Al Jazirah NewsPaper Friday  07/11/2008 G Issue 13189
الجمعة 09 ذو القعدة 1429   العدد  13189
رحمك الله يا أبي
د. أحمد بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن الطويان

الحمد لله حمد الصابرين الشاكرين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين الذي لم يُصب مسلم بمصيبة أعظم من مصيبته بفقده وموته، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ويثبت به الأجر {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعونَ}.

رحمك الله يا أبي فقد ربيتني صغير وكبيراً بأفعالك وأقوالك وصفاتك الحميدة وخلالك الطيبة، بجدك وعزمك وكفاحك وهمتك العالية، لقد كانت حياتك مليئة بالمصاعب والشدائد والمواقف التي لانت بقوتك وعزيمتك بعد توفيق الله لك.

كنت محباً للآخرين يحبك الناس ولا يملون مجلسك، يشهد لك جيرانك ومعارفك بالفضل والصلاح والاستقامة وسلامة الصدر ونقاء السريرة، كنت واصلاً للرحم، باراً بأمك وأبيك فهنيئاً لك البر والإحسان.. كان بيتك مقصد الأقارب والمعارف، ومائدتك يجتمع عليها الصغير والكبير.

كنت عطوفاً على الفقراء والمساكين تسعى في خدمة الآخرين، وتحرص على إسعادهم، وكانت صدقة السر هي أكثر صدقاتك.

قيام الليل لك عبادة دائمة في الحضر والسفر والحر والقر والشدة والرخاء، تتلو كتاب الله إذا أرخى الليل سدوله، في آخر ليلة عقلت الدنيا فيها ختمت كتاب الله تعالى، كنت سريع الدمعة.. رحيماً رقيقاً، رفيقاً طيب النفس، كثير الحج والعمرة.. عرفتك جنبات المسجد الحرام بالتلاوة والصيام والقيام والدعاء، وعرفتك المشاعر المقدسة بحججك المتتابعة، فكم وقفت على صعيد عرفة وبت في المزدلفة ورميت الجمار وذبحت الهدي، وكم هي أضحياتك عن والديك وخالاتك وعماتك.

كنت في كل سنة تصوم رمضان وتتبعه ستاً من شوال في رحاب البيت العتيق.. حتى في هذه السنة عزمت على العمل الصالح من العمرة وتفطير الصائمين والصدقة، ولكنها مشيئة الله منعتك من العمل وأقعدك المرض، فكتبت لك هذه النية بموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً)، وقال: (من همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة) فحمداً لله على واسع فضله وعطائه.

رحمك الله يا أبي ربيتنا على الصلاة والمحافظة عليها جماعة، وعلى معالي الأمور والأخلاق والبر والإحسان.

رحمك الله يا أبي تربينا تحت رعايتك ترعانا بحنانك وعطفك فجزاك الله بذلك جنان الخلد.

رحمك الله يا أبي ربيتنا على حب الخير والأخيار والصالحين وسلكت بنا طريق العلم.

رحمك الله يا أبي فقد كنت نزيهاً عن المكاسب المحرمة والمعاملات المشبوهة صادقاً في تعاملك التجاري، حريصاً على إطابة المطعم.

رحمك الله يا أبي فقد كنت غيوراً على الحرمات.. آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.

رحمك الله يا أبي فقد ربيتنا على الجد والعزم والاعتماد على النفس والتدرب على مجالات العمل، زرعت فينا الثقة وقوة الشخصية.

وبحق كنت لنا مدرسة تعلمنا منها الكثير من سداد الرأي والقدوة الصالحة والصفات الكريمة فرحمك الله رحمة الأبرار وجعل مثواك أعالي الجنان، ورفع درجتك في المهديين، فاللهم أجرنا في مصيبتنا وأخلفنا خيراً منها، وأبدل أبانا عن الدنيا بنعيم الآخرة الذي لا يحول ولا يزول.

ولكن ما تقر به العين وتسعد به النفس تلك الخاتمة السعيدة في تلك الليلة الشريفة، فاضت روحه الطيبة إلى رحمة ربه في تلك الليلة التي تُرجى فيها ليلة القدر وهي آخر ليلة من رمضان التي يعتق الله فيها مثل ما أعتق من أول الشهر إلى آخره.. فأسأل الله الكريم الرحيم الرحمن أن يكتبه منهم.

وبعد ختم القرآن في المسجد الحرام حيث كان في كل سنة في ذلك المقام فالحمد لله على فضله.

ومما يثلج الصدر تلك الجموع الكثيرة التي ودعته بالدعاء في آخر لحظات رمضان، خرجت تلك النفوس الصائمة الداعية له بالمغفرة والرضوان تشيعه وتدعو له فأسأل الله ألا يحرمه دعاءهم.

ومما نجد فيه العزاء ذلك الثناء العاطر من الناس بالذكر الحسن وطيب الذكرى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنتم شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم له خيراً فقد وجبت له الجنة) جيران وأصدقاء ومعارف وأقارب وأرحام الكل يثني ويدعو ويذكر المواقف الطيبة والأخلاق النبيلة التي رأوها وسمعوها.

وكم هي المواقف في حياته أسأل الله أن يعين إلى إخراجها في كتاب بعنوان: (حدثني أبي) وفاء بحقه وإظهاراً للأجيال حياة الآباء والأجداد، سبع وسبعون سنة مليئة بالعبادة والتقى وصالح الأعمال والمواقف الطيبة.. فالحمد لله أولاً وآخِراً على فضله وحسن بلائه وقضائه.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد