Al Jazirah NewsPaper Thursday  26/06/2008 G Issue 13055
الخميس 22 جمادىالآخرة 1429   العدد  13055
يكفيك شر المافيا
صلاح عمر شنكل

لا أقصد - بالطَّبع - تلك العبارة التي يحلو لأستاذنا الصحفي عبدالباسط شاطرابي (رئيس تحرير صحيفة المجد السودانية) ترديدها كلَّما شعر بالارتياح تجاه أحد وأراد أن يدعو له بدعاء طيِّب إذ يقول: (يعطيك العافية) و(اللقمة) الدافية ويكفيك شر المافيا) وما أكثر أنواع المافيا في هذا الزمان، والذين سمعوا هذه المقولة منه مراراً يدركون جيداً لماذا وضعت كلمة (اللقمة) بين قوسين، ولا أقصد أيضاً بالمافيا هنا، عصابات ترويج وبيع وإدمان المخدرات، وإن كنت أدعو الله أن يكفينا شرها جميعاً، وبطبيعة الحال لم يخطر ببالي وأنا أسطِّر هذه المقالة أن يكون المقصود عصابات المافيا الشهيرة في أوروبا والمكسيك وكولومبيا وغيرها من العصابات. المافيا أخذت تتلوّن وتتنوّع وتجد لنفسها فسحة من المكان في كل جغرافيا وتاريخ، أينما كنت تجد حولك نمطاًَ مافيوياً، فهناك مافيا الشركات الطبية التي تحرم على الناس استخدام الطب البديل بحجّة عدم توفُّر النسبة المطلوبة من الأمان، كما تقوم بعض الشركات ببث دعايات غير دقيقة ضد أدوية بعينها أو لصالح أدوية أخرى فقط من باب الكسب وليس من أجل صحة الإنسان، وهي بذلك تنهب الجيوب، وتلعب بالعقول خصوصاً عقول بعض النساء اللاتي كلما رأين منتجاً يُعلَن عنه يبدين حرصهن وإصرارهن على شرائه ولو من باب التجريب.

فالمافيا تلبس كل يوم ثوباً جديداً وقناعاً مختلفاً وتأتي بصورة مغايرة. هناك مافيا المراهقين وأفرادها هم من يصاحبون المراهقين ممن هم في مثل سنِّهم ثم استدراجهم إلى أماكن الهلاك والضياع، حتى يصلوا إلى مرحلة خطف الأبناء من أمام أعين أمهاتهم وآبائهم جهاراً نهاراً. كيف يحدث ذلك؟، يحدث بالطَّبع حينما يفضل الطفل أو المراهق الذهاب مع من يتوهّم أنهم أصحابه على مرافقة إخوانه أو أفراد أسرته، ولا يشعر بشيء من الخطر حتى يقع الفأس على الرأس.

مافيا الأقلام التي تسمِّم الأفكار وتخطف القناعات من الصدور وتحاول تغيير المفاهيم، وهي أقلام مسمومة تقلب الحقائق وتوهم القراء بما ليس حقاً وتدَّعي تفرُّدها بامتلاك الحقيقة الكاملة، وامتلاك المعلومة الدقيقة والتحليل الصادق، وأنّ سواها يجهل كل شيء، وتنذر بالشر المستطير والهلاك الوشيك والخطر القادم ما لم يتسلّح الكل بأفكارها، وهي تخالف بذلك ناموس الكون وتكذب حقائق الواقع. ما دعاني لاختيار هذا العنوان هو ما ألاحظه من تناقضات في كثير من الأخبار الطبية والبحوث العلمية المتعلقة بالمنتجات العلاجية، التي تؤكد تارة أنّ شرب الماء يفيد الجسم ويقلل الأملاح ويساعد على الحفاظ على مستوى ضغط الدم ويعالج الكلى، ثم تأتي تارة أخرى لتقول إنّ كثرة شرب الماء يضر بصحة الجسم، أو إنّ المشي يفيد مرضى السكري وضغط الدم، ثم تأتي دراسة أخرى تدحض تلك المعلومات، وما يُقال من تناقضات حول الألياف هو مثار شك حول مصداقية تلك البحوث، وحول مدى اهتمامها بصحة الإنسان، وحول هدفها في الحياة الذي لا يتجاوز الجانب الربحي، وأي مافيا أخطر من المتاجرة بصحة الناس؟.

مافيا البحوث الطبية أربكت المتابعين، فما أن تحذِّر من شيء حتى تعود لتحثّ عليه، وكأنها تتناغم مع خطط بعض شركات صناعة الأدوية العالمية التي لا تتورّع في إيهام المرضى بأنّ دواءً ما يحمل الأمل المنتظر لأمراضهم، بينما نجده لا يزيد الطين إلاّ بلة، وإذا تأكد صدق ما سمعته وقرأته وكتبته أيضاً من أنّ مافيا الأدوية تقتل أحلام المرضى وتعرقل إنتاج أدوية (مقدور على إنتاجها) تعالج أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم، باعتبارها الأمراض الأكثر استهلاكاً للأدوية ذات المردود العالي، ففي سبيل استمرار الربح والعائد يفضِّلون استمرار الألم والموت البطيء لبعض بني البشر، فهل يعقل هذا؟ هذا أخطر أنواع المافيا، كونه يرتبط بحياة الإنسان، وليس الإنسان الصحيح الذي يقع تحت تأثير المافيا باختياره مثل مافيا المخدرات وغيرها، لكن الإنسان المستهدف هنا هو المريض الذي يبحث عن علاج ويتعلّق بأي بارقة أمل قد تقرِّبه من الشفاء وتنفض عن عظامه المرض المزمن.

ألا يحقّ لنا بعد هذا أن ندعو أن يكفينا الله شر المافيا أيّاً كان نوعها، طالما تعدَّدت أشكالها ومخاطرها ووسائلها للوصول إلى مختلف الأعمار والأجناس، ووصلت حتى الذين يرقدون على فراش المرض لكي تكسب من وراء مرضهم دون أن تقدم لهم علاجاً ناجعاً .. عزيزي القارئ الله يكفيك شر المافيا.



Shunkul60@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد