Al Jazirah NewsPaper Thursday  26/06/2008 G Issue 13055
الخميس 22 جمادىالآخرة 1429   العدد  13055
إلى جنة الخلد برحمة الله يا أخي الحبيب فهد
عثمان بن عبد الكريم الجويبر

قبل أيام قلائل ودعنا أخاً عزيزاً وصديقاً وفياً.. رجلاً عرفنا فيه خصال الخير وبذل المعروف.. التقي الحبيب.. طائع أمر ربه في دينه وسلوكه، رحمك الله يا أبا سطام فلقد حزن أصدقاؤك وأحبتك وأقرباؤك وزملاؤك وإخوانك لفراقك، لقد عرفوا فيك قمة الوفاء وصدق الأخوة وصفاء النية، أخي أبا سطام إن العين لتدمع والقلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، أخي الحبيب فهد العثمان رحلت إلى الدار الآخرة ورحلت قلوبنا معك حزناً ولوعة على فراقك، نشكو بثنا وحزننا إلى الله على فراقك يا أبا سطام، أيها الأحبة إن من أشد الألم والحزن أن ترى عزيزاً لديك وقد ودَّع هذه الفانية مرتحلاً للباقية.. تتألم أنت لفراقه وتشارك أهله أحزانه.. لكن مما يهوِّن المصيبة خصال الخير التي كان يتصف بها وبذل المعروف الملازم له.. فقد حرص على نشر الخير بين الناس وأكرمه ربه بقلب نزيه وخلق جم وابتسامة لا تفارقه إضافة إلى ثناء الناس عليه خيراً نحسبه والله حسيبه.. وما الجموع الغفيرة من العلماء والمشايخ وطلبة العلم والعامة من الناس الذين صلوا عليه وضاق بهم جامع الأمير عبدالله بن محمد -رحمه الله- بعتيقة على سعته بمدينة الرياض إلا شاهد على سيرته العطرة بين الناس.. ومكمن هذا الحب والتقدير له بما حاز من سماحة خلق ولين جانب وتعامل طيب مع الناس.. ولقد بدأت أزمة مرضه -رحمه الله- أثناء رجوعه من صلاة يوم الجمعة الموافق 12-4-1429هـ، فلقد انتابته غيبوبة في السيارة التي كانت تقله بصحبة أحد زملائه قادماً من مسجد الراجحي والتي أُدخل على إثرها المستشفى وأُجريت له عملية جراحية في رأسه في مقدمة المخ صابراً محتسباً إن أفاق من غيبوبته رطب لسانه بذكر ربه وشكره والثناء عليه.. وسأل عن أعمال خيرية قد بدأها قبل دخوله المستشفى بقوله: تكفون أكملوا العمل الفلاني الخيري لا تخلونه!.. سبحان الله ما أحرص أخي فهد على عمل الخير لم ينسه ما يعانيه من شدة المرض يتلمس حاجات الأرامل والمحتاجين وهو على هذه الحال، مكث أسبوعاً بعد العملية الجراحية وهو يتماثل للشفاء بفضل الله ويستقبل زائريه من المشايخ والعلماء وطلاب العلم وعامة الناس.. وما إن مضى على هذه العملية أسبوع واحد حتى عاوده المرض فغاب ذلك الجسد الصابر المحتسب في غيبوبة مرة أخرى بأشد من ذي قبل أدخل على إثرها العناية الفائقة.. وما هي إلا أيام قلائل فإذا بالأخ العزيز الشهم الكريم فهد قد أسلم روحه إلى بارئها فدارت بي الدنيا واسودت في ناظري فما عدت أرى شيئاً ولا أشعر بشيء.. أما الناس فلا أراهم إلا ظلاً قاتماً.. جفّ ريقي وانعقد لساني ويبست أطرافي واعتلاني الذهول والوجل كأنه حلم غير أني أرى أخي الكريم وصديقي الحميم فهد لا يتكلم ولا تتحرك شفتاه ولا يستجيب لشيء.. وضعت يدي على رأسه أتحسسه فإذا هو كالثلج البارد هويت عليه تسابقني دموعي أقبّله.. قبّلت أخي الحبيب بين عينيه اللتين طالما بكتا على الأطفال الأيتام والأرامل.. وخرجت من غرفة العناية الفائقة وقد فاضت عيناي بالدمع حزناً على فراقه وضاقت بي السبل وكأن الأرض أمامي تبدلت.. نعم.. أهو حلم أم حقيقة.. مضى فهد..؟... هذه سنة الله.. لقد مضى أخي فهد الشهم الكريم بحق وصدق.. كان رجلاً صائماً قائماً يخاف الله ويتقيه ويرجو رحمته.. محبوباً من الجميع رجالاً ونساءً كبيراً وصغيراً، رحيماً عطوفاً على الفقراء يسعى مع صاحب الحاجة حتى يقضي له حاجته.. حريصاً على صلة الأرحام والصلح بين الناس.. كثير الزيارة للمرضى.. يحسن الظن بالناس ويشجع على الخير ويحض عليه، لا يحسد أحداً على نعمة ساقها الله إليه.. لا يحقد على أحد، كان لسانه دائماً رطباً بذكر الله وشكره والثناء عليه والدعاء لإخوانه المسلمين.. وقد نذر نفسه لخدمة القرآن وأهل القرآن فسجل وأخرج عدة برامج لإذاعة القرآن الكريم.. يعرفه القاصي والداني عبر أثير الإذاعة.. وقد وصلت إلى الإذاعة برقيات العزاء من جميع أصقاع الدنيا معزية داعية الله له بالرحمة والمغفرة، نفذ عدداً من البرامج في إذاعة القرآن الكريم.. ومن أشهر البرامج وأعمها نفعاً للناس التي كان يقوم بنقلها وإخراجها لسنوات عديدة برنامج نور على الدرب مع أعضاء هيئة كبار العلماء ومنهم سماحة الشيخ العلاّمة الوالد عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله- وكذلك دروس وحلقات سماحة مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ -حفظه الله- والكثير من المشايخ والعلماء.. أسأل الله العظيم أن يغفر له ويرحمه ويجعل ما قدم في ميزان حسناته.. ولمن لا يعرف الأخ العزيز فهد بن محمد العثمان فهو من بني حنيفة ولد بمدينة الرياض عام 1379هـ وقد درس على يد الإمام الشيخ الورع الزاهد عبد الله الفنتوخ مدير الدعوة في الداخل والجزيرة العربية سابقاً ولازم دروسه قرابة الخمسة عشر عاماً.. وقد التقيت الشيخ عبد الله ويثني كثيراً على الأخ فهد في خلقه والتزامه بالدروس وحرصه على العلم الشرعي ومبادرته للأعمال الخيرية، وقد تزوج أخي فهد في بواكير حياته من زوجته الأولى امرأة من الصالحات كانت مثالاً في الصبر والخير وهي هياء بنت عبد الله بن عبد العزيز الشويعر أنجبت منه سطام ومحمد وسهام وسارة.. وفي عام 1420هـ تزوج بامرأة صالحة أخرى كانت على المصائب صابرة محتسبة وهي زبيدة بنت محمد بن عبد الرحمن المرشد وأنجبت منه عبد العزيز وديمة وهياء.. وقد عمل في وزارة الثقافة والإعلام منذ عام 1400هـ إلى أن توفاه الله صباح يوم الخميس العاشر من جمادى الأولى من عام 1429هـ الموافق 15-5-2008م بعد فترة قصيرة من المرض.. وقد صُلي على جثمانه بعد صلاة العصر في جامع الأمير عبد الله بن محمد - رحمه الله- بعتيقة جنوب مدينة الرياض وأمّ المصلين سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ -رعاه الله- وتقدمهم ثلة من العلماء والدعاة وعلى رأسهم سماحة الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى والشيخ عبد الله بن جبرين وجموع غفيرة من المصلين ضاق بهم المسجد على سعته.. وقد ووري جثمانه الثرى في مقابر مدينة الدرعية بجوار قبر والدته.. وقد كان بجوارها ملازماً لها في حياتها وكأنه يريد أيضاً أن يكون ملازماً لها وبجوارها حال وفاته ما أعظمه من بر بوالدته.. رحمك الله أيها الصديق الوفي.. وأسكنك ربي الفردوس الأعلى من الجنان.. وأبدل سيئاتك حسنات، وأنزلك منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، اللهم يا أرحم الراحمين اغفر لعبدك الضعيف فهد العثمان وارحمه برحمتك وارفع درجته في عليين وافسح له في قبره يا كريم يا جواد ووسّع له فيه.. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة.. اللهم أكرم نزله ووسع مدخله.. اللهم اجمعنا به في الجنة، اللهم اصلح ذريته.. وأكرمنا بلقائه في دار كرامتك برحمتك يا أرحم الراحمين، أدعو الله لك يا أبا سطام جنة ورضواناً.. وأدعوه لي ولأهلك ولأحبابك صبراً وسلواناً.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.. وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد