Al Jazirah NewsPaper Monday  29/09/2008 G Issue 13150
الأثنين 29 رمضان 1429   العدد  13150
يارا
الدراما والمجتمع
عبد الله بن بخيت

إذا تأملنا في الشخصيات الدرامية السعودية المتاحة في الأعمال الشهيرة سنرى أن معظمها مأخوذ من الماضي. شخصيات لم تعد موجودة بشكل كبير على الواقع. شخصية مناحي وشخصية مفرح وشخصية سليم وشخصية كريم وشخصية الشايب.. إلخ. لا يوفر الواقع الاجتماعي المعاش مثل هذه الشخصيات ولا أظن أن الجيل الصغير من أبناء المجتمع السعودي يعرف بوضوح هذه الشخصيات. الشخصيات الدرامية ليست مجرد شخصيات مختلفة معزولة يمكن أن نضحك عليها أو أن نستمتع بها بمعزل عن البعد الثقافي، وفي نفس الوقت نجاح هذه الشخصيات غير مرهون غالباً بالثقافة الحميمية المشتركة. يمكن أن نتفاعل ونحب شخصيات غريبة عنا إذا لم تكن تلك الشخصيات مغرقة في محلياتها وتعتمد على الإحالة المستمرة على المشترك. أقصد أن هناك نكتاً وكركترات لا يمكن أن يفهم دلالاتها و(ذباتها) سوى أهل البيئة التي نشأت فيها، لكن في الوقت نفسه يمكن أن نحب شخصيات كثيرة غريبة إذا اعتمدت هذه الشخصيات على البعد الإنساني الشامل. ما أريد أن أصل إليه أن شخصيات الدراما السعودية بعيدة عن الواقع المعاش ولا تمثل الجيل الجديد كثيراً. لكن لماذا يحدث هذا؟

يعاني كثير من المثقفين والفنانين السعوديين من حنين كاوٍ لأيام السبعينات والستينات من القرن الماضي حتى الجيل اللاحق الذي لمس تلك الفترة ولم يعشها بوضوح بسبب العمر يلاحظ أنه يعاني من ذات الحنين. هذه الفترة ما زالت تشكل عقدة عاطفية عند كثير منا. ربما يعود السبب إلى أن تلك الفترة ألغيت ودمرت بطريقة لا تليق بمحتواه الإنساني ولا بكمية الحراك الثقافي الذي حدث فيها. تمثل تلك الفترة على الأقل من وجهة نظر ثقافية أهم فترة انتقل فيها المجتمع السعودي من حالة ثقافية وحضارية إلى حالة أخرى؛ فهي الفترة السعودية التي واجه فيها الناس التغير الحقيقي والتعرف الجاد على ثقافة ومقتنيات العصر الحديث؛ الأمر الذي ولد كثيراً من التناقضات التي تولد منها عدد كبير من الشخصيات الكاريكاتيرية. إذا قارنا ما حدث في الستينات والسبعينات بما يحدث الآن سنرى أن الفرق في الاتصال بالعالم الجديد فرق جوهري إذا عرفنا المسافة الثقافية بين الصدمة وبين الدهشة. في الستينات دخل التلفزيون حياة الناس كظاهرة جديدة دمرت أساساً معرفياً إنسانياً كبيراً. لك أن تتخيل إنساناً يرى إنساناً آخر يتحرك ويتحدث ويرقص ويغني في داخل صندوق في داخل بيته. هذه الصدمة لا يمكن أن يفهمها أو يستوعب خطورتها الجيل الجديد؛ فالجيل الجديد يواجه في لحظتنا الراهنة مجموعة متلاحقة من التغيرات المذهلة، ولكنها ليست صدمة بقدر ما هي دهشة. لم تدمر سياقاً معرفياً عاش عليه آلاف السنين (بل منذ أن خلقت البشرية).

الجيل الجديد ولد على فكرة وجود هذا الصندوق في منزله. جزء من وجوده اليومي. ما يجري من تغيرات على هذا الصندوق هو تنويع وتعميق وتسهيل وتكثيف لحضور هذا الصندوق؛ فالأساس المعرفي بهذا الصندوق موجود أصلاً.

وهكذا بالنسبة للتلفون والثلاجة والغسالة والطائرة.. إلخ. كل هذه القوة التقنية التي غيرت وجه الوجود الفلسفي والفكري للإنسانية دخلت على المجتمع السعودي في فترة الستينات تقريباً وخضت وجوده.

نكمل في بعد غدٍ.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6406 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد