Al Jazirah NewsPaper Monday  22/09/2008 G Issue 13143
الأثنين 22 رمضان 1429   العدد  13143

العشق الفقير الغني!!!
د. عبدالله بن سعد العبيد

 

هل تم تأصيل وتأريخ الحب في زمان ولت فيه معاني الحب الحقيقي؟ هل أصبحت الحياة مادية إلى حد لم يعد فيها للحب الأصيل من وجود.، وهل أضحت الحياة عبارة عن حفنة من الدراهم تحرك نوازع البشر الفطرية بعد أن كان ما يحرك ثباتها ووثباتها عواصف من العواطف الوجدانية الحقيقية. لوخز بالسيف رأسي في محبتها لطار يهوي سريعاً نحوها رأسي.ما من امرأة اليوم تفضل عاشقاً فقيراً على زوج غني، حيث المال والجاه حتى لو انعدمت قيم الرومانسية وحياة السعادة

. ولو كان ما سبق على حساب الحب الحقيقي الذي تبنى عليه الحياة. حيث لم يعد الحب هو الأساس في الحياة بين اثنين، بين امرأة ورجل. حتى وإن كان عاشقها رجلاً وسيماً وشاباً طموحاً حكيماً وفقيراً فإنها تفضل عليه الرجل المسن الذي عمره ضعف عمرها طالما هو ثري وسيؤمن لها كل ما تحلم به من بيت أنيق الى ملابس وأزياء من مخازن باريس ولندن الى سفر بالدرجة الأولى لتقضي عطلة الصيف في جنيف أو ماربيا أو على شاطئ الريفييرا أو كان أو جزر الكناري، حيث ترى ما لم تكن تراه في حياتها عند أسرتها الفقيرة.

حتى المرأة الغنية تبحث عن الرجل الغني لتزداد غنى على غنى وثراء على ثراء أو على الأقل لتضمن استمرار حياة الغناء، والعكس صحيح عند الرجل.

يقول العاشق الفقير:

وسائلة ما حرفتي قلت حرفتي

مقارعة الأبطال في كل شارق

إذا عرضت خيل لخيل رأيتني

أمام رعيل الخيل أحمي حقائقي

أصبّر نفسي حين لم أر صابراً

على ألم البيض الرقاق البوارق

وترد الغنية :

ألا إنما أبغي جواداً بماله

كريماً محيّاه كثير الصدائق

فتىً همه مذ كان خود خريدة

يعانقها في الليل فوق النمارق

هذه هي لغة العصر، لغة المال والذهب، حتى ولو كانت على حساب القيم والمبادئ والمثل العليا. لم تعد، حتى السينما والروايات والقصص والحكايا تهتم بمفاهيم الرومانسية، صارت فانتازيا تحكي حكايا الغنى والفقر.

ثم نحدق في أيدينا الطرية، ولم يخطر بالبال، أننا ذات يوم سنصبح أكثر تجعداً وأكثر اهتراء وأكثر خوفاً، وأقل اقتناعاً بحكايا الف ليلة وليلة، والأساطير والخرافات.

اليوم، ما من نور يضيء في النفس. ما من شمعة وما من مصباح. لا نلمح سوى البرق يشتعل في الفضاء المعتم ثم ينطفئ بين رمشة العين وحركتها.

فنحن عندما حكّمنا الغنى والفقر، وصلنا إلى حالة من الضياع، جعلتنا نحارب هويتنا المميزة الخالصة المتمثلة ببراءة الحب وعذرية العاطفة، والتي من المفترض أن يكون هدف سعينا نحوها، التحرر من كل مايمنع الوصول إلى أحسن ما فيها, حتى نسعد بحياتنا على أكمل وجه, وأحسن صورة.

فإن تسألوني بالنساء فإنني

بصير بأدواء النساء طبيب

إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله

فليس له في ودهن نصيب.

ما الذي ينجينا من هذا السأم غير الحب.

من ينقذنا من هذا الضياع سوى حضور الوجه الجميل.

من يمد لنا يده لنطفو على سطح الماء غير تلك اليد النبيلة المعطاءة.

انها السيدة، متى جاءت جاء معها كل ما هو عذب، جميل، رقيق.

انها ميلاد الشمس التي لا تغيب وتألق القمر الدائم بين النجوم.

هي الحسناء متى ما ضحكت صدحت الموسيقى.

بيضاء فيها إذا استقبلتها دعج كأنها فضة قد شابها ذهب.

هي جنة وشجرة وعنقود عنب وباقة ورد وسلة تفاح.

ما أجمل هذه السيدة وليست ككل النساء.

إنها نبض القلب وحصاد الدم، ووردة تصعد من الجليد إلى أعلى من جمود الماء.

قد تكون هي الصمت لحظة، وقد تكون هي النداء برهة.

قد تكون هي الربيع الذي لا ينجلي فصلاً بعد فصل وقد تكون الشتاء حين يطول الصيف.

قد تكون نخلة وسنبلة. وقد تكون هي النجمة في السماء.

هكذا هي البحر وأنا نهر من الأشواق يصب فيه والبحر ليس بملآن.

هكذا أنا:

حنين ذكريات وأشواق.. و. و.. وانتظار.

أين هي هذه السيدة، في أي زمن، من أي عصر جاءت؟

من قبل التاريخ أم من بدء الحياة؟

لا أحد يعرف ولا هي تعرف، لكن في النظرة الاولى، أدرك كما يدرك غيري أنها امرأة مختلفة، وجهها الأليف غير كل الوجوه. صوتها غير كل الأصوات، حضورها غير كل حضور.

لا يمكن أبداً أن تكون هذه السيدة مثل كل النساء.

لا يمكن أن نسميها اسم انثى ولا اسم شجرة ولا وردة ولا كل النجوم

كيف نختلق لها اسماً مختلفاً؟

لتكن امرأة بلا اسم، إذا عبرت بنا عرفنا أنها المرأة التي لا تحمل اسماً. إنها المرأة التي إذا مرت سبقها عطرها، إذا مرت صمت الكون كي نسمع وقع خطواتها. إنها المرأة إذا تحدثت كانت لغتها كل اللغات، وإذا أنشدت كان شعرها كل الشعر، وإذا رفعت يد الوداع تنكست كل الأعلام وأرخى الجنود سيوفهم الى الأرض.

وإذا أقبلت أقبلت معها الفراشات والعصافير، ونهض الربيع من سباته الطويل.

امرأة ليست لها أوصاف. لا هي سمراء ولا شقراء ولا بيضاء. إنها الألوان الثلاثة تتجسد في وجهها الجميل، في بريق عينيها، ورجفة شفتيها وحركة الظلال على رموشها.

امرأة لا تُصّور ولا تُرسم ولا تُكتب.

إذا أتت أتت معها كل الحياة، وإذا ذهبت ذهبت معها كل الحياة، ولا يبقى من بعدها إلا الحزن، إلا الانكفاء والسكون.

لكنها... تلك المرأة، وفي زمن المال، ليس لها وجود.

dr.aobaid@gmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد