Al Jazirah NewsPaper Monday  27/10/2008 G Issue 13178
الأثنين 28 شوال 1429   العدد  13178
ربيع الكلمة
ثمانية عشر ربيعاً..
لبنى عصام بن عبدالله الخميس

من أعظم ما قد يشعر به المرء هو شعور الانتصار على الذات وتحقيق ما كان في خانة الأحلام والمستحيلات، فتلك اللحظة أي لحظة الفوز والتفوق على النفس، هي من أغلى وأعمق اللحظات وأكثرها رسوخاً وخلوداً وتأثيراً.. بدأت حكايتي مع القلم في السنوات المبكرة من عمري حين كنت أترجم أحاسيسي شعراً ونثراً في دفتري الذي كان أغلى ما أملك، ففيه نثرتُ أولى كتاباتي، وبه وطدت علاقتي بالقلم والأوراق.

كانت حكايتي بسيطة وتتكرر كثيراً مع من هم في سني.. ملامح موهبة تظهر ثم تختفي مع السنين.. تختفي مع الإهمال والتراخي من قبل الفرد نفسه أو من أهله وأصدقائه الذين لا يعيرون أي اهتمام يذكر إلى صاحب هذه الملكة.. ولكن من حسن حظي أنني نشأت في عائلة أدب وعلم ومعرفة، تقدر المواهب وتعطيها حقها، لا تغدق بالمدح ولا تشح به، لقد كبرت وأنا أقرأ كتب جدي العلامة الشيخ عبدالله بن خميس ذلك الهامة الشاهقة والقامة الكريمة العالية في عالم الشعر والأدب والصحافة، فقد كان يتوسم بي خيراً ويكثر من الدعاء لي.. كنت أرى في عينيه الثقة والاطمئنان فكان يقول لي اكملي ما بدأت والله معك.

كان ذلك يحملني مسؤولية كبيرة ومضاعفة.. فقرأت الكثير من الكتب واطلعت على الصحف العربية والعالمية لهدف واحد وضعته نصب عيناي دوماً.. حلمت كثيراً بأن يكون لي زاوية في صحيفتي المفضلة الجزيرة، وها أنا اليوم أطل عليكم منها بمقالي الأول بعمودي (ربيع الكلمة) وأنا ابنة الثمانية عشر ربيعاً، لأشرك وأشيد بمن وقف بجانبي دوماً وآمنوا بموهبتي ووثقوا بقلمي وكانوا يغذونني بالمعرفة والعلم والثقة، منهم وعلى رأسهم جدي الشيخ عبدالله بن خميس، وأبي عصام الخميس الذي أعطاني الكثير من الدفعات المعنوية ومهد لي الطريق وتعامل مع موهبتي بجدية وحزم، ولعب معي أدواراً عدة إلى جانب الأب.. فقد كان عراباً ومعلماً وصاحب فكر نيّر ومحنكاً، له نظرة بعيدة تشق آفاق المستقبل وتستشرفه بتفاؤل.

فقد علمني أن الله يهب كل طائر رزقه، لكنه لا يضعه له في العش، وأن الإنسان إذا لم يعلم أين يذهب فإن كل الطرق تفي بالغرض.

ومن أهم من سخروا جُلّ وقتهم لي، عمتي الغالية أسماء الخميس التي كانت وما زالت وستبقى ملهمتي الأجمل ومرآتي الصادقة والضوء في آخر النفق. علمتني الكثير من تجربتها الغنية، فهي أستاذة علم الاجتماع التي تشهد لها أروقة جامعة الملك سعود بالعطاء السخي المتواصل، وهي اليوم مديرة الضمان الاجتماعي النسوي في المملكة، وهي أول من تقلد هذا المنصب الذي تستحقه لما تملكه من خبرة طويلة وثرية في مجال تطوير المجتمع والارتقاء به.

وكذلك عمتي أميمة الخميس الكاتبة والروائية المعروفة وصاحبة الفضل الجزيل عليَّ والتي كان لها السبق والريادة في دخول المعترك الصحافي، فقد أسدت لي كثيراً من النصائح ووجهت لي النقد الهادف البناء، فلم تسرف في المدح ولم تحد في النقد، ولقد كانت المحطة التي توقفت عندها أفكر وأشيد بقدرة المرأة على كسر الحواجز وإيصال الكلمة على الرغم من المعوقات التي واجهتها كونها امرأة سعودية.

وإن أنس لا أنسى ذلك المنبر الحر الذي نشرت فيه باكورة كتاباتي وفيه سطرت أهم إنجازاتي وله أقدم شكري وتحياتي.. إنها الصحيفة التي أثبتت تفردها وتميزها بين الصحف المحلية والعربية.. صحيفة الجزيرة التي أسسها الأديب عبدالله بن خميس قبل عشرات السنين ها هي اليوم جزء من يوميات المواطن السعودي، يقرأها المواطنون وولاة الأمر كل صباح ويستمتعون بالإبحار في صفحاتها وأخبارها وكلمات كتّابها.. لقد تميزت وتصدرت وحصدت العديد من الجوائز ويعود الفضل بعد الله لكادرها المحترف وعلى رأسهم رئيس تحريرها ومهندس نجاحها الأستاذ خالد المالك.

نجاح الجزيرة أو غيرها من الصحف هو نجاح لثقافة المجتمع وانتشار الوعي بين أفراده، فالصحافة المؤثرة القوية هي من أهم علامات الحضارة وتقدم الإنسان فكما قال الكاتب الروسي ليو تولوستوي يوماً: (الصحافة بوق السلام، وصوت الأمة، وسيف الحق، وملاذ المظلوم، ولجام الظالم، إنها تزلزل المستبدين).

فشكراً لكم جميعاً على ما قدمتموه لي وأرجو الله تعالى أن أكون محل الثقة.. وأقول إن ذلك العمود الذي لطالما حلمت به هو تكليف وليس تشريفاً لي.. فعلى الكاتب الحقيقي أن يقيس نبض الشارع ويتابع هموم المواطنين وحكاياتهم وأحلامهم.. عليه أن يكون صوت آلامهم وآمالهم.

أسأل الله جلّ جلاله أن يوفقني في تجربتي الأولى في الكتابة الصحفية وفي حضرة صاحبة الجلالة.. أتمنى أن يكون قلمي دائماً منيراً ومشعاً وصادقاً، أتمنى أن أزرع قلبي على الورق فينبت في قلوب الناس.. ومن الله نستمد العون والتوفيق.








 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد