إن الدولة إذا ما بذلت الأسباب، وتوسلت الوسائل، وتوافرت لها عوامل القوة المادية والمعنوية، ووسائل الأمن المنظورة وغير المنظورة، انقادت لها الظروف، وتبددت من حولها المخاوف، الأمر الذي يقيها من شرور الأعداء، ويضمن لها البقاء، ويجعلها آمنة نسبياً من التهديدات الخارجية، وكذلك مطمئنة على سلامة الأوضاع الداخلية، وبالتالي يصبح أمنها الوطني يشار إليه بالبنان، وتتحول واحة هانئة، يأتيها رزقها من كل مكان. |
والواقع أن الدولة التي يسود فيها الأمن، وتمتلك مقوماته، يشعر شعبها بالاطمئنان والهناء، وينعم بالاستقرار والرخاء، كما تتوفر لها القدرة على دفع عجلة التنمية ومواصلة التطور، بحيث ينفسح المجال أمامها لتتخذ من أصالة الماضي ومكتسبات الحاضر طريقاً آمناً، تتجه من خلاله إلى المستقبل على النحو الذي يكفل لها الاستقرار والاستمرار والازدهار. |
ومدى فاعلية الأمن الوطني لأي دولة يرتبط بحالة الأمن الإقليمي لها، وبالنسبة للدول العربية، فإن الأمن القومي في أحد جوانبه يمثل لكل منها مجالاً إستراتيجياً وأمناً إقليمياً، متجرداً ضمن هذا المفهوم الأمني والتطلعات، وهذا يعني أن دوائر الانتماء الداخلية في كل دولة، وما يلازمها من مستويات أمنية، تنتهي في مستوى الأمن الوطني للدولة والأمن الإقليمي والقومي لها، باعتبار أن الأمن الوطني متداخل مع الأمن الإقليمي والقومي وكل منها يكمل الآخر، ويزيد من قوته أو يؤدي إلى ضعفه، حيث إنه إذا ما اختل الأمن في أي مستوى يؤثر سلبياً على المستوى الآخر. |
والأمن الوطني للدولة يستمد قوته من قوة عناصر تكوينه، وحالة الأمن في الداخل، كما أنه يتشابك مع إستراتيجية الدولة الشاملة ومصالحها العليا في سبيل تهيئة الظروف المساعدة وإيجاد البيئة الآمنة التي تساهم في تحقيق الأهداف والغايات، بالإضافة إلى أن ذلك بقدر ما يعتبر الأساس الذي يبنى عليه الأمن الإقليمي والقومي، بقدر ما يكون هذا الأخير إما عامل بناء أو معول هدم، نظراً لما يمثله هذا المستوى الأمني في أدنى حالاته من عامل يساعد على إعاقة التهديد وتأخيره، في حين يشكل في أحسن حالاته حصناً حصيناً ومظلة واقية، وإذا ما تعذرت هذه الحالات فقد الخط الأمني الأول قيمته وانكشف الخط الذي يليه للتهديد، وأصبح الأمن الوطني للدولة في ساحة المواجهة بصورة مباشرة. |
وينبغي ألا يغرب عن البال أن الأمن الجماعي العربي لن يتحقق في صورته المطلوبة إلا عن طريق ما تتمتع به كل دولة عربية على حدة من استقرار داخلي، وما يتوفر لها من أمن قطري متكامل، بحيث يتيح لها ذلك مواجهة أغلب مستويات التهديد بمفردها، والتعاون مع غيرها لتكريس الأمن الجماعي والسيطرة على الإرهاب الوافد والتخريب المستورد من جهة، ومواجهة التهديدات الخارجية المحتملة من جهة أخرى، مع الأخذ في الحسبان أن الاهتمام بالأمن الجماعي يتعين ألا يكون على حساب الأمن الوطني، بل يُؤسس الأول على الثاني، وينطلق منه وأحدهما يخدم الآخر. وكلما ارتفع مستوى التنمية في الوطن العربي، كلما طرح ذلك ثماره وانعكست آثاره على درجة الاستقرار السياسي والاجتماعي في كل قطر عربي، معززاً أمنه الوطني بالشكل الذي يترتب عليه تعزيز الأمن الجماعي للأقطار العربية، وما يفضي إليه هذا الاستقرار من الإسهام في بلورة المواقف وتحقيق القدر المقبول من التنسيق السياسي والاتفاق على الحد الأدنى من الإستراتيجية القومية في مواجهة التحديات الخارجية والتصدي للتهديدات الأمنية. |
وسوف تتجسد محصلة ارتفاع مستوى التنمية والاستقرار الأمني والنضج السياسي والاجتماعي في القدرة على مواجهة أي تهديد عسكري أو سياسي يتعرض له الوطن العربي أو شعب من شعوبه، علاوة على امتلاك مصداقية الردع، وكل ما من شأنه ضمان أمن الدول العربية وسلامتها الإقليمية، وما يعنيه ذلك من تأمين كيان الأمة العربية ضد الأخطار الداخلية والخارجية وصيانة مصالحها الحقيقية، وتهيئة أفضل الظروف لبلوغ غاياتها المنشودة. |
وبالطبع فإن جغرافية الدولة يرتبط بها العديد من المكاسب والمتاعب، ويدخل في فلكها معطيات كثيرة، يمليها العامل الجيوبوليتيكي والتي يمكن إجمالها في تحديد أولويات الأمن طبقاً لأسبقية الحالات وأهمية الاتجاهات، وفي الوقت نفسه تضيف اتجاهات التهديد ومصادرها، وكل ما له تأثير مباشر أو غير مباشر على هذه الحالات والاتجاهات ومطالب أمن التهديد مقابل التهديد المضاد. |
وقد يظن البعض أن الأمن الوطني للدولة، إذا ما بلغ مستوى متقدماً من المتانة والقوة، فسوف يكون في مكنتها الاعتماد عليه بمعزل عن أمنها الإقليمي والقومي، وهذا الظن يشوبه نسبة كبيرة من الخطأ، حيث إن موقع الدولة بجميع هيئاته الجغرافية وأبعاده الطبوغرافية الطبيعية، وما يربط بينها وبين دول الجوار من عوامل جيوبولتيكية، كلها أمور تتحكم في المصالح المشتركة للدول المتجاورة، وتجعلها تتقاسم التحديات الإقليمية والمخاطر التي تفرضها المنطقة البيئية بقواها البرية والبحرية ومكامن قوتها ومواطن ضعفها بنسب معينة، وهي حقيقة ثابتة، تؤكدها الأحداث، ويشهد عليها التاريخ بمراحله القديمة والوسيطة والمعاصرة، وكما قال الشاعر: |
إذا شاع الحريق ببيت جارٍ |
فبيتك قد يصير إلى السعير |
ومن يخذل أخاه في الرزايا |
يظل على الزمان بلا نصير |
ومن يمن الطالع وتوفيق الله لدولة ما أن يكون في موقعها من الهيئات الطبيعية والمزايا الجغرافية والاعتبارات الحيوية، ما يجعل هذا الموقع يدافع عنها ويساهم في توفير الأمن لها، ويشمل هذا التوفيق وجود الجوار الآمن نسبياً، بحيث تكون الدولة المجاورة لها عوناً لها لا عليها، وبذلك تجد في الجوار من الأمن الإقليمي والقومي ما يدعم أمنها الوطني، ويخدم آمالها ومستقبل أجيالها، خصوصاً أن التجاور في الغالب يثير النزاعات ويحيي الخصومات المزمنة بين المتجاورين، وفيه من التنافس والتحاسد ما يدفع هؤلاء المتجاورين إلى اجترار الذكريات واستعادة شبح المنغصات، وما ينجم عن ذلك من إحياء التراث وتفشي الشكوك ونقص الثقة إلى الدرجة التي قد يتطور فيها الموقف ويصل إلى حد الصدام والعنف، فضلاً عن مشكلات الحدود والثغرات الأمنية الخارجة عن الإرادة، وما أجمل قول الشاعر: |
أما المجاور فارعه وتوقّه |
واستعف ربك من جوار الملحد |
والدولة التي لا تأمن محيطها الإقليمي، لا يستقر أمنها الوطني على حال، بل تجد نفسها دائماً أمام مواقف خلقتها ظروف الجيرة وطبيعة الجوار، وهي أمور قد تعاكس مصلحتها وتهدد أمنها، وعادة ما تحصل هذه المنغصات الأمنية إما بسبب أطماع الدولة المجاورة وسياساتها المنحرفة أو نتيجة لاستقطاب دولي واستغلال خارجي. |
والدول العربية يوجد لديها من المزايا البيئية وعوامل البناء المكانية التي لو خلُصت معها النوايا وأُحسن استغلالها، مع الاهتداء إلى صيغة عملية للتعاون، لكان بإمكان هذه الدول بناء أمنها الجماعي، بما يخدم الأمن القطري لكل دولة على حدة، لاسيما أن الظروف الإقليمية والمتغيرات الدولية الراهنة، لم تعد تسمح بالأنانية، والرغبة في تحقيق أكبر مغنم بأقل مغرم والمناداة بشيء بينما القصد شيء آخر، بل لابد من بناء الثقة والتخلص من السخائم والأحقاد، وتنظيف النفوس من خبث المؤامرات وأدران العداوات، ولله در القائل: |
فيما التقاطع والأوطان تجمعنا |
قم فاغسل القلب مما فيه من وضر |
والعرب في هذا العصر المثقل بالتهديدات الأمنية أصبحوا في وضع أكثر حساسية وأشد خطورة، بما يتطلب تقارباً أمتن وتباعداً أقل، والسبب هو أن مسؤولية توفير الأمن الوطني لكل دولة تقع على عاتق الدولة نفسها، وفي حالة ضعف إمكانات هذه الدولة الاقتصادية والسياسية والمعنوية والعسكرية، لا يبقى أمامها إلا اللجوء إلى الأمن الإقليمي من خلال الارتباط بالدول المجاورة لها في تقارب إقليمي يكفل لها تأمين أمنها من التهديد وصيانة مصالحها من التبديد. |
ولعل في تجربة التعاون الخليجي القائم بين دول مجلس التعاون ما يشجع على تفعيل مستوى الأمن الإقليمي الفرعي بين الدول العربية، خصوصاً أن ثمة دوائر أمنية شبه قائمة بذاتها جغرافياً وسكانياً واقتصادياً، وهذه الدوائر بالإمكان تجسيدها على هيئة تحالفات إقليمية داخل إطار جامعة الدول العربية لمواجهة التهديدات المتداعية على الوطن العربي من داخله وخارجه، شريطة الاتفاق من قبل جميع الدول العربية على تحديد مصادر التهديد القائمة والمحتملة وتصنيف درجة خطورتها، وما هو دور الأمن الإقليمي الفرعي المعني والأمن القومي العربي في التصدي لها، تبعاً لجهة التهديد وحجم الخطأ، مع التأكيد على واقع الأعداء، والتنبؤ بما يستجد في المستقبل. |
والأمن الإقليمي الفرعي المفترض يجب أن يخدم الأمن القومي العربي، وألا يخلق ذلك محاور صراع داخل الوطن العربي، كما يتحتم الربط بين هذين المستويين من الأمن، واعتبار وجود الأمن الإقليمي الفرعي ضرورة حتمية لتقوية الأمن القومي، وتمكينه من أداء رسالته داخل محيط الجامعة العربية وعلى مستوى الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. |
|