Al Jazirah NewsPaper Sunday  14/09/2008 G Issue 13135
الأحد 14 رمضان 1429   العدد  13135
مشاهد في رمضان
د. أحمد بن صالح بن إبراهيم الطويان

يختلف الناس في أعمالهم في هذا الشهر، فمنهم المحسن، ومنهم السابق في الخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم المقصر، ومنهم الظالم لنفسه.

ولكل من هؤلاء أمثال في الناس، وتلك حكمة الله في خلقه، ولو شاء لهداهم أجمعين.

وحين ننظر إلى تصرفات وأعمال هؤلاء فإننا نجد منها ما يجب أن نفعله ونتمسك به، ومنها ما يجب أن نحذره ونجتنبه.

إنك حين تنظر إلى الناس في وقت السحر، فمنهم النائم المستغرق الذي لا يبالي، لا يصلي الفجر في الجماعة، ومنهم المستغفر

{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }، يأكل لقمة

ليتقوى بها على الصيام، ويتمثل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (تسحروا فإن في السحور بركة)، يرجوا بركة السحور.

ومنهم الغافل المعرض الذي قد شغله الباطل عن الحق، فلم يرضَ لنفسه أن تعيش في رمضان، وبعد ذلك منهم من يتوسد فراشه وينام، ومنهم من ينقل أقدامه للمسجد ينتظر الصلاة وهو في صلاة ما انتظر الصلاة، يصلي الفجر مع الجماعة ليكون في ذمة الله، ومن صلى الفجر مع الجماعة كتب له قيام ليلة.

يتلو آيات القرآن فيتأثر بها ويعيش معها، ومنهم من يجلس بعد الفجر حتى تطلع الشمس ليكتب له أجر عمرة وحجة تامة، ومنهم من ينام ليتقوى على الصيام والعمل فيكون نومه عبادة لله تعالى.

ومن الناس من عكف على كتاب الله؛ لأن شهر رمضان شهر القرآن فتلاه حق تلاوته وتدبره حق تدبره، يختم مرات عديدة.

وجاء ثواب الله تعالى والأجر الموعود بتلاوة كتاب الله له بكل حرف حسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

ومنهم من أعرض عن كتاب الله واتخذ كتاب الله مهجوراً، يعيش مع النغمة والصورة المحرمة والكلمة الآثمة، لم يفتح لقلبه مجالاً أن يتأثر بسماع القرآن وتلاوته، نعوذ بالله من ذلك.

ومن الصائمين من لا يحتمل الصيام، فتسوء الأخلاق، فله من الزور نصيب، ومن سوء المعاملة الحظ الأكبر، يجد في الصيام جوعاً لا تتحمله نفسه فيسوء خلقه، لم يحفظ جوارحه عما حرم الله (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) (فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل).

ومن الصائمين مَن تسمو نفسه فيحس بأحاسيس إخوانه، فتظهر عليه الشفقة والرحمة، فتطمئن نفسه بذكر الله ودعائه واستغفاره وتلاوة القرآن، فيعيش الإيثار والكرم والجود والبذل والإحسان.

يرون في رمضان شهراً للجود والبذل كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم (كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان).

فيسعون على الأرملة والمسكين (والساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وكالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر).

فكيف إذا كان صائماً وساعياً على الأرملة والمسكين.

يفطرون الصائمين بالطعام والشراب، ينفقون أموالهم سراً وعلانية، يرجون تجارة لن تبور {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}

وفي المقابل تجد من يمسك خشية الفقر {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً}

يبخلون على أنفسهم: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء}

ومن الناس من أنعم الله عليه بالمال فأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، سعى لإيصالها إلى أهلها، وإن لم يعلم أحداً أوصى من يثق به لإيصالها حتى تبرأ ذمته بذلك.

لم يدفعه الجشع والطمع إلى منع حق الله في الزكاة، بل سعى لإخراجها ليطيب ماله ويزيد.

وإذا رأيت الناس قبيل الإفطار وقد ظمئت أكبادهم وجاعت بطونهم وهم ينتظرون الإفطار يدعون الله ويسألونه من خيري الدنيا والآخرة، وللصائم دعوة لا ترد، فإذا أذن المؤذن أفطروا استجابة لنداء الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه (لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر) (وأحب العباد إلى الله أعجلهم فطرا).

فأكلوا من رزق الله، فحمدوا الله وشكروه (ابتلت العروق وذهب الظمأ وثبت الأجر إن شاء الله).

ففرحوا بصيامهم وبفطرهم، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه.

ومن الناس من لا يجد ما يفطر به من الطعام، ينتظر إخوانه المسلمين يمدون له يد المساعدة، لا يسأل الناس إلحافاً، تحسبهم أغنياء من التعفف، لا يجدون ما يأكلون ولا ما يدخرون.

فيحرص المسلم إلى تحسس مثل هؤلاء والإحسان إليهم، وإن من الناس من يحمل الرحمة والشفقة على مثل هؤلاء ولكن لا يعلم أين مكانهم، فعليه أن يسأل أو يوصي من يثق به من أهل الخير؛ ليوصل مساعدته إليهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}

وليالي رمضان يختلف الناس فيها؛ فمنهم من يؤم المسجد لصلاة الليل والقيام فيواظب على الصلاة ويقوم مع الإمام حتى ينصرف ليكتب له قيام ليله، ومنهم من يصلي ركعتين أو أربع ثم ينصرف إلى شواغل الدنيا وملهياتها.

ومنهم من لا يذهب، بل يقصر حتى في صلاة العشاء فلا يؤديها جماعة في المسجد لانشغاله بالباطل ومتابعته.

فينعم المؤمنون بالصلاة والقرآن والدعاء والاستغفار ويضل الغافلون فينشغلون بالغفلة والإعراض.

وأما عن السهرات الليلية ومتابعة القنوات الفضائية وما يعرض فيها من كم من الملهيات والفضائح فرواد هذا المجال كثير، أغواهم الشيطان فضلوا وأضلوا وأحيوا ليلهم بذلك.

ومن عباد الله من ينام ليقوم في آخر الليل ليكمل ما بدأه من أول الليل من الصلاة وتلاوة القرآن.

ومن النساء من تجوب الأسواق فتكون مصدر فتنة للرجال وضعفاء النفوس ومن في قلبه مرض فتحصل الفتنة لهن وبهن.

يخرجن متبرجات متعطرات مائلات مميلات في مثل هذه الليالي.

فمَن المسؤول عن ذلك؟ إنه الولي صاحب القوامة من زوج وأب وأخ، يجب أن يؤخذ على يد السفيه ويُؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر.

لماذا يكثر خروج النساء في هذا الشهر إلى الأسواق؟ أكل ذلك استعداداً للعيد؟

إنه والله هو الحرمان أن تقضى ليالي هذا الشهر في الأسواق، أبغض البقاع إلى الله، وإن كان لا بد من خروج المرأة فلتتحين أوقات غفلة الناس عن الأسواق كالعصر والظهر وغير ذلك مع وجود المحرم والستر والحجاب والبُعد عن الزينة والتبرج، ولنحافظ على نسائنا من ذئاب البشر ومن في قلبه مرض ممن يخرجون إلى الأسواق من غير حاجة إلا اصطياد النساء والتعرض لهن، وفتنتهن، فلنحافظ على محارمنا وعلى أولادنا فلا نجعلهم في إيذاء محارم الآخرين والنيل منها.

تلك أيها الإخوة الصائمون نماذج ومشاهد تقع في رمضان، منها ما هو وصف للفائزين، ومنها ما هو وصف للغافلين، فمن أي الفريقين أنت؟!

تلك أمثلة في الواقع الحي يعايشها الجميع ويشاهدها أكثر الناس، فمن كان من المحسنين فليزدد إحساناً، ومن كان من الغافلين فليقبل على ربه.



twoian@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد