Al Jazirah NewsPaper Tuesday  16/09/2008 G Issue 13137
الثلاثاء 16 رمضان 1429   العدد  13137
شيء من
الكتابة والخطابة
محمد عبداللطيف آل الشيخ

العرب في الأصل أمة أمية؛ فهم لا يعرفون الكتابة، ولا يهتمون بتدوين تراثهم إلا من خلال التناقل الشفهي، فينقل الخلف عن السلف الثقافة بمعناها الشامل ويتوارثونها، وهكذا. لذلك كان للشعر والخطابة دور كبير في (حفظ) التراث بشتى أنواعه، نظراً لسهولة حفظ الشعر لنمطه الذي يعتمد على جمله القصيرة (شطر البيت)، والموسيقى المعتمدة على الوزن، والمحسنات الشكلية الأخرى كالقافية مثلاً. هذه القوالب أتاحت للإنسان العربي قبل عصر الكتابة سهولة حفظ الشعر، وتناقله، وبالتالي الاستفادة من تراكم الثقافة وتوارثها بين الأجيال. لذلك قالوا: الشعر ديوان العرب. كما أن الخطباء في السابق كانوا يقتفون أثر الشعراء، فكان السجع -مثلاً- والمحسنات البديعية أدوات تعطي الخطبة سهولة وموسيقى تساعد على (حفظها) وبالتالي بقائها وانتشارها. يقول الدكتور مصطفى البشير القط: (وإذا ما تلمسنا بعض خصائص الخطاب النثري الجاهلي فإننا نجده قوي اللفظ، سطحي الفكرة، ينزع إلى الإنجاز، والموسيقى في الجملة والأسلوب، ويرسل مقطعاً لا يربط بين أفكاره رابط، وهو ما يتناسب مع الثقافة الشفاهية التي تقوم على افتتان المتكلم بحسن ما يقول، وافتتان المستمع بحسن ما يسمع).

وبعد الإسلام انتشرت الكتابة، وأصبحت مرتبطة بالعلم الديني، على اعتبار أنها أداة لحفظ المأثور والتراث، وتناقله بين الأجيال بشكل أكثر انضباطية من الاعتماد على الشفاهية. غير أن الأسلوب الخطابي ظل قوياً ومحافظاً على مكوناته، ومحسناته، رغم الاختلاف الموضوعي بين المتلقي في الحالتين؛ ففي الخطابة يكون المتلقي (مستمعاً)، وفي الكتابة يكون المتلقي (قارئاً)، وهو فرق كبير كالفرق بين السمع والبصر.

وبانتشار العلم، وانحسار الأمية في العصر الحديث، أصبحت الكتابة -لا الخطابة- هي أداة التواصل الثقافي الأولى، والوسيلة العلمية في الوصول إلى المعلومة وتقديمها للآخر. غير أن الأسلوب الخطابي القديم ظل مسيطراً على الأسلوب الكتابي. فالكاتب، وبالذات من يكتبون في الشأن الديني، ما زالوا يكتبون كما كانوا يخطبون، فلا تكاد تجد فرقاً بين قطعة كتابية لواعظ -مثلاً- وبين خطبته حين يخطب. فالمحسنات البلاغية هي هي، ومناطق البدء والوقوف كما كانت قديماً في ثقافة (الخطبة)، وكذلك تكلف السجع والإغراق في المترادفات، والغوص في المحسنات الشكلية التي قد تؤدي إلى ضياع الفكرة، وتشتت ذهن القارئ، والتمادي في الإسهاب غير المبرر، وربما الممل؛ حتى لا تكاد تجد فرقاً جوهرياً في النتيجة بين هذه وتلك، أعني بين الكتابة والخطابة؛ اللهم إلا في (التدوين)؛ فهما شكلان متطابقان في الأسلوب وطريقة العرض، الأمر الذي يسوغ فيه القول إننا رغم التعليم ودخولنا عصر الكتابة، ما زلنا نكتب (خطباً) لا مادة كتابية، تخاطب الآذان لا العيون؛ بمعنى آخر: ما زلنا شفهيين رغم دخولنا عصر الكتابة.

وكلما كانت الشعوب تعتمد على (الكتابة) في تواصلها كلما كانت أقرب إلى المدينة، وكلما اتجهت نحو الشفوية وآدابها كلما ابتعدت عن المدنية واقتربت من البدائية. فالأمية والشفوية صنوان، مثلما أن المدنية والكتابة -أيضاً- صنوان.

وبدخولنا عصر الإنترنت، أو التواصل الإلكتروني، أصبح للأمية التي تفر منها الشعوب المعاصرة فرارها من الأمراض والأوبئة، مفهوماً جديداً. فالذي لا يعرف كيف يتواصل مع الآخرين من خلال التواصل الإلكتروني هو في النتيجة (أمي) بمقاييس العصر. إلى اللقاء.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6816 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد