Al Jazirah NewsPaper Monday  01/09/2008 G Issue 13122
الأثنين 01 رمضان 1429   العدد  13122
الرئة الثالثة
إنما التفاؤل.. من الإيمان!
عبدالرحمن بن محمد السدحان

جُبِلتُ على التفاؤل منذ فجرة الطفولة، رغم ما صَاحبَها من ويلات كادت توردني مهالكَ القنوط، والتفاؤل دوحة تتفيّأ بها النفس من هجير اليأس، وهو يثْري الإيمانَ بالخالقِ والثقة بالمخلوق، هذا الموقف الوسط في تشكيلي الوجداني يمنحني صفةَ الاعتدال بين حُمْقِ التشاؤُم وسذاجةِ الطيبة! وليس هذا ضرْباً من تَرف الفلسفة، ولكنه اعتراف ضمني بأن (يوتوبيا) النفس المطمئنة أمر متعذّر في ظلّ متغيراتِ الكونِ المحيطِ بنا، ومن أبرزها التضارب القائم بين حيثيات الشَّقاءِ والنعيمِ من صوب، وبين (شقائنا) نحن البشر من صوب آخر، بحثاً عن معادلات توفيقية بينهما!

***

* من هذا المنظور المتواضع، لا أفتأ أُطلُّ على الكون بصراً وبصيرة، أحاول بقدراتي المتواضعة أن أتأمل أحداثَه تأثراً وتأثيراً، لكنني أحرص أبداً على استدرار غيمةٍ من الإيمان في أعماقي لقناعتي بأن الإيمانَ الصادقَ عاصم من الخوف، ومن لا إيمانَ في قلبه، فلا أمانَ له أو معه!

***

* من جانب آخر، أحرص ما وسعني الحرص على الربط بين أمسي كيف كان ويومي كيف غدا مستلهماً من هذا وذاك رؤيةً متفائلةً للغد، وكيف يمكن أن أكملَ مشوارَ العُمر بنصيبٍ أفضل من العطاء، ورصيدٍ أقل من الخطأ!

***

* ما أشبه سيناريو عمر المرء بدورة الشمس: ضعف فإشراق فوهج، فذبول ثم غروب، فنهاية، وخلال هذه المراحل من العمر، يولد المرء منا ويموت أكثر من مرة، تبعاً ليقظة الإنسان في وجدانه أو جموده، المرء منا يعيش لحظة (ميلاد) جميل حين ينثر ندى الفرحة على شفة بائس، فيطفئ لظى الحرمان في وجنته، وحين يعزف في وجدانه نغم الحنان ليبدِّدَ دفؤه وحشةَ القنوط، وإنسان غير هذا لا بد أن يعيش حالة من (انعدام الوزن) الروحي حينما يفشل في تحقيق بعض تلك الخصال بسبب نزعة الأثرة في وجدانه!

***

* وأخيراً، تأملوا يا سادة ما آل إليه عالم اليوم المشحون بظواهر الإحباط يكاد بعضها يجهض في أحشائنا نطفة الإبداع، استمعوا إلى نشرات الأخبار كي تعرفوا أن إنسان اليوم يعيش معادلة من القمع النفسي المستمر، لا فرق في ذلك بين عربي وعجمي، ولا بين شرقي وغربي، ولا بين شمالي وجنوبي، إنْ أَمِنَ محنةَ الحرب، لم يأمنْ محنةَ الاضطهاد في حريته، وإن ظفرَ بحريته، لم يظفر بالأمن الاقتصادي، وإن فازَ برفاهية المال لم يسلم من محنة الغرور والترف!

***

* أعود إلى القول مذكراً بأننا لا بد أن نظلَّ متفائلين، رغم المحن والخطوب، وأتساءل: لماذا لا نتأمل الجانب المشرق من حياة إنساننا المعاصر، الذي غزا بعقله وإبداعه الأرض والبحر والفضاء، فقرب البعيدَ، سمعاً وبصراً وقراءةً وإحساساً، وسخر ثروات الأرض لخدمة أجيال يومه وغده! وإذا كان هذا الإنسان قد استثمر جزءاً من إبداعه لصنع حِرَابِ القَمْع والدمار، فربَّ ضارٍ نَفَع؛ لأنه كلّما نَمَتْ وسائلُ الفتْك تقنيةً وتعقيداً، كلمّا كانتْ وسيلةَ (ردع) لحقْن كثير من فُرصِ الدمار الدامي بين الشعوب!

***

* اللهم امنحنا نعمةَ التفاؤل كي نتذكر آلاءك حَمْداً وثناءً، وجنبنا فتنةَ القنوط كيلا نخسرَ أنفسنا بغياب الحمدِ لك، وهب لنا من القناعة زاداً كي نرضيكَ ونرضى!



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5141 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد