Al Jazirah NewsPaper Thursday  16/10/2008 G Issue 13167
الخميس 17 شوال 1429   العدد  13167
تصادم مع السنة فكرياً.. والشيعة سياسياً.. والليبرالية علمياً.. رضوان السيد لـ«الجزيرة»:
المؤسسة الدينية هي أول من يجب إصلاحه والعلماء يحتاجون إلى تربية ومعارف جديدة

حوار - فهد الغريري:

يتقاطع بشكل عميق مع تيارين متضادين في العالم العربي: التيار الديني بوصفه أحد خريجي كلية أصول الدين في الأزهر وأستاذاً دائماً وزائراً للدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية وعدد من الجامعات الغربية. كما يتقاطع مع التيار الليبرالي بوصفه أحد دعاة التجديد والحداثة تماشياً مع متغيرات العصر، بدءاً من التجديد في مجال تخصصه: الفكر الإسلامي.

الدكتور رضوان السيد الذي درس الاستشراق في ألمانيا ونال درجة الدكتوراه هناك، استغرق مؤخراً في الكتابة حول الشأن السياسي بسبب (إلحاح المشكلات علينا في لبنان) حسب تعبيره، الأمر الذي أدخله في خلافات ذات طابع سياسي، خصوصاً مع أتباع (حزب الله) والموالين له بحكم ظهوره الإعلامي المناهض لممارسات الحزب ومن ورائه سوريا في الداخل اللبناني، إضافة إلى تواجده (وهو السنّي المذهب) على مسرح السياسة اللبنانية إلى جانب الموالاة بوصفه مستشاراً للنائب سعد الحريري ومن قبله والده الراحل رفيق الحريري.

لكنه مع ذلك يؤكد أن اهتمامه لا زال منصباً على تجديد الفكر الإسلامي فهو يرى أن سبب الأزمة والصراعات التي يعيشها العالم العربي وخصوصاً فيما يتعلق بعلاقته مع الغرب والعالم: (ليس ديننا بل دنيانا) كما يقول في هذا الحوار مع (الجزيرة)، وأن المشكلة ليست في النص القرآني بل في بعض الآليات القديمة التي نستخدمها لقراءة هذا النص والتي لا تتوافق مع معطيات العصر الحديث، وبهذا الفكر ينطلق السيد إلى نتائج أكثر شمولية باتجاه تجديد تفسير القرآن الكريم وأيضاً أصول الفقه، بالإضافة إلى تقنين الشريعة، وهي المسائل التي يخالفه فيها كثير من المتشددين في التيار السلفي وخصوصاً عندما يتطرق الحديث إلى إصلاح المؤسسة الدينية. في ذات الوقت فإن ضيفنا يرفض ويقارع أي طرحٍ ليبرالي متجنٍ على الإسلام دون منهجية علمية.. فإلى التفاصيل:

* ما سبب توجه الدكتور رضوان السيد للكتابة السياسية بشكل أكثر من الفكر الإسلامي الذي هو تخصصه الأساسي؟

- هو لا يزال موضوعي المحبب ولكن كتاباتي في الصحف اتجهت للسياسة بسبب إلحاح المشكلات علينا في لبنان ولذلك وجدت من الضروري الاتجاه للكتابة السياسية المباشرة، ولكني لا زلت أرى أن مهمتي في هذه الدنيا وفيما بقي لي من العمر مخصصة ومستوعبة في مجال تجديد الفكر الإسلامي، وقد أضفت لذلك أن عندي هم في العودة للمرحلة الكلاسيكية أيضاً إلى جانب كتاب سيصدر لي الآن عنوانه (قضايا الزمن العربي الحاضر) أطبع عدة مخطوطات تحقيقاً كما أنني أعد لإصدار أربعة أجزاء من (تاريخ أهل السنة والجماعة) الذي كتبته وهو في طريقه للنشر، فشغلي على التاريخ المفهومي القديم وعلى التاريخ الثقافي والفكري القديم، وعلى تجديد الفكر الإسلامي في الأزمنة الحديثة.

* على ذكر السياسة، ما رؤيتك للصراع الذي استجد على خارطة الصراعات اللبنانية الداخلية وهو ما يحدث بين السنة والعلويين في طرابلس؟

هي مسألة قديمة لها حوالي 30 سنة، وقد أحدثها السوريون أنفسهم وهم أهل جبل محسن وهو حي من أحياء طرابلس وسكانه أكثرهم من العلويين ذوي الأصول السورية وأكثرهم كانوا جنودا في الجيش السوري ولذلك علاقتهم وثيقة بالأجهزة السورية، ومنذ دخولها إلى لبنان استخدمتهم، وما يزال لها نفوذ بينهم.

كنا نخسر مئات القتلى، وفي هذه المرة خسرنا 50 أو 60 قتيلاً فقط، المدينة 300 ألف نسمة و90% منهم سنة ولو كان فيها سلاح فكيف يستطيع 500 مسلح من جبل محسن أن يرعبوها طوال 30 عاما، المدينة ليس فيها سلاح والآن يجمعون سلاحا بطرق فردية.

فهذا مظهر من مظاهر استمرار التدخل السوري في لبنان بنشر الاضطراب، كانوا يقومون باغتيالات وهجمات سياسة، وفي المدة الأخيرة عادوا فحركوا هذا الصراع القديم العلوي السني.

أنا أظن أن الأمر انتهى، ليس فقط للمبادرة التي قام بها النائب سعد الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، بل ولأن سوريا الآن عليها ضغوط شديدة من العرب الكبار ومن المجتمع الدولي لتغيير سلوكها كي لا تؤذي الناس في لبنان أو العراق وفلسطين، وأن تكون لها علاقات حسنة بجيرانها العرب، وهي قدمت ضمانات بذلك ولكن ذلك لا يعني عدم إرادتها دائما التدخل ولو بالتأثير مثلما قال الرئيس الأسد أنه قال لرئيس الجمهورية اللبنانية أن يفعل كذا ويترك كذا قبل أسبوعين. ولكن ينبغي أن يتعود النظام السوري على أن هناك نظاما ودولة مستقلة في لبنان وأنه ينبغي التعامل مع هذه الدولة وليس مع عصابات مسلحة أو جهات سياسة بطريقة سرية.

من ناحية إثارة الاضطراب في لبنان أظن أن المشاركة السورية فيه تتراجع، إنما تبقى لنا مشكلات كبرى مع سوريا: مشكلة ترسيم الحدود، مزارع شبعا، المفقودين اللبنانيين، معسكرات المسلحين الفلسطينيين التي وضعتها سوريا على الحدود وأحيانا في الداخل اللبناني. عندنا مشكلات كثيرة مع سوريا متخلفة من عهد الوصاية الذي كان، لكن فيما يتعلق بالاضطراب في طرابلس بالذات أظن أنهم سيكفون عن استخدامه، هم كانوا يستخدمونه للضغط على السعودية لتعود فتتصل بهم لأنها تقاطع سوريا على خلفية الأحداث اللبنانية وأمور أخرى.

تاريخ الفكر السياسي الإسلامي

* ماذا حدث لمشروعك الضخم لإنتاج كتاب شامل عن تاريخ الفكر السياسي الإسلامي؟

- كتبت سبعة أو ثمانية فصول تقريباً، وجهة نظري أن تاريخ الفكر السياسي الإسلامي لا يكتب لأنه تنقصنا الكثير من الوثائق، هناك كتب كثيرة في هذا الموضوع وكلها تكرر، تأتي بفصل عن ابن تيمية وابن خلدون والفارابي وينتهي الأمر عند هذا الحد. وفي رأيي صنفت الفكر السياسي الإسلامي إلى خمس تيارات: الخلافة والأحكام السلطانية، كتّاب الديوان، كتّاب مرايا الأمراء، الفقهاء، وتيار المتكلمين.

هذه الاتجاهات الخمسة تشكل كل تيارات الفكر السياسي الإسلامي، فكل عنده رؤيته للدولة الإسلامية ومشروعها، ولا نجد وثائق حقيقية إلا لمدرسة واحدة وهي مدرسة مرايا الأمراء أو نصائح الملوك، وفيما عدا ذلك: مدرسة الفقهاء والأحكام السطانية لا يوجد فيها إلا كتابين أو ثلاثة فقط، مع أن الخلافة مؤسسة قائمة ويفترض أن يوجد مئات الكتب في نظرية الخلافة، المخطوطات ضائع أكثرها، والموجود منها تم طبعه. أما المتكلمون فيضعون فصلا في آخر كتبهم اسمه فصل الإمامة عن الخلفاء الأربعة، يردون فيه عادة على الشيعة وعن ترتيب الصحابة في الفضل والخلافة وكيف انقلبت الخلافة ملكا وما شابه ذلك، وبطريقة موجزة باعتبار أن السنة لا يعتبرون السياسة شأنا عقائديا كما يعتبره الشيعة الذين عندهم كتب كثيرة عن الإمامة.

* ذكرت في مقال لك أنه تم العثور على مخطوطات بالعبرية تحوي ترجمة للكثير من كتب المتكلمين، ألا تعتبر هذه وثائق جديرة بالاهتمام؟

- يبدو أنه منذ القرن الثامن أو التاسع للميلاد، الثاني والثالث للهجرة، صار علم الكلام عند اليهود عالة على علم الكلام عند المسلمين، واليهود تياران فكريان كبيران: تيار الربانيين، وتيار القرائين. فتيار القرائين كان يشبه تيار المعتزلين بينما يشبه تيار الربانيين التيار الأكثري مثل أهل السنة حيث أخذوا الكثير عن الغزالي وعلماء الكلام السنيين مع تأثر ببعض مقولات المعتزلة في قضية القضاء والقدر وقضية أخلاق العباد، أما تيار القرائين فكان معتزليا خالصا، وكلهم في الأصل يتبعون مدرسة واحدة وهي مدرسة أبي علي وابنه أبي هاشم والقاضي عبدالجبار، ثم حدث انشقاق منهم فاتبع أناس منهم معتزلي آخر هو أبو الحسين البصري.

وقد وجدنا نصوصا معتزلية كثيرة مترجمة إلى العبرية في مكتبة بطرسبرج، ويبنون عليها كل لاهوتهم، ففيما عدا القول بنبوة النبي محمد عليه السلام أخذوا كل العقائد الإسلامية واعتبروها جزءاً من الدين اليهودي وبالذات في الأدلة على وجود الله والنبوات وغيرها.

* وهل يتشابه موقف تيار الربانيين اليهودي ضد هؤلاء مع تيار السنة والجماعة في الدين الإسلامي حين يكفر بعضهم المعتزلة؟

- دون تكفير، اليهود الذين أخذوا بالرأي السني ردوا على الذين أخذوا بالرأي المعتزلي بنفس الرد الموجود في الفكر الإسلامي، فهم بذلك نسخوا التجربة الإسلامية حيث يوجد منهم سنة ومعتزلة وشيعة أيضا، لا يوجد أي واحد منهم مستقل بفكر خاص، أضف إلى ذلك أنهم لا يخجلون من ذلك، تجد اليهودي يرد على مخالفه فيقول: قال القاضي عبدالجبار رحمه الله، فيرد عليه الآخر لاعناً عبدالجبار ومدافعاً عن أبي الحسين البصري بكل حماس.

ونحن استفدنا معرفة في التاريخ الفكري كم كان الأثر الإسلامي كبيرا على اليهود واللاهوت المسيحي أيضا، واستفدنا أيضا أننا وجدنا نصوصا معتزلية كانت ضائعة وقد أفادتني كثيرا في بحثي عن الفكر السياسي الإسلامي وتحديدا فيما يخص المتكلمين المعتزلة بعد القرن الرابع لأن كتب أهل السنة كلها موجودة.

الاجتهاد بين السنة والشيعة

* ما الفارق بين نظرة الفكر السني في مسألة (الاجتهاد) مقارنة بالفكر الشيعي، وهل صحيح أن الأخير يتميز في هذه النقطة؟

- الشيعة يقولون أنه لا يجوز تقليد إلا المجتهد الحي ولذلك فالاجتهاد عندهم مستمر، نحن المسلمين السنة نجيز تقليد الأموات، والاجتهاد قائم عندنا وضروري ولا يجوز التقليد في علم الكلام مثلا، بل لابد أن تكون مقتنعا، أما في العبادات والمسائل مثل المعاملات يجوز التقليد فيها وكل واحد يستطيع أن يفكر ويجتهد بل ينبغي له ذلك، إنما نحن نجيز تقليد الفقهاء الموتى مثل الأئمة الأربعة في العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصوم. الشيعة لا يجيزون ذلك ويقولون: عندما يموت الفقيه يسقط مذهبه ولابد أن يأتي فقيه جديد يقلده الناس حتى في الصلاة، ولذلك انتشرت للشيعة سمعة أنهم يفتحون باب الاجتهاد والسنة يغلقونه وهذا غير صحيح.

* ولذلك ثار الشيعة على العلامة شمس الدين لما قال بجواز تقليد الأموات؟

- وكذلك فضل الله الآن يقول بذلك، من غير الممكن أن يغير الفرد صلاته مع كل فقيه جديد، فالصلاة معروفة ولا يمكن التغيير فيها، فقالوا من المنطق أن العبادات يجوز فيها تقليد الجعفر الصادق أو الإمام الخوئي بعد وفاته، ويكون الاجتهاد في كل شيء آخر من معاملات ومسائل فكرية وغيرها.

هم أكثر حرية منا في جهة ونحن أكثر حرية منهم في جهة، هم أكثر حرية منا في مسألة أنه لابد أن يستمر الاجتهاد في الدين وأن يقلد الناس مجتهدا، فهم يتميزون بضرورة الاجتهاد، أما نحن فجواز الاجتهاد، ولكن نحن لا نرى ضرورة تقليد أحد، فالشيعي عليه أن يقلد فقيها أما السني فيقلد نفسه.

تجديد أصول الفقه

* هذا يعني أنه من الممكن بل من المطلوب تجديد أصول الفقه كما قال أبو يعرب المرزوقي؟

- أصول الفقه يقوم على علم المنطق: الأقيسة والقضايا وما شابه، والمنطق جزء من الفيزياء الأرسطية: الجوهر والعرض والحادث والقديم وغيرها، كل هذه المعاني زالت فعندنا أدوات لقراءة النص مستندة إلى صورة معينة للعالم وتركيب معين للعالم وقد انتهى ذلك كله، الأدوات والوسائل التي نستخدمها لقراءة النص - القرآن قديمة، وهذه الأدوات ليست مستنبطة من القرآن بل من العلم الذي كان موجودا: الفيزيائي الطبيعي والثقافي: اليوناني والروماني من فلسفة وعلوم لغة وغيرها، الآن تغيرت صورة العالم وأفكاره وكلماته وفلسفته اللغوية فظهر ما يسمى الألسنية والبنيوية غيرها مما ينعكس بالضرورة على أصول الفقه لأن أصول الفقه ثلثه اسمه (مباحث الألفاظ) وهذه مختلفة تماما بين تأمل علماء اللغة قديما والآن في ضوء الألسنية حيث نستطيع أن نفهم المعاني الثواني للكلمات أكثر وأن نخدم الشريعة أكثر فهما واجتهاداً إذا أتقنا العلوم الحديثة وحاولنا أن نصلح بها علومنا التقليدية التي نقرأ بها القرآن، فلذلك أنا مع دعوة تجديد أصول الفقه ولكن ليس مع كل ما قاله أبو يعرب المرزوقي بهذا الخصوص.

قراءة جديدة للقرآن

* ألا يستوجب ذلك الخروج بتفسير جديد للقرآن وفق هذه النظرة؟

- طبعاً وفي كل زمن وكل حقبة، لأن هذا النص لا يتناهى وهو صالح لكل زمان ومكان، وما كتبه محمد عبده في تفسير المنار كان مهما في وقته، الآن لدينا زمن جديد لابد أن تظهر فيه قراءة جديدة للقرآن.

* ما رأيك في محاولة محمد شحرور بهذا الخصوص عبر كتابه (الكتاب والقرآن)؟

- محمد شحرور يستخدم الألسنية والبنيوية، ولكن في رأيي أن منهجه لم يقدم شيئا مفيدا لقراءة القرآن، فطريقته في استخدامها لم تؤدي الوظيفة التي أرى أنها تجديدية، وأرى أن ما كتبه يمكن أن يعتبر من باب الطرائف أكثر مما يمكن اعتباره بحثا علميا جادا له مقدمة وله خاتمة واستنتاج ويمكن تقليده أو اتباعه. فهو يقول بمعانٍ لا تدل عليها اللغة، ولديه آراء معينة يفرضها بعيدا عن بقية التأويلات المحتملة لهذه الكلمة، وأنا أفضل ما فعله محمد عابد الجابري في تفسيره الجديد مع أنه يلجأ للآليات التقليدية، وكلامي هذا لا يعني أن كل الآليات التقليدية خاطئة بالطبع بل أغلبها صحيح ومطلوب.

* أعلنت تراجعك عن رأيك المخالف لمنهج أبو زيد، حيث ذكرت أنك أعدت النظر والتأمل في كتاباته ورأيت أنه صاحب منهج جيد ومفيد، هل من الممكن تسليط الضوء على حيثيات هذا التراجع: لماذا كنت ترفض منهج أبو زيد في السابق، وما هو رأيك الجديد فيه؟

- عندما انتقدت الدكتور نصر حامد أبو زيد ما كان ذلك لمنهجه في قراءة النص القرآني، بل للنضالية التي سيطرت عليه في خصومته مع الإسلاميين. ولا شك أن الإسلاميين هم الذين اعتدوا عليه، وقصة الشكوى والحكم عليه بالطلاق من زوجته معروفة ومشهورة. وقد اضطر كما هو معروف للخروج من مصر إلى هولندا. وأقصد بالنضالية الرؤى الثورية المتعلقة بفهم بعض الآيات والسور القرآنية، والتي ما اعتمد فيها على القراءة الأدبية أو الأسلوبية أو حتى التاريخية للنص. وإنما كانت اندفاعة أيديولوجية. أما منهجه فأرى أنه الأصلح والآصل من بين ما كتبه الليبراليون المعاصرون. وهو يمزج فيه بين فقه اللغة والألسنية، ويقول بأدبية النص، وبأسباب النزول. وهو لهذه الجهة قدم الكثير بدأب وصبر ومراجعة وتفحص.

* هذه القيمة التي تحليت بها (المراجعة) تكاد لا تظهر في أوساطنا الثقافية والفكرية، لماذا؟

- المراجعة ضرورية، ولا فضل لي فيها. فنحن نواجه مشكلات كبرى طوال العقود الثلاثة الأخيرة فيما يتعلق بالقراءات الجديدة للنص القرآني، وهي في الأغلب الأعم قراءات مشرذمة أو متجنية. ولذا فإن إعادة النظر في أعمال بروفيسور أبو زيد ضروري باعتباره ما تخلى عن منهجه البنّاء رغم الأجواء الغربية الضاغطة ذات الدعاوى التاريخية الضخمة فيما يتعلق بالنص القرآني. فأبو زيد من بين أقرانه في العوالم الأكاديمية ما يزال ينظر إلى النص باعتبار وحدة واحدة، ويدرس أساليبه الكاشفة عن علائق فريدة بين الشكل ورؤية العالم أو مضامين الخطاب.

* ما رأيك في كتابات (علي حرب) الناقدة لمشروعات مراجعة ونقد الفكر الإسلامي التي قدمها عدد من المفكرين مثل الجابري وأبو زيد وغيرهم، حيث ينتقد منهجيتهم دون أن يعطي بديلا من عنده؟ أم أنك تؤيد القول بأهمية طرح الأسئلة حتى لو لم يكن هناك أجوبة؟

- الصديق المفكر علي حرب من البارزين في نقد الأيديولوجيات والدوغمائيات. وما قرأت له شيئا عن منهج أبو زيد في تأويل النص الإلهي. وعلى أي حال فأنا كما قلت مع منهج أبو زيد كما تجلى في (مفهوم النص) وكتب ومقالات أخرى.

تقنين الفقه

* تحدثت في مقالاتك عن تقنين الفقه، هل هناك معارضة شرعية لهذه الفكرة؟

- تقنين الفقه هو تحويل مذهب من المذاهب أو بالاختيار بين كل المذاهب وتحديد مواد قانونية مثل كتاب البيوع أو المعاملات أو العقود، وقد جرب كثيرا ونجح منذ أيام العثمانيين حيث في مجلة الأحكام العثمانية وضعوا جزءا كبيرا من الفقه الحنفي في مواد قانونية وتم تطبيقه، ولا أحد يعارضه علمياً ولكن من المضني أن تحاول تقنين فقه مذهب كامل بكل ما يوجد فيه من اختلافات بين القدماء والجدد في نفس المذهب.

* صنفت الخطاب الدعوي في أحد مقالاتك إلى ثلاث تيارات: جهادي يدعو للمقاومة المسلحة، أو انعزالي يدعو للاهتمام بالذات وإصلاحها، أو دعوي يحاول إغراء الناس عبر التسهيل والتخفيف عليهم في أمور دينهم، لكنك رجحت ظهور الجهادي على التيارين الآخرين فلماذا؟

- الفكر الإسلامي الحديث فيه نظرة سوداوية، حتى الذين يقولون بتقريب الإسلام إلى الناس وأكثرهم من الدعاة الذين يخرجون عبر شاشات التلفزيون، هؤلاء يعتقدون أن الإسلام غادر المجتمع وهم يريدون إعادته.

وقد قلت بأن هذه النظرة لا مبرر لها، ديننا بخير، دنيانا هي التي ليست بخير ولذلك ينبغي أن نركز على إصلاح دنيانا، أما ديننا فينبغي أن نصلح رجاله ليحسنوا الدعوة إليه، فالإسلام لم يغادر المجتمع ولا الدولة، وعلى هذا الأساس فهذه التيارات الثلاث (الجهادي والاعتزالي والإغرائي) كلها نابعة من قول واحد وهو أن الدين ليس بخير، وهم واهمون فالإسلام بخير ولكن المسلمون ليسوا بخير.

إصلاح المؤسسة الدينية

* قلت في أحد مقالاتك إن الحل للتغلب على هذه الأزمة يكمن في معرفة العالِم (بكسر اللام) للعالَم (بفتح اللام)، كأنك تلمح هنا إلى فقه الواقع؟

- نعم فقه الواقع، ومعرفة العالم بطريقة أرقى من فقه الواقع، ليس أن نتطلع إلى الواقع ونحاول أن نجاريه باجتهادات جديدة، بل أن نتأمل ما يجري حولنا عالمياً في شتى المسائل ويصبح لدينا مذهب في التجديد على أساسه نتأمل كل المسائل.

* خصصت هنا العلماء، هل تقصد بأن الإصلاح يجب أن يبدأ من المؤسسة الدينية؟

- هذا ما أقصده، أول من ينبغي له أن يعرف العالَم هي المؤسسة الدينية، لأنهم المكلفون، فإن لم نربهم تربية صالحة لإدارة الشأن الديني الداخلي والملفات الداخلية والإصلاح بين الناس، وأن يكون لديهم نظرة في العالم ومحاولة إقامة علاقات مع حضارات أخرى، كيف يدافعون عن الإسلام ويوضحون وجهة نظره، وكيف يواجهون موجات التغريب الآتية من الخارج والمعادية للإسلام. هذه تتطلب معرفة جديدة.

* ولكن كيف نربي العلماء تربية صالحة؟

- ينبغي أن تتغير مناهجنا الدراسية بحيث نعرف لغات ونعرف العالم، ونستطيع أن نتكلم الإنجليزية وأن نكتب بها، هناك في الخارج عشرات الملايين من المسلمين لا يفقهون العربية وهؤلاء هم مستقبلنا وهم من سيؤثر كثيرا في تجديدنا، ولذلك ينبغي تغيير المناهج بحيث يصبح الشيوخ مهيئين لمواجهة المشكلات الداخلية والخارجية وفهم الأديان في العالم الآن وفي أي مواقع هي وكيف نتعامل معها باعتبارنا مسلمين.








 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد