مازلت أذكر وجه صديقي وتعابيره البريئة عندما قال لي يوماً ونحن في الصف السادس الابتدائي: يقول أبي أن هنالك عالماً مصرياً يعمل في أبحاث الفضاء في أمريكا، لقد كبرت وكبر معي التساؤل في داخلي، لماذا هاجر ذلك العالم وترك وطنه وذهب إلى مكان بعيد! ومضى الزمن، وأفرزت الأيام عن أسماء لعقول عربية كثيرة طارت كطيور مهاجرة تبحث عن مأوى لعقولها وإبداعها، عرفت مع الأيام أن والد صديقي ربما كان يقصد الدكتور فاروق الباز وهو عالم فذ الذكاء هجر مصر منذ الستينيات ورحل إلى أمريكا وهو يعمل حالياً في جامعة بوسطن بعد أن أمضى عدة سنوات في العمل بوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، لقد اتضح لي أيضاً أن أسباب هجرة د. فاروق الباز أو غيره من العلماء والمفكرين - وإن كانت لا تقتصر على العرب فقط - كثيرة جداً، تناولتها الكثير من الأقلام ووسائل الإعلام على جميع الأصعدة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، العروض المغرية التي تقدمها أغلب المراكز العلمية في الغرب والحوافز التي تقدمها حكوماتهم لدعم وتشجيع البحث العلمي، بالمقابل نلاحظ محدودية مجال العمل في البحث والتطوير ناهيكم عن عدم تقدير ودعم العلماء في أرجاء كثيرة من وطننا العربي مما يؤدي إلى انعدام المناخ الملائم لدعم البحث العلمي وانعدام القدرة على استيعاب أصحاب الكفاءات والإبداع، وليس أخيراً الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأكاديمية المتردية في بعض البلاد العربية، وعلى الرغم من معرفتنا التامة لدوافع هذه الهجرة المؤلمة، وبرغم إقامة العديد من المؤتمرات لمناقشة الوضع الراهن واقتراح حلول لمعالجة أسباب الهجرة إلا أننا لم نستطع حتى الآن تقليص أعداد المهاجرين العرب من أرباب المهن من الأطباء والمهندسين والباحثين والخبراء، حتى تكالبت الخسائر الفادحة على أوطاننا العربية التي قدرتها جامعة الدول العربية ومنظمة العمل العربي حديثاً بحوالي 200 بليون دولار سنوياً، هذا على صعيد مادي، ناهيكم عن الخسائر الأخرى المركبة والمتفاقمة التي تشمل فقدان دولنا العربية لرأسمالها البشري المثقف الذي من شأنه تأخير أوطاننا علمياً وبحثياً وبالتالي تخلفها عن التنمية وركب الحضارة.
إن ابتعاث الدول النامية طلابها للدراسة في الدول المتقدمة هو بلاشك استثمار بشري قد يؤتي ثماره ومكاسبه الإيجابية إن كان ضمن استراتيجية مدروسة ووفق معايير صحيحة وسليمة، فما أحوج دول العالم الثالث إلى اكتساب التقنية والعلوم المتقدمة من مصادرها، لقد كان لي الفخر أن أكون أحد طلاب الهندسة المبتعثين إلى بريطانيا، ورأيت بأم عيني المحفزات والرعاية التي تقدم للطلاب والباحثين النابغين، وكنت دائماً أنتهز الفرص للتحدث مع العلماء والأكاديميين الذين هاجروا إلى بريطانيا أينما جمعتني بهم الصدف، أتعرف إلى قصصهم ومجالات خبراتهم، وكذلك أسباب هجرتهم المختلفة التي تبدو لي أحياناً أنها مقنعة، وهنا أقدم لكم أحد تلك النماذج التي عرفتها عن قرب لا لأشرح أسباب هجرته، ولكن لأسلط الضوء في عجالة على جانب آخر لمشكلة هجرة العقول العربية، هذا النابغة من دول عربية مسلمة، قدمت له بريطانيا العروض المغرية من أجل أبحاثه الفريدة في مجال الفيزياء النووية فقرر البقاء فيها منذ سنين طويلة، جمعتنا به الأحاديث واللقاءات في مناسبات عدة، وكنت في بداية معرفتي به قد سألته عما إذا كان مسلماً؟ أجابني بشرود: نعم.. نعم.. أنا مسلم، إلا أن أحاديثنا اللاحقة خلت من أي شيء يرمز للإسلام بداية كان يخبرني بحماسة شديدة عن ذكرياته الجميلة عن وطنه، ومع الأيام أصبح لا ينطق باسم وطنه إلا في النادر جداً وبإحراج ملحوظ، عرفت أن (الجنسية) البريطانية قدمت له على طبق من ذهب، وعرفت بعدها أنه تزوج من سيدة بريطانية وأنجب منها ولداً اختار له اسماً أجنبياً، زرته مؤخراً في مكتبه، لم أعد أرى أية صور لوالديه وإخوته التي كنت أراها منذ بضع سنين على الحائط، لقد تغيرت نبرة حديثه وأصبح لا إرادياً يهجو وينتقد أوطاننا العربية، وكذلك الدين الإسلامي الحنيف بطريقة غير مباشرة، وكانت تصرفاته الأخيرة نقطة خلاف بيننا، باعدنا الزمن لفترة طويلة لانشغالاتنا ولبعد المسافات حتى جاءني مظروف كبير منه في موسم (الكريسماس) الماضي احتوى المظروف على بطاقة تهنئة وتقويم باللغة العربية متضمناً أقوالاً مختارة لليسوع المسيح، بل الأدهى والأمر كتابا تنصيريا باللغة العربية أذكر أني سرحت بفكري لمدة طويلة، من بعدها مزقت كل ما وصلني منه وتوصلت إلى حقيقة مؤلمة أن الأوطان العربية التي هجرها علماؤها لم تكن الخاسرة الوحيدة، إن الخسارة كانت من الطرفين، فإن حقق هؤلاء العلماء مكاسب أياً كانت من مال أو شهرة أو علم فقد خسروا بالمقابل الكثير، لا نعمم لأن في التعميم ظلما وإجحافا إلا أنه بقدر ما يوجد مهاجرون صالحون تعتز بهم أوطانهم فهنالك مهاجرون آخرون خسروا أوطانهم وهويتهم وانتماءهم، خسروا عروبتهم وعوائلهم وأصولهم، عاداتهم وتقاليدهم، بل الخسارة الكبرى هي دينهم.. مصدر عزتهم وكرامتهم.
eng.yasser.alsaleh@gmail.com