Al Jazirah NewsPaper Saturday  25/10/2008 G Issue 13176
السبت 26 شوال 1429   العدد  13176
الحياة بلا موسيقى
فوزية البكر

بعد ظهر الأحد فيما كنا نتمشى في المنتزه.. طلبت إليها التنبه إلى كل ما تراه وتسمعه، أوراق الشجر يحركها النسيم تموجات سطح البركة، زقزقة العصافير، نباح الكلاب، صراخ الأولاد وهم يركضون ويرجعون كما لو أنهم يعملون بمنطق يعجز الراشدون عن فهمه.

كل شيء يتحرك، وكل شيء يتحرك على إيقاع وتيرة ما، وكل ما يتحرك على إيقاع

يولد صوتا. في هذه اللحظة يحصل الأمر عينه هنا، وفي بقاع أخرى من العالم لاحظ أسلافنا الشيء نفسه عندما حاولوا اللجوء إلى الكهوف هربا من البرد. كانت الأشياء تتحرك وتحدث ضجة ربما دب الفزع في نفس الإنسان الأول بداية لكن سرعان ما حل حس الاندهاش محل ذلك الخوف.. فهم الأوائل أن تلك هي الطريقة التي تواصل بها الخالق معهم، وأملا في الرد على هذا التواصل أخذوا يقلدون الأصوات والحركات من حولهم فكان الرقص وكانت الموسيقى...(باولو كويليو: مؤلف الخيميائي في رائعته: ساحرة بورتبيللو)

كيف هي علاقتنا بالصوت وكيف هي علاقتنا بالموسيقى؟!

ربما أنني أحلم فكيف لكائن عاقل من وسط مثلج كهذا أن يدرك ماذا يعني الصوت وماذا تعني الموسيقى؟

كيف تم تخدير علاقتنا بالأصوات والموسيقى والوتر كل هذه الأزمان حتى امتلأت أعماقنا بفوضى الآخرين الزائفة، ففقدنا البوصلة لقراءة ذواتنا ولقراءة ملامح علاقتنا بالعالم؟

تبدو الموسيقى -حين الحديث عنها- كما لو أنها كل هذا الغثاء الذي تحترف هذه القنوات الفضائية قذفه في وجوهنا صباح مساء، أو هي هذه المطربة التي تتلوى بجنسية واضحة ورخيصة في عالم من الألوان والأضواء التي توحي لمشاهديها المتزمتين بالفطرة بكل ما يرفضونه دينا وقيمة، أو هي هذه الأحاديث الماجنة عن سهر الليالي في علب حمراء يقف على أبوابها من يقتاتون ليومهم من خلال استغلال أجساد الراقصات.

توارى الاحتفاء بالفنون على تنوعها من رسم ونحت وتصوير، واختفت الموسيقى الخالدة كلية من مدننا وبيوتنا، وبدأ كل منا يجتاز دربه وحيدا في عالم التذوق لنقع ضحايا لكل غث وسمين نجده متاحا لنا فقدرتنا على التمييز من خلال التعرف والمقارنة لم توجد، وبدا شبابنا يركض وراء كل هذا الجنون الذي يسمونه موسيقى سريعة أو راقصة دون أن يجتاز عتبات التذوق لفن رفيع قبل ذلك يزوده بالقدرة على التعرف والتجريب والتمييز ثم الاختيار.

من الصعب علينا أن نعرف كيف يؤثر فقد الموسيقى في بيوتنا ومدارسنا على أذواقنا وأمزجتنا وقدرتنا على إدراك التفاصيل والاستمتاع بالأصوات طالما أننا لم نعشها أصلا !!

كيف لنا أن نعرف من أين تأتي كل هذه الصلافة.. من أين لنا بكل هذه الغلظة؟ كل هذه السرعة الجنونية التي تتلبس هذه الطرقات.. ولماذا يصعب علينا أن نبتسم في وجوه الأحبَّة والغرباء كما يفعل كل البشر في باقي المعمورة؟

يذكر د. جين هوستن من مؤسسة دراسات الدماغ في الولايات المتحدة أن الأطفال الذين يعيشون دون أن يتاح لهم برنامج للتذوق الفني والموسيقى يتعرضون لكثير من الأذى في عمليات الدماغ؛ حيث لم يتم تعريضهم للتدريب على بعض عمليات التواصل غير اللفظي والذي يساعد الأطفال في العادة على تعلم المهارات الأكاديمية المتوقعة منهم، مثل القراءة والكتابة والمهارات الرياضية إذ وجد أن الثلاث سنوات الأولى في حياة الطفل مهمة جدا بحيث يجب استخدام الموسيقى لتحفيز نمو الوصلات العصبية داخل المخ والتي هي أساسية لنمو العمليات الإدراكية، بل لقد وجدت الدراسات أن الأطفال ممن يدرسون الموسيقى بدأ من سن الثالثة يتميزون على نظرائهم الأكبر سنا في الرياضيات، وقد قامت مارين هاريس من مؤسسة مونتسوري لدراسات الأطفال بكندا بدراسة للتعرف على أثر إدخال الموسيقى للأطفال في الروضة وأثر ذلك على مهاراتهم الرياضية

The Effect of Music - Enriched Instruction on the Mathematics Scores of Pre - School Children

والتي ظهر منها ارتفاع تحصيل الأطفال من سن الثالثة ممن درسوا الموسيقى للرياضيات مقارنة بنظائرهم، بل إن نتائجهم فاقت حتى الأطفال في سن الخامسة ممن لم يتلقوا تدريبا موسيقيا؛ حيث ظهر إن هناك الكثير من العمليات العقلية المشتركة بين الموسيقى والرياضيات؛ فدراسة الأوزان الموسيقية تتشابه في أساسياتها مع الكثير من العمليات الرياضية المعقدة؛ لذا فالدارسون من التلاميذ للموسيقى يجيدون إدراك العلاقات بين الأرقام، وحين يبدأ الطفل في تعلم النغمات الموسيقية يأخذ في التفكير في مضاعفات الرقم أربعة، كما يسهل عليه إدراك مفاهيم العمليات الرياضية من جمع وطرح وضرب وقسمة وبشكل أسرع حيث تعتمد النوتة الموسيقية على ذلك في تجميع النغمات.. وهو ما يعني أن الأطفال لا يتعلمون الرياضيات كرياضيات إنما يمارسون استخداماتها ويعيشون تطبيقاتها بما يحقق الدرجة العليا من الاستيعاب للمفاهيم، وهو ما يتفق وأهم نظريات التعلم من أجل الفهم التي أطلقها مشروع مدرسة هارفرد للدراسات العليا الشهير (بروجكت زيرو) (Project Zero).

تعلم الفنون ومعايشتها وممارستها يدرب المتعلم على الانتباه إلى التفاصيل وإدراك العلاقات والتفكير بالتسلسل المنطقي والدقة مع ضرورة التواصل مع الآخرين حتى تكتمل أركان العمل وهي المهارات التي يحتاجها إنسان العصر الحاضر سواء في حياته المهنية أو الشخصية. تعلم الموسيقى يتطلب الكثير من التأني والقدرة على الإنصات لإدراك التدرج في النغمة الموسيقية... مشاهدة لوحة وتحليلها وإدراك أهمية الضوء والمكان وطبيعة المواد المستخدمة؛ كلها مهارات نحتاجها ونجدها مفقودة في جنبات حياتنا دن أن نعي لماذا.

الموسيقى أيضا طريقة مثلى ليتمكن الصغار والمراهقون من التعبير عن مشاعرهم بطرق مقبولة اجتماعيا، وهي كذلك تساعد على تفريغ شحنات الطاقة التي تنشط في هذا السن، الأمر الذي يمكنهم من التعامل مع مشاعرهم المختلفة وغير المتوازنة بفعل عمليات النمو بطريقة أكثر طبيعية. هذا الأمر حدا بالمؤسسة الاسترالية لموسيقى الأطفال (Australian Children's Music Foundation) إلى تقديم برامج موسيقية خاصة لدور رعاية الأحداث في مختلف مدن أستراليا؛ حيث أظهرت الإحصاءات أن معظم هؤلاء الأحداث يأتون من خلفيات أسرية واجتماعية متدنية، وأنهم حرموا من كثير من الإمكانات التي يتيحها المجتمع لمثلهم من تعليم متقدم وبرامج خدمات اجتماعية مما أوقعهم أسرى للكثير من التأثيرات السلبية لمن حولهم وفقدوا التواصل مع مجتمعاتهم بطرق طبيعية. ومن هنا تم اعتماد استخدام الموسيقى كإحدى وسائل إعادة تدريب هؤلاء الأحداث على التواصل مع مجتمعاتهم؛ حيث ظهر أنها تساعد على الرفع من معنوياتهم وعلى تدريبهم على ضبط النفس، كما تحسن من قدرتهم على التواصل مع الآخرين، وهو ما ساعد على تحفيز مهارات التعلم لديهم والرفع من اتجاهاتهم الإيجابية نحو المجتمع.

يستجيب الأطفال منذ يولدون للأصوات والألوان والمياه؛ لأنها انعكاس لأصوات الطبيعة من حولهم؛ لذا فمن حقهم علينا اليوم أن نعيدهم لها حتى نستعيد طبيعيتهم ونساعدهم على العيش في توازن لا يحققه سوى عالم مغموس في بحار التذوق للفنون بكل صورها وأشكالها.








 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد