Al Jazirah NewsPaper Thursday  31/07/2008 G Issue 13090
الخميس 28 رجب 1429   العدد  13090
الهروب الكبير
محمد بن عيسى الكنعان

ليس المقصود بالهروب الكبير المسلسل الأمريكي الشهير الذي حمل هذا الاسم وأنتج عام 1963م، ويحكي قصة فرار مجموعة من جنود وضباط دول الحلفاء من المعتقلات النازية، أو أن المقصود قصة هروب قرابة أحد عشر ألف سجين من سجن (قصري) بطهران عام 1979م -إن صحت الرواية-

الذين اغتنوا فرصة اقتحام فرقة الكولونيل الأمريكي آرثر سيمونز لتحرير سجينين أمريكيين، كما أنه ليس القصد بهذا الهروب هروب الدعيّ زكريا بطرس من مناظرة الدكتور منقذ السقار حول الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، أو هروب الجنود الأمريكيين من حقول الأرز الفيتنامية يجرون أذيال الخيبة والهزيمة المروعة عام 1971م، قطعاً ليس كل هذا .

الهروب الكبير أقصد به هروب (العمالة المنزلية) من المنازل السعودية، حتى أنك تشك أنه لم تبق أسرة سعودية إلا واشتكت من فرار عاملتها المنزلية أو سائقها الخاص، بشكل غريب يدعو للحيرة والتساؤل، خاصة أن الأمر تحول إلى (ظاهرة اجتماعية) مقلقة، من واقع القصص الحقيقية التي عاشتها أسر سعودية، لدرجة أنه صار بالإمكان تأليف روايات أدبية ومسلسلات تلفزيونية تحاكي وقائع الهروب وأساليبه من ثنايا تلك القصص، وكأنها من نسج الخيال وإبداع الرواة، وهي قصص حقيقية ينطق بها واقع المجتمع السعودي، بعضها يحمل الغرابة في تفاصيله، والبعض الآخر يحمل الطرفة أيضاً، كما أنها تعطي إشارات معينة على وجود خلل ٍما في آلية الاستقدام أو عقود الاستخدام.

من تلك القصص الغريبة عاملة منزلية استقدمها أحد الأقارب، اختفت أو بالأصح هربت بعد أسبوع من وصولها رغم أنها المرة الأولى التي تأتي بها إلى المملكة، بطريقة تشك فيها أن هناك من ساعدها أو أطلعها على طرق وأساليب الهروب قبل قدومها، خاصة لمدينة مترامية الأطراف كمدينة الرياض، أغرب منها قصة عاملة شقيقي التي هربت قبل سفرها إلى بلدها بيوم، مخلفة وراءها أغراضها وحقائبها وتذكرة سفرها، رغم أنها كانت تواقة للسفر بحكم غربتها التي امتدت لبضع سنوات، والمفاجأة أنها اتصلت بعد فترة تؤكد أنها تتقاضى في بضعة أيام ما كانت تتقاضاه في شهر، ولك أن تفكر في طبيعة هذه المهنة، في ظل قضايا الضبط وحوادث القبض على عمالة وافدة تمارس أعمالاً غير أخلاقية.

أيضاً عاملة منزلية لأحد الأنساب هربت بعد يومين من قدومها معهم من حائل إلى الرياض في زيارة الصيف الفائت، حيث تسللت من المنزل بعد صلاة الفجر بساعة تقريباً، تاركة كل أغراضها وإثباتاتها واختفت كأنها سراب، وهي حالة مشابهة لعاملة صديقي التي طالبت بزيادة راتبها، ثم هربت صباحاً في غفلة من أهل البيت، ليستقر بها المقام في جدة.

أما السائقون فلهم نصيب أيضاً، فهم أقدر على الهرب بحكم طبيعتهم الذكورية، وسهولة تنقلهم، فهذا سائق أحد قرابتي ترك مفتاح السيارة وكل أغراضه واختفى أين؟ لا أحد يدري!

سائق آخر لأحد المعارف هرب وزوجته التي كانت تعمل لدى نفس العائلة، وبعد أسبوعين اتصل بطريق الخطأ على زوجة كفيله من مستشفى العسكري، حيث كان يقصد باتصاله سيدة العائلة التي أصبح يعمل لديها، وعندما اكتشف الأمر قطع الخط ومعه انقطع خبره.

ما استعرضته من قصص هي (عينة) لوقائع هروب كثيرة أعرفها فقط في محيط العائلة، فما بالك بما لا نعرفه ويقع يوميا على مستوى المملكة، بما لا يمكن أن يحصى في مقال صحافي أو تقرير إعلامي، ولكن يمكن أن نستشف من بعض المعروف لدينا دلالات معينة، التي تشير إلى توزع المسؤولية في هذه الظاهرة السلبية على أكثر من طرف حكومي أو شعبي، إلا أن أول الأطرف وأهمها تأثيراً بتقديري هو (المواطن) كونه محور عملية الاستقدام كلها، سواء على مستوى الفرد العادي الذي قد يغري عاملة منزلية أو سائقا خاصا بأجر أعلى للعمل لديه وترك الكفيل الرسمي، كحالة السائق الذي أشرت إليه في إحدى القصص المذكورة سلفاً، أو على مستوى الفرد المتسبب الذي قد يمارس أعمال استخدام عمالة بطريقة غير نظامية، أو ما يسمى (إعادة تشغيل الخادمات)، التي غدت سوقاً رائجة على حساب الأسر السعودية، فضلا ًعن (المتاجرة بالعمالة) وهذه قضية لوحدها.

يبقى أنه في كل الحالات تعتبر هذه الممارسات غير قانونية وغير حضارية لأنها تشجع العمالة على العبث بالأمن والإخلال بأنظمة البلد وتشويه سمعة المملكة من هذا الجانب، كما أن إلغاء (خطاب التنقل) الذي كان مفروضاً في السابق، ويلزم المقيم بتحرير موافقة خطية من الكفيل لتنقله هنا أو هناك، قد أسهم في حرية حركة العمالة والتنقل بين المدن لدرجة الإغراء بالهروب، الذي كان محدوداً ثم تحول إلى ظاهرة يتحدث عنها المجتمع بكثرة.



Kanaan999@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد