Al Jazirah NewsPaper Tuesday  01/07/2008 G Issue 13060
الثلاثاء 27 جمادىالآخرة 1429   العدد  13060
المواءمة بين حتمية تحول (الخطاب الثقافي) وهيمنة الخصوصية والنسقية..! (5-5)
د. حسن بن فهد الهويمل

.. ولتفادي إلغاء الدين النصراني عمد الإصلاحيون المسيحيون إلى إجهاض النص الديني المسيحي العاجز عن استيعاب النوازل بالتأويل المحيل، ومن ثم نشأ مصطلح (الهرمينوطيقا). ولما لم تكن إشكالية النص التشريعي الإسلامي المقدس في استيعاب النوازل...

..فقد كانت هناك انعكاسات فكرية وفلسفية، لم تكن على وفاق مع النص، والذين استحوذ عليهم سلطان العقل، وتلوثت أفكارهم بالفلسفات والمنطق الصوري لم يجدوا بُداً من الركون إلى التأويل الفاسد لتطويع النص لقبول ما أخذوا به مما لا تقوم الحاجة إليه، والفِرق الإسلامية حين ووجهت بنصاعة النص ووضوحه لم تجد بُداً من اقتراف خطيئة تحريف الكلم من بعد مواضعه. وممارسة إجهاض النص على أي شكل يعني إلغاء الخصوصية المشروعة ونسف النسق المعرفي، وهو ما يوده الآخر ويتبناه التبعيون، وفي كل حضارة تمر الأمم بمحاولات تجديد أو ترديد أو تحريف، وقد تكون صحة الأبدان في العلل، وما نسل العلماء الأفذاذ إلا من تحت الضربات الموجعة، فلو نظرنا إلى الظروف التي أنتجت شيخ الإسلام (ابن تيمية) والمصلح (ابن عبدالوهاب) لوجدناها ظروفاً عصيبة: فكرية كانت أو عسكرية، والخطورة ليست في الغزو من الخارج، ولكنها حين تكون من الداخل. وللأديب (محمد محمد حسين) كتاب قيّم بعنوان (حصوننا مهددة من داخلها)، تناول فيه انحراف الدراسات النفسية والاجتماعية، وتحولات الفن والثقافة تحقيقاً للغربنة وقضايا المرأة، واتجاه الترجمة لكتب الفكر والأدب، ومؤتمرات التعليم والتحولات في مناهج اللغة والدين، والانحرافات في الدراسات الإسلامية. وإذ نمضي مع بعض الدراسات الرصدية والتحذيرية من مثل هذه التحولات غير الراشدة، فإننا نتحفظ على حدة النبرة والحدية الصارمة تحت وطأة المفهوم المتشدد لدرء المفاسد وسد الذرائع، على أن الكثير من عشاق التغيير لا يكون لديهم الإلمام التام بمتطلبات الخطاب الفكري والثقافي، ومن ثم يقعون في المحذور من حيث لا يريدون، ومثل هؤلاء يحتاجون إلى الإرشاد لا إلى الإقصاء والتصنيف، فالوهم غير الإصرار على الحنث العظيم، والوقوع في نواقض الإيمان جهلاً يواجَه بالإرشاد. والتجديد مطلب العلماء والمفكرين، ولكنه محفوف بالمخاطر لتقحم المبتدئين وتسرعهم، وجهلهم للحاجة والإمكانيات، وتعديهم لحدود ما أنزل الله إن جهلاً أو استخفافاً.

لقد مرّ الخطاب الثقافي بوضعه الشمولي في الغرب بمراحل متعددة بدأت بهيمنة الكنيسة، ثم بالإصلاح (اللوثري)، ثم بهيمنة العقل بشقيه: العملي والمحض، ثم بهيمنة العلم، ثم بالتمرد الوجودي (الليبرالي) والحداثي الانقطاعي.

وبالموازنة بين النسقين الغربي والعربي نجد أن الفروق واضحة، والذين يريدون الارتماء بأحضان الغرب يلغون الأنساق الثقافية والخصوصية الحضارية، وهذا لا يمت إلى الحرية بشيء، إنه عبث يؤدي إلى المسخ. إن مكونات الوعي الغربي تختلف كثيراً عن مكونات الوعي العربي، وعلى ضوء ذلك لا بد أن تختلف المناهج والآليات والأولويات، وما أحوجنا إلى استيعاب (فقه التمكين) في القرآن الكريم لكي نفرق بين خطاب الضعف وخطاب القوة. إن عملية التحول في ظل الظروف المعقدة عملية في غاية الخطورة، وبخاصة حين يتصدر المشاهد من لا يحسن الدخول والخروج. إن التفكير المرتهن لعصر عمر بن الخطاب أو صلاح الدين تفكير انتحاري لأنه نهوض بالمهمات الجسام دون توافر محققات النجاح، والتفكير المرتهن لعصر الضعف والهوان تفكير استسلامي تخاذلي، وحفظ التوازن بين التفكيرين مهمة صعبة لا يؤتاها إلا الأفذاذ من العلماء والمفكرين. إنَّ التغريب المتحكم يهدد النسق والخصوصية، ولكي لا ندعه يستشري لا بد أن نستبدله (بالاستغراب) المعادل للاستشراق، فالاستشراق يعني الوصول المقتدر إلى المعارف والثقافات العربية، واستيعابها، وتوهين الأمة من خلال فهم الثغرات ومناطق الضعف ومجالات التشكيك، ولقد فعلها بذكاء ماكر عدد من المستشرقين، وذلك حين تحدثوا عن (القراءات) القرآنية، والنسخ في القرآن والمتشابه وقضية الانتحال في الشعر الجاهلي وعلاقة الفقه الإسلامي بالقانون الروماني وقضايا المرأة والرق ونظام الحكم وغيرها، وكل هذه الإثارات لتوهين الأمة وتصديع وحدتها الفكرية لكي تظل تابعة مستهلكة للأشياء والأفكار. إنّ الاغتراب كما يقول حنفي: (تحول الأنا إلى الآخر).

والمستعمر الذي خرج بثكناته ومندوبيه عاد بمفكرين ومثقفين ليمارس طمس الخصوصية ونقض النسق، والشجرة تثبت بجذورها وتحضر بأغصانها وأوراقها، فالنسق يمثل الجذور، وهو مصدر الثبات، والخصوصية والهوية تمثلان الأغصان والأوراق. وأحد التحديات السبعة التي اختارها حسن حنفي يتمثل في (الهوية ضد التغريب والتبعية والتقليد) وهو ما نركز عليه في عملية تحول الخطاب الثقافي. والخصوصية التي يضيق بها المغتربون لا المستغربون لها محققاتها في الحضارة الإسلامية، وقيامها لا يشكل أي عقبة في طريق التفاعل بندية مع أي طرف آخر، وبرم المغتربين استجابة بلهاء لتطلعات الآخر المتسلط، فقيامها بحقها لا يدع فرصة للهيمنة ولا يحول دون الإفادة والاستفادة، وإشكاليتها في الذين يضيقون بها، والذين يعضون عليها بالنواجذ دون وعي، والدليل على ذلك طائفة من المتمسكين بها لا يفرقون بين الموالاة العقدية والمحبة الجِبلية، فالقرآن الكريم حرّم الموالاة والمودة العقدية لمن حاد الله ورسوله، ولم يقف حائلاً دون المحبة الجِبلية، والعصور الذهبية لم تمارس الاعتزال، ولكنها مارست الاستيعاب والاستثمار، والفكر الإسلامي المعاصر رفض الإلحاد والإباحية، وإن استهوت بعض أفراده مغريات الغرب. إن علينا لكي نحقق التحول الإيجابي أن نتخلص من عقدة الخوف والرفض المطلق وخيار الصدام والصراع، مع إمكان الحوار والتعايش وتبادل المنافع والمصالح.

إنّ هناك خيارات ممكنة كالحوار والتصالح والتعايش وتبادل الخبرات والمنافع والمشاركة واستغلال قواسم الحضارات الإنسانية، وليس من مصلحة الأمة التفريط بالممكن.

إننا نقطع بأن الإنصاف والحياد الإيجابي غير ممكنين، ولكن هذا لا يمنع من التحرف لحلول وسط تملك الشجاعة على التنازل غير المخل بالثوابت كما هي حقيقة لا وهماً، مقابل الإفادة والاستفادة أو الدفع على الأقل متى كنا في مرحلة الاضطرار، ولن يتحقق اللقاء المؤتمن إلا في مشاهد العلم البحت؛ فهو عالمي المبادئ والقوانين، ومتى سلَّمنا بالخصوصيات والأنساق، وقبلنا بها، أمكن ترتيب الأمور وخلق مناخات مناسبة للتعايش السلمي وممارسة حق التحولات الإيجابية.

إنّ الإصرار على المركزية والأولوية والهيمنة يجعل المعادل طرفاً ثانوياً لا تزيده الممارسات إلا احتقاناً وشكاً وارتياباً وتحفزاً للتمرد. إن التفكير في مركز الصدارة يعني تشكيك الآخر بجدوى المشاركة، والتراث الإسلامي تراث رباني إنساني؛ فهو من جهة وحي ومن جهة أخرى استيعاب لحضارات سادت ثم بادت، ومن ثم فإنه الأقدر على العيش والمعايشة، ومن مبادئه الجنوح للسلام، ولكن خيار السلام لا يتحقق إلا بعد الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، ومَن أراد السلام فليستعد للحرب، والغرب الذي يصادر حق الخصوصية وتشكيل النسق يقع تحت طائلة ما ينهى عنه؛ لأن ممارسة المصادرة تعني العنصرية وتعني إنكار حق الوجود الكريم للآخر، وتعني خروج الاستعمار التقليدي ودخوله بشكل آخر، وتعني القضاء على التعددية والتنوع والتفاعل الإيجابي الذي تنادي به (الديموقراطية) وتدعيه (الليبرالية)؛ لأن ذلك كله من محققات الحرية الشخصية، والحضارة الإسلامية عايشت الأقليات وعرفت مصطلحات أهل الذمة وحقوقهم، وقد تمكنوا من التمتع بكل متطلبات الحرية الشخصية في ظله، علماً أن الإسلام نشأ وازدهر واكتمل قبل أن يكون للحضارة الغربية شأن يذكر بل قبل أن تكون شيئاً مذكوراً.

وإذا أخل دعاة التغريب بمفهوم الخصوصية وأعطوها أبعاداً تُنفّر منها وتحمل على التحفظ عليها، فإن طائفة أخرى أخلت بمفهوم النسق، ومن ثم راحوا يشككون في أهليته وقطعيته وقدسيته. وظاهرة النصوصية شغلت المشهد النقدي والفكري وأدت إلى مزالق مروعة، فكثير من المفكرين اقترفوا أنسنة النص المقدس، وأخضعوه للمناهج والآليات بوصفه نصاً لغوياً، والنص هو لحمة النسق وسداه وإن لم يكن مستوعباً له، وحين نتحدث عن النسق بوصفه مشاركاً للحراك والتحول لا مهيمناً عليه نؤكد على حق المشاركة وتقاسم المساحات والتكافؤ والندية. وإذ ننقم على المنكفئين والنافين للآخر ننقم على المميعين للمبادئ الملمعين للآخر. إننا أحوج ما نكون إلى التوازن والوسطية وتبليغ الرسالة وطرح القدوة في السلوك والعلم والتعامل.

والتحول الذي ننشده والثبات الذي نستحضره لا يمكن أن يكون بدون ضوابط وقواعد وشروط، وما لم نرتب أوراقنا وندخل حلبة اللزز بإمكانيات معرفية فاتنا الركب المخب وبقينا سقط متاع يجلد ذاته ويلوم قدره.

والدين في خضم الصراع المتعدد الأشكال والألوان يدعو إلى الشورى والعزم والتوكل، وقوارب النجاة في هذا البحر اللجي في امتثال أمر الله على مراد الله فيما يرضي الله.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5183 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد