Al Jazirah NewsPaper Sunday  14/09/2008 G Issue 13135
الأحد 14 رمضان 1429   العدد  13135
الكتاب بريال
د. حمد بن عبدالله المنصور

يبدو أن الأفكار تشترك مع السلع التجارية في أوجه شبه قوية ومتعددة - كما يقول البلاغيون - ذلك لأن قيمة الإنتاج الفكري بأنواعه المختلفة قد ترتفع بمشاركته الفاعلة في بناء المجتمع وتوجيه أفراده اتجاهاً سليماً لا إفراط فيه ولا تفريط، فتعلو قيمته على قيمة الذهب والماس، وقد يكون رخيصاً أو سيئاً يدس السم في العسل فيغتر به بعض البسطاء والسذج من المتلقين فيسري إلى عقولهم سريان الدّم في شرايينهم فيتأثرون به وينقادون لبريقه، ويرون سرابه ماءً زلالاً فيضرهم ولا ينفعهم، وتضيع معه آمالهم وطموحاتهم التي كانوا يبنونها على أسسه ومعالمه، وهو مع هذا كله قد يُعرض كما تعرض السلع التجارية وإن اختلفت الأساليب والمناهج، هذه المقدمة والحقائق التي لا جدل فيها بين العارفين، تؤكد وتُقوي وجه الشبه بين طرفي التشبيه: المُشبه: الأفكار، والمشبه به، السلع التجارية، وهذا ما رأيته بأم عيني في صيف هذا العام 1429هـ في مكة المكرمة.

فمن حسن حظي أني سكنت في - برج العطاس - في حي العزيزية الشمالية، وليس حسن الحظ في التعامل الممتاز الذي لقيته من موظفي البرج ونظافته الجيدة فقط، ولكن في قرب مسجد الشيخ عبدالله بن محمد الخليفي إمام وخطيب المسجد الحرام رحمه الله الذي بناه على حسابه الخاص جعله الله في موازين حسناته، وبنى الله له به بيتاً في الجنة.

لقد أودع فيه جزءاً من مكتبته الخاصة في أربعة رفوف حائطية تضم كُتباً قيمة متنوعة أكثرها في الفقه والحديث والتوحيد والتفسير والفتاوى والثقافة الإسلامية، بالإضافة إلى العلوم الأخرى كالتاريخ والأدب والنحو والبلاغة والنقد الأدبي، والذي لفت انتباهي الثمن الباهظ لبعض هذه الكتب التي اشتراها الشيخ رحمه الله في وقته، والتي يشتريها أبناء جيله ولو على حساب قُوتهم أو بعض متطلبات حياتهم الأخرى.

فالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ومنه نسخة في مكتبة المسجد كانت الطبعة الأولى منه باهظة الثمن، ومثلها بعض الكتب في ذاك الوقت ولا سيما المصادر والمراجع، فراتب بعض الموظفين الشهري قد ينفد في قيمة خمسة مراجع أو ستة، وهذه الحقائق قد أثلجت صدري وأدخلت السرور على نفسي من باب أنها تدل على عناية جيل الشيخ بالعلم وموارده، ولكن الذي خيب أملي أني خرجت من مسجد الشيخ بعد صلاة العصر وإذا بسيارتين عند الباب احداهما تحمل بطيخاً وصناديق صغيرة من العنب والتمر، وقد اجتمع الناس عليها كاجتماع الفضوليين على حادث سير، وخلال عشر دقائق لم يبق فيها إلا القليل، مع أن قيمة كل صنف منها عشرة ريالات، ولا ضير في ذلك، ولكن الأسى والحزن ومحل الشاهد من هذا الكلام كله يدور حول السيارة الثانية، كانت مكتبة متنقلة مهيأة لنقل الكتب وعرضها، ذات رفوف حديدية مليئة بالكتب، حتى جوانب السيارة الخارجية قد هيأها صاحبها لصف الكتب عليها برفوف صغيرة وملأها بالكتب التي غطت مؤخرة السيارة، والذي يحزّ في النفس ويندى له عرق الجبين، أن صاحب السيارة ينادي بأعلى صوته: (الكتاب بريال، الكتاب بريال)، ولم يلتفت إليه إلا شيخ كبير اتكأ على عصاه ووقف حائراً مركزاً نظره على الكتب يُقلِّبها بين عنوان وآخر، لم ينبس ببنت شفة، هزّ رأسه ليُعبِّر عما في قرارة نفسه حيال هذا الموقف الذي أثار دهشته، وكأني به يخاطب نفسه أو يلوم واقعه ويتساءل:

ماذا جرى؟!.. ما الفرق بين جيل الشيخ عبدالله الخليفي وبين هذا الجيل؟! وهل مقولة: (العرب أمة لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم) صحيحة أم أنها من تلفيق اليهود وافتراءاتهم؟.

ذهب الشيخ وعلامات الاستفهام تتطاير من عقله مع علامات الأسف والحزن والأسى، انصرف وهو يلتفت إلى السيارة وكأنه لم يصدق ما رأى.

اقتربتُ من السيارة وأنا أقارن بين جيلين بينهما بون وفروق شاسعة واختلاف في كثير من مرافق الحياة، أقارن بين قيمة الكتاب الحالية وتكاليف تأليفه وطبعه ونشره وتخزينه وتوزيعه، بين أشياء كثيرة ذات نتائج متعددة ومختلفة، أشياء لابد أن أتناساها لأن تذكرها والمقارنة بينها لا تسمن ولا تغني من جوع، تقدمت واشتريت بعض الكتب أو الكتيبات كل واحد منها بريال واحد فقط، وكل عشرة كتب أو كتيبات بثمن بطيخة واحدة لا أدري هل هي ناضجة أم لا.

ومن هذه الكتيبات على سبيل المثال:

1 - ماذا يقول الكتاب المقدس عن محمد، لأحمد ديدات.

2 - سبيل الدين أو سبيل اللادينية، لمحمد ناصر، الداعية الإندونيسي.

3 - ردّة ولا أبا بكر لها، لأبي الحسن الندوي.

4 - موقفنا من الحضارة الغربية، لعلي الطنطاوي.

هؤلاء المؤلفون - رحمهم الله - وغيرهم هل كانوا يفكرون بأن عصارة أفكارهم ستعرض بهذه الطريقة وهذه القيمة، لقد كان الناس في زمانهم يقطعون المسافات الطويلة ويمضون الأوقات الثمينة ويصرفون الأموال الطائلة في سبيل هذه الأفكار النيرة والعلوم النافعة، أما اليوم فهذا هو الواقع المرير، والزمان لا يداري أحداً ولا يجاريه، حتى لو غضب المؤلفون والعلماء والقراء، إن كان هذا الواقع يحرك مشاعرهم، وليرهفوا معي أسماعهم لأصداء النداء التي لا زالت حيّة في ذهني (الكتاب بريال، الكتاب بريال) لقد تدنت قيمته المادية وإن كان ذا قيمة معنوية غالية وعالية، مما يدل على أن العيب ليس في الكتاب أو في مادته العلمية ولا في ثقافة الأمة وعلمها وعلمائها بل في بعض المُتلقِّين وإن تعذروا بتقدم التقنية ووصول المعلومة إليهم بطرق متعددة ومتباينة وميسرة، فهذا لا يبرر العزوف عن الكتاب، ولا يقنع المنصفين الذين يبحثون عن الأسباب الجوهرية لهذه الظاهرة.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد