتها ووطنيتها فهؤلاء هم الصدى للطائر المحكي على رأي أبي الطيب المتنبي، وهؤلاء لا يهمهم معرفة الصواب والخطأ فيما يكتبون؛ لأنهم لا يبحثون إلا عن الإثارة وإحداث البلبلة التي يسمونها حراكاً اجتماعياً، ولو كان هذا الحراك على حساب المبادئ والقيم والأعراف الحسنة وأشد هذه الطائفة أثراً على المجتمع من يروج لجهالاتهم باسم الدين أو الغيرة على الوطن أو المواطن ناسين أو متناسين أن هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس وأنها تملك رصيداً حضارياً في شتى ميادين الحياة وفي شريعتها الحلول الشافية والكافية لكل المشكلات والتحديات وأنها ليست بحاجة إلى المتاجرة بقضاياها والمزايدة عليها من أناس ديدنهم المستمر الخروج على المألوف أياً كان على قاعدة (خالف تعرف) فالقائد والموجه لهم في تلك الطروحات قيم الغرب الثقافية والسياسية والاجتماعية التي أحد روافدها غير الساسية الرافد الصهيوني، فترى هؤلاء الكتبة يخوضون في أصول الدين ومقاصد الشريعة زاعمين الإصلاح والتنوير وكأن الأمة قد انطمست فيها أنوار الرسالة المحمدية وليتهم يتجهون إلى معالجة مواطن الانحراف كمظاهر الشرك بالله ومظاهر البدع وسائر أصناف الفسوق المنتشرة في كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم بل قد سلم منهم هؤلاء لكن لم يسلم منهم المجتمع المحافظ فتارة يخوضون في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتارة يخوضون في مكانة المرأة في المجتمع وتارة يخوضون في مناهج التربية والتعليم وليست الغيرة ولا الإصلاح رائدهم، لأن جميع الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة لا يوجد بينها وبين العلوم المادية والرقي المادي والمدني أي تعارض. فالذين يريدون أن يستنسخوا من الصراع بين مجتمعات الغرب وبين الكنيسة نسخة إسلامية واهمين، ولن تشفع لهم زخارف القول فما هكذا يا سعد تورد الإبل، وإنما تؤتى البيوت من أبوابها وإن اللبيب ليقف ألف وقفة قبل أن يتفقوه في شأن عام يمس شعائر الإسلام ما لم يتبين له ذلك جلياً من الكتاب أو من السنة لكن الحديث في هذا الشأن أصبح هيناً ومسلياً لدى هؤلاء الكتبة فلو دعي أحدهم للحديث عن منصع أو شركة (ما) لأمتنع لقصور معرفته مثلاً لكن لا يمتنع ولا يتريث في القول على الله وفي دينه بلا برهان.
وفي سبيل مواجهة هذه الأقلام التائهة التي تلوك قضايانا الدينية والاجتماعية بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، لا بد من تقديم الصورة الحقيقية واضحةً على أيدي ذوي الاختصاص في كل مسألة يشغب بها هؤلاء وإن خرجت تلك الحقائق على شكل قرارات مشفوعة بمستندها الشرعي وإن خالفت ما قد يظنه بعض الناس ديناً وشريعةً فنحن متعبدون بالشرع لا بالمألوفات والعوائد، ولو أدى ذلك إلى تقنين جزئي يكون بمثابة الإعلان عن حقيقة الدستور الإسلامي في تلك القضايا مع ملاحظة أن لا يشكل ذلك قانوناً قضائياً، فالقضاء له ملابساته ووقائعه التي يجتهد القاضي في استيفائها وهي تختلف باختلاف الأحوال.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وحفظ الله بلادنا من كل مكروه في ظل حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين.
أستاذ الدراسات الإسلامية المساعدة بكلية الملك خالد العسكرية