الله خلق الإنسان في أحسن تقويم وصوره فأحسن خلقه، ووهبه العقل والتمييز والتفكير وأنعم عليه بالإرادة والمشيئة والاختيار، ليميز بين الخبيث والطيب والحق والباطل والنافع والضار وليختار ما ينفعه ويجمله ويتجنب ما يضره ويشينه، ومن الأمراض التي يصاب بها الإنسان ذوبان الشخصية والتبعية للآخرين، والانسياق وراء الغير دون تفكير وتمييز، ولسان حاله يقول رأيت الناس يقولون شيئا فقلته ويفعلون شيئا ففعلته، همُّه أن يكون مثل الآخرين فيقلدهم ويحاكيهم ويتشبه بهم لا يردعه شرع ولا عقل ولا خلق ولا حياء، اهتمامه أن يسابق الآخرين فيما يعملونه دون بصيرة ولا روية ولا تعقل ولا تثبت.
ولقد عمت في مجتمعاتنا تلك الصفة وانتشرت، بل صار من يخالفها هو الشاذ، ولم يقف الحد عند المظاهر والشكليات في المراكب والمساكن والملابس، بل تعدى الأمر إلى ما يؤثر على النفوس والعقول ويخدش الخلق وينقص الدين، بل مجال التجارة والكسب.
بل تجد أن الكثير من الناس يسيره في تصرفاته وأفعاله أحاديث المجالس ومواقع الشبكات العالمية والقنوات الفضائية، فبنى فكره وعقله على تفكير غيره، ويفكر بعقول الآخرين، فسرعان ما يتأثر ويتابع ويطبق.
بل تجد البعض منهم وبخاصة الشباب والنساء يندفع إلى تصرفات الغير ويقلدهم بها دون أي تفكير وتميز ولو سألت عن السبب لما وجدت جوابا.
بل إن البعض لو ناقشته أو نصحته عن أفعاله لاستدل بكثرة الناس وعملهم لما يعمل وما علم قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ}. حتى صار الكثير من هؤلاء دمى توجه بعقول غيرها وتسير بتفكيرات غيرها، وتتصرف محاكاة للآخرين وتقليداً لهم.
وحين نبحث عن أسباب ذلك المرض نجد أن من الأسباب الجهل وقلة العلم؛ فالجاهل عدو نفسه، فلا يبصر بعينه ولا يتكلم بلسانه، والجهل بدين الله وشريعة الإسلام ومقاصدها.
ومن الأسباب الهوى واتباعه؛ فإن الكثير يعمل تلك الأعمال اتباعا لهواه وشهواته.
فالهوى سبب للضلالة. قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}.
وقال صلى الله عليه وسلم (إن ما أخشى عليكم بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء) أخرجه أحمد وهو صحيح.
ومن الأسباب التربية الخاطئة في إلغاء الذات والتربية على التبعية وتقمص الشخصية. ومن الأسباب لهذا المرض الإحساس بنقصان الذات والشعور بالانهزامية النفسية فيولد ذلك عدم الثقة بالنفس، وعدم الاعتزاز بها. ومن الأسباب حب الظهور والمظاهر والشكليات التي جعلت الكثير يجاري فيها ويتسابق إليها ليكون مثل الآخرين.
ومن الأسباب غياب القدوة الصالحة والأسوة الحسنة وغياب الدور الفاعل لأهل العلم والدعوة مما أنتج فراغا استغل؛ فالناس كأسراب القطا فطروا على التقليد والمحاكاة، فإن لم تكن في الحق كانت في ذوبان الشخصية والتبعية.
ومن هنا نعلم أن القدوة الصالحة لها أهميتها الكبرى في الإسلام؛ لأن القدوة لم تكن قدوة إلا إنها تمثلت الإسلام بشريعته وأخلاقه وآدابه، فالقدوة العظمى محمد - صلى الله عليه وسلم- ثم من سار على نهجه واقتفى أثره، وأمر الله نبيه بالاقتداء بالأنبياء فقال (فبهداهم اقتده).
ووصف الله المؤمنين بقوله {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}. فالناس بحاجة إلى قدوة في كل جميع المجالات؛ فالحذر من الانسياق وراء الآخرين.
قال ابن مسعود (لا يقلدن أحدكم دينه رجلا فإن آمن آمن وإن كفر كفر، وإن كنتم لمقتدين فاقتدوا بالميت فإن الحي لا يؤمن عليه الفتنة).
وقال: (لا يكونن أحدكم إمعة. قالوا ما الإمعة يا أبا عبدالرحمن؟ قال: تقول إنما أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطئن أحدكم نفسه إلا إِنْ كفر الناس لا يكفر).
وفي الأثر: (لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسن، وإن أساءوا أساء، بل إذا أحسنوا فليحسن وإن أساءوا فليجتنب إساءتهم).
ويشتد الأمر خطورة إذا كان التقليد والتبعية لغير المسلمين، فإن ذلك خطر على العقيدة والدين والأخلاق، وإن الغالب في المقلدين التقليد في الفساد والإفساد لا في الإبداع والإنجاز فيما لا يعارض دين الإسلام.
ولقد حذر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بقوله (من تشبه بقوم فهو منهم)د .
وقال (ليس منا من تشبه بغيرنا)د . وقال -صلى الله عليه وسلم- (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع) خ.
ولعلاج تلك الظاهرة، وذلك المرض الذي تفشى بيننا، فعلى المسلم السعي للأخذ بأسباب العلاج، ويتميز بشخصيته عن الآخرين، وليكن مقتديا بالأنبياء والصالحين.
فمن أسباب العلاج:
1- تقوى الله عز وجل: وتقوى الله تجعل المسلم يفرق بين الحق والباطل والنافع والضار. قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} فيجعل الله لأهل الإيمان والتقوى فرقانا يميزون به.
2- التربية الصحيحة:
والتربية الصحيحة تكون على تعزيز الشخصية واستقلالها وغرس الإيمان في القلب والثقة بالنفس، وإبداء الرأي واحترام الرأي الآخر والاستشارة، وعدم تهميش الشخصية.
وإن من الآباء والمربين من يريد تساوي أبنائه في صفاتهم وآرائهم وشخصياتهم مما يلغي خصائصهم ومواهبهم وقدراتهم.
ومن التربية النظرة الصحيحة للحياة، والنجاح والفشل وعدم ربط الحياة بالماديات والشكليات والمظاهر.
ومن التربية التربية على الخلق الحسن والحياء والفضيلة.
3- العلم:
فالعلم نور وهدى وبصيرة يقود المسلم إلى الاعتزاز بنفسه وبدينه وعقيدته، ويبني في نفسه الثقة والكمال.
ومما قصه النبي -صلى الله عليه وسلم- ما رواه البخاري عن أبي هريرة، قال -صلى الله عليه وسلم (بينما امرأة ترضع ابنها إذ مرَّ بها راكب وهي ترضعه، فقالت: اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا، فقال - أي الغلام - اللهم لا تجعلني مثله، ثم رجع في الثدي، ومرَّ بامرأة تُجر ويلعب بها، فقالت اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقال اللهم اجعلني مثلها، فقال أما الراكب فإنه كافر، وأما المرأة فإنهم يقولون لها تزني وتقول حسبي الله، ويقولون تسرق وتقول حسبي الله.
وفي رواية (الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون سرقت زنيت).
إن ذوبان الشخصية والانسياق خلف الآخرين داء تمكن في قلوب الكثير يحتاج إلى إعادة نظر وعلاج يقتلع ما في النفوس وما ترسب فيها خلال عقود.
twoian@hotmail.com