Al Jazirah NewsPaper Sunday  14/09/2008 G Issue 13135
الأحد 14 رمضان 1429   العدد  13135
قناديل رمضان
وسيلة محمود الحلبي

لشهر رمضان المبارك روحانيات عظيمة، فهو شهر الجود فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان. والصوم الصادق والمقبول يحقق انتصاراً للروح على شهوات الجسد، ومطالبه، فهو يقضي على الصراع الدائر داخل النفس الإنسانية، والصائم الصادق يسكت نداء الشهوة في داخله سواء كانت مادية أو جسدية فتسمو روحه وتنطلق في مجالات عليا، ويسود السلام بعد الخصام.. ويقضي على نوازع الشر ووساوس الشيطان وإثم الشهوات فتنتصر قوى الخير في الإنسان ويعم السلام أرجاء نفسه. فالإخلاص سلاح حاسم والصوم هو قمة الإخلاص. قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، فنسأل الله أن يتقبله منا ومنكم وأن يتم على الجميع بالعتق من النار.

الشعر والبخلاء في رمضان..

تحفل المائدة الرمضانية بالكثير من حكايات ونوادر الصائمين وقد زخرت كتب التراث العربي بالكثير من هذه النوادر التي أقتطف منها بعض المواقف في قناديلي اليوم.. (قناديل رمضان) والشعر هو الفن العربي الأول الذي ساير أيام رمضان وعبر عنها في العبادة والزهد والترف، وتحدث عن البخلاء، والمفطرين في رمضان.

يقول القطب المكي:

يا واحد الفضلاء أنت جمالنا

فتهن بالشهر الشريف الاشرف

شعر بشعرٍ لا ربا فيه وإن

زاد العباد فوزن هذا الاشرف

وفي هجاء الفاطرين

ضعفاء النفوس الذين يستهينون بحرمته ويفطرون بلا عذرٍ، ونرى الوعاظ شددوا على هؤلاء فكذلك لسان الشعر كان حاداً وهو يهاجمهم ويهجوهم ومن شعر هجاء الفاطرين قال أحدهم:

كم أناس أظهروا الزهد لنا

فتجافوا عن حلالٍ وحرام

قللوا الأكل وأبدوا ورعاً

واجتهاداً في صيامٍ وقيام

ثم لما أمكنهم فرصةً

أكلوا أكل الحزانى في الطعام

ومن الأشعار الجميلة التي قيلت في ذم بخلاء الصائمين قول الشاعر:

أتيت عمراً سحراً

فقال إني صائم

فقلت إني قاعدٌ

فقال إني قائم

فقلت آتيك غداً

فقال صومي دائم

وقال شاعر آخر في معنى يفوق المعنى السابق طرافةً ولذعاً:

أتينا أبا طاهر مفطرين

إلى داره فرجعنا صياما

وجاء بخبزٍ له حامض

فقلت دعوه وموتوا كراما

ولأبي نواس هجاء لاذع في البخلاء فلم يكن يمسك لسانه عن الهجاء فيهجوا الفضل قائلاً:

رأيت الفضل مكتئبا

يناغي الخبز والسمكا

فأسبل دمعهً لما

رآني قادماً وبكى

فلما أن حلفت له

بأني صائمٌ ضحكا

الشعر وألوان الطعام..

كما يكثر الشعر الذي يتناول صنفاً بعينه من أصناف الطعام، وهو باب لطيف من الشعر يتردد على الألسنة ويسليهم في أيام الشهر الفضيل فيقول أحدهم في وصف التمر:

لله تمرٌ طيبٌ

وافٍ على البشر انطوى

يا حسنه مجتمعاً

يحلو لنا بلا نوى

وقد أهدى بعضهم إلى الشيخ جمال الدين بن بناته تمراً رديئاً غالبه النوى فأنشد قائلاً:

أرسلت تمراً بل نوى فقبلته

بيد الوداد فما عليك عتاب

وإذا تباعدت الجسوم فودنا

باقٍ ونحن على النوى أحباب

ومما قيل في المشمش:

ومشمشٌ جاءنا من أعجب العجبا

أشهى إلي من اللذات والطرب

كأنه وهبوب الريح ينثره

بنادق خرطت من خالص الذهب

ومعظم الناس الآن يتخذون من شهر رمضان موسماً لإشباع شهوتهم من ألوان الطعام والشراب ومن هذا اللون ما قاله الشيخ عامر الأبنوطي:

أناجر الضأن ترياق من العلل

وأضمن الرز فيها منتهى أملي

أكلي غذاء وأكلي من العشاء على

حدٍ سوى إذا اللحم السمين قلي

طال التلهف للمطعوم واشتعلت

حشاشتي بحمام البيت قلي

أريد أكلا نفيسا أستعين به

على العبادات والمطلوب من عملي

وهكذا تتعدد صنوف الشعر في رمضان وخاصةً شعر النوادر والفكاهات التي نجد فيها جانباً ممتعاً مسلياً بعيداً عن الروتين.

السمبوسة في الأدب العربي..

السمبوسة تلك الأكلة التي لا تخلو من أي مائدة رمضانية فهي زينة طعام رمضان تتفنن النساء في طرق صناعتها بما لذ وطاب. ومنها أنواع كثيرة فهي إما محشية باللحم والبصل والبقدونس، أو بالجبنة البيضاء، أو البطاطا والبيض، أو مع الدجاج المسلوق والسماق والبصل. وهي ليست وليدة العهد ولكنها قديمة وهي أكلة فارسية اسمها (سنبوسق) ولكن العرب سموها (سمبوسة) وقد ورد هذا المصطلح في المعاجم الفارسية منهم (معجم الألفاظ الفارسية المعربة، وهي الفطيرة المثلثة).

وجاء في كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للكاتب المسعودي قصيدة للشاعر اسحق الموصلي حيث قال فيها:

يا سائلي عن أطيب الطعام

سألت عنه أبعد الأنام

أعمد إلى اللحم اللطيف الأحمر

فدمة بالشحم غير مكثر

واطرح عليه بصلاً مدورا

وكرنباً رطباً أخضر

وألق السذاب بعده موفرا

ودار صيني وكف كزبرا

وبعده شيء من القرنفل

وزنجبيل صالحٍ وفلفل

وكف كمون وشيء من حري

وملء كفين بملحٍ تدمر

فذقه يا سيدي شديدا

ثم أوقد النار له وقودا

واجعله في القدر وصب الماء

من فوقه واجعل له غطاء

حتى إذا الماء فنى وقلا

ونشفته النار عنه كلا

فلفه إن شئت في رقائق

ثم احكم الاطراف بالإلزاق

أو شئت خذ جزءاً من العجين

معتدل التفريك مستلين

فابسطه بالسويق مستديراً

ثم اظفر أطرافه تظفيراً

وصب في الطابق زيتاً طيباً

ثم اقله بالزيت قلياً عجباً

وصفه في جامٍ له لطيف

ووسطه من خردلٍ حريف

وكله أكلاً طيباً بخردل

فهو ألذ المأكل المعجل

ونلاحظ أن جداتنا وامهاتنا يتفننون في صناعة عجينة السمبوسة حين يعجنونها بالماء الدافئ والبيض والخميرة وقليل من الملح والزيت. ثم يتركونها لتتخمر. وبعد ذلك يقطعونها دوائر صغيرة ويرقونها على سطح مستوٍ ثم يحشونها ويضفرون أطرافها ويحمرونها بالزيت. أما الآن فأصبحت العجينة تباع في المخابز والمحلات ولم يعد لها ذاك الطعم اللذيذ الذي كان عليه زمان وأصبحت السيدات يستسهلن شراءها عوضاً عن عجنها في المنزل. ومع كل هذا التغيير تبقى السمبوسة عروسة المائدة الرمضانية في كل زمانٍ ومكان.

لحظة صدق:

لا تنسو دعاء الإفطار

اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله.

كاتبة ومحررة صحفية



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد