ما يمثله محمود درويش بالنسبة لي، كما بالنسبة للكثيرين من أبناء المخيمات الذين ولدوا بعيداً عن فلسطين، هو البيت. لا الشاعر، ولا رمز النضال والمقاومة، وسواهما من ألقاب استحقَّها الشاعر الراحل. إنه البيت الفلسطيني الذي يسكن الذاكرة، أو يسكن الحلم، للذين ولدوا في المنفى. كان يغيظنا دائماً، في يومياتنا الفلسطينية أن الحنين لدينا هو حنين ذهني؛ نحب فلسطين كما نحب أي بلد في العالم، وصفوه على أنه جنة الأرض، وما إلى ذلك من أوصاف وجماليات تستحقها أمكنة كثيرة ولا تتوقف على فلسطين وحدها. لكننا دائماً نفتقد إلى علاقة خاصة بالأشياء وجمالياتها، بالحجر والشجر ومنظر الغروب هناك. فلسطين بالنسبة لنا قضية، لا ذكريات.
درويش استعاد في قصائده كل مفردات البيت؛ تذكّر الشجر، بل شجرة بعينها، السروة والصبار والزيتون، كما تذكّر تلك الأشياء التي تعلّق على جدران البيت الفلسطيني كما لو كانت نوعاً من التمائم، جدائل الثوم والبامياء وسواها (عادوا ليعلّقوا بسقوفهم بصلاً وبامية وثوماً للشتاء). تذكّر البئر والفرس ودِلال القهوة العربية، وهكذا إلى أصغر تفصيل في البيت، هو الذي لا ينسى ولا يضيّع زرّ قميص في الرحيل الكبير، كيف لا يتذكر ذلك الفردوس، الذي هو ما شكّل كل عالمه الشعري. إنها جنة الفلسطيني وحده، راح درويش يستنبتها من جديد في لغته؛ من الميرمية، النبتة الفريدة التي يستخدمها الفلسطينيون مذاقاً ودواء، إلى شتلة الحبق، وحتى الفرفحينة التي لم نكن نحسب لها موقعاً في الأدب حتى أتى درويش على ذكرها. ألم يقل الشاعر في (لاعب النرد) إنه ورث عن عائلته الأمل بالشفاء بفنجان بابونج ساخن؟
لقد كان لدرويش، ولغيره من حَمَلة لواء القضية الكبار، فضل كبير، في استعادة كل تلك المفردات في بيوتنا وأزقة مخيماتنا، خصوصاً منذ قال درويش ونبّه: (إن الغجر لا يحبون الزراعة). رحنا، لئلا نصير غجر هذا الزمان، نزرع حول خيامنا، كما لو كنا نصنع هويتنا من جديد: (لا هوية إلا الخيام، إذا احترقت ضاع الوطن)، والقول لمحمود درويش. اذهبوا إلى بيوت الفلسطينيين في المخيمات اليوم، يصعب ألا تجدوا شتلة حبق، أو شتلة ما موروثة من فلسطين، يصعب أن تغادروا بيوت الفقر تلك من دون فنجان شاي مع الميرمية. تلك جنة فقراء الفلسطينيين. غير أن ما كان يثير حسدنا في محمود درويش أن بإمكانه أن يتذكر البروة، وحيفا، والكرمل كمفردات واقعية، لا شعرية وحسب، وأن يروي عنها قصصاً وذكريات، وأن بإمكانه أن يعود إلى حيفا، كما عاد ذات مرة لتأبين الفلسطيني الكبير إميل حبيبي، ذاك الذي كتب على قبره (باق في حيفا)، وأن بإمكان درويش أن يقيم في رام الله، وبإمكانه بالطبع أن يموت فيها، كما فعل أخيراً. ليس بإمكاننا أن نفعل مثله، حتى على سبيل الموت. نستطيع الآن فقط أن نضمّه إلى جنة الفلسطينيّ: حبق، مفاتيح، ميرمية، زهر الحنّون، و.. محمود درويش.
راشد عيسى - دمشق