لعل ما دعاني إلى العودة للكتابة عن هذا الموضوع هو اتجاه بعض مؤسسات الإنتاج الإعلامي إعادة نشر التراث الشعبي من خلال (التسجيلات) التي تطرح بين حين وآخر ويتخلل تلك التسجيلات الكثير من (القصص والأشعار) لبعض المشاهير من الشعراء والفرسان السابقين، وأعتقد بأن بعضاً من تلك المؤسسات قد وجد في هذا التراث مرتعاً خصباً ومناخاً ملائماً بحيث تم استقطاب (البعض) من (الرواة) وإن كان هناك تحفظ على كلمة (رواة) لأن الراوي الحقيقي هو من يحفظ تلك القصص والأشعار ويرويها للمتلقي دون اللجوء إلى (المراجع) وأن يكون متمكناً في روايته وملماً بأوزان الشعر وقوافيه بحيث لا يكسر ولا يلحن في الأبيات ويكون مرجعاً في ذلك للباحثين والمهتمين في هذا الشأن. |
أما من يقرأ من الكتب والمخطوطات فلا يعتبر (راويا) بقدر ما هو (ناقل) وإن كان هذا لا يلغي الدور الذي يقوم به إذا ما التزم بقواعد وأصول الرواية. |
أما من يقع في الأخطاء من خلال سرده للقصائد كأن (يكسر) أو (يلحن) ففي ذلك امتهان للتراث وإساءة للقصيدة وصاحبها، ولو استعرضنا بعضاً من هؤلاء لوجدنا بينهم من يقع في مثل تلك الأخطاء فهذا الأستاذ (عبدالرحمن المرشدي) وهو من أشهرهم وأغزرهم إنتاجاً نظراً لما يملكه من إرث ضخم ومادة دسمة من التاريخ والقصص والأحداث التي مرت بها هذا الجزيرة في حقبة زمنية سابقة ولديه من القصائد والأشعار المخطوطة الكثير وهو في الحقيقة يتمتع بطريقة سلسة وجميلة في سرده للأحداث والقصص ولكن يعاب عليه عدم إلمامه بأوزان الشعر الشعبي ولديه قصور واضح في هذا الجانب بحيث يقع في أخطاء جسيمة وغير مقبولة نتيجة لعدم (إلمامه) أو قلة (اهتمامه) بذلك، فهو يكسر ويلحن في أبيات الشعراء باستمرار وبدون توقف وقلّ أن تستمع إلى قصيدة دون أن يكسر أو يلحن بأحد أبياتها فهو لا يجيد قراءة النص الشعري بالشكل الصحيح وكما هو معروف فإن الشعر يقوم على عنصرين أساسيين هما (الوزن والقافية) فإذا اختل أحدهما انتفت صفة الشعر والشاعرية. |
والكسر كما هو معروف يأتي بسبب (زيادة) أو (نقص) في البيت سواءً كان حرفاً أو كلمة وقد يكون بسبب (تقديم) كلمة أو (تأخيرها)، أما اللحن فسببه عدم النطق الصحيح للحركات كرفع (المنصوب) أو نصب (المرفوع) أو إهمال (التشديد) وخلافه مما يتسبب في تغيير المعنى المقصود للكلمة. |
وسوف نستعرض بعض النماذج من تلك الأخطاء التي وقع فيها (الراوي) من خلال رواياته وذلك على سبيل المثال لا الحصر، فمن أخطائه في (اللحن) يقول من ضمن قصيدة للشاعر سلطان العضياني العتيبي: |
ألا يا شيب عيني من منازل خيل بالتومان |
إلا قلت أقبلت خيلٍ إلا خيلٍ تناحينا |
فهو ينطق كلمة (منازل) بفتح الميم والنون وكسر الزاي بحيث يفهم المتلقي أن المقصود جمع (منزل) وهذا خطأ فادح والصحيح تسكين الميم وفتح النون والزاي معاً حيث إن الشاعر يقصد (النزال) من المنازلة في المعركة. |
كما أنه (يلحن) في بيت للشاعر محمد بن فهاد القحطاني (ابن حصيص) حيث يقول: |
الله على خمسين خبزة معية |
وقت العشاء يوم الخلايق يخمون |
فهو ينطق كلمة (معية) بكسر الميم والعين والياء المشددة، والصحيح تسكين الميم وفتح العين وكسر الياء مع تشديدها والمقصود بالكلمة نوع من أنواع الحبوب يصنع منه الخبز وبعض الأكلات الشعبية. |
ويقول من ضمن قصيدة للشاعر لناصر العتيق: |
ماله شبيه ولا حلي تحلي |
ختم السعد من بين أحجاه مصبود |
فينطق كلمة (أحجاه) بتسكين الحاء وفتح الجيم دون تشديدها وفي هذا خطأ (مزدوج) فهو يكسر ويلحن في آن واحد لأن صحة ذلك بكسر الحاء وتشديد الجيم المفتوحة ليستقيم البيت ويصح المعنى والمقصود بكلمة (أحجاه) في هذا البيت جمع (حجاج) وهو ما فوق العين، يقول الشاعر: |
بين الأحجَّا ناض لي تقل براق |
يوضي سناه وماه هلهل غشينه |
والأمثلة على ذلك كثيرة وأما كسره للأبيات فحدث ولاحرج فهو (يكسر) باستمرار وبدون توقف حتى وهو يروي بيتاً أو بيتين فهو يقرأ ما يجده أمامه دون أن يلاحظ الخلل ويتلافاه وقد يكون (الراوي) سبباً في الخلل أحياناً. |
يقول في مقدمة أحد أشرطته هذا البيت: |
هو ليه ما تنشدوني عن الهرج يا رجال |
يا ما معي يا رجال من مستوى بيت |
شطران مختلفان تماماً فالشطر الأول يحتاج لعملية (ترميم) لكي يستقيم أما الشطر الثاني فمستقيم الوزن. |
ويقول من ضمن قصيدة لمحمد العبدالله القاضي: |
جلوسك مع أهل الفهم من ما يفيدك |
ومع البهيم يطبع ران قلبك عمى خافي |
في الشطر الثاني تحريف وعك وزيادة واضحة مما تسبب في (كسره) وصحته كالتالي (ومع البهايم ينطبع قلبك الصافي) ويستمر على هذا النهج في كسره للأبيات حيث يختم روايته لقصيدة (المهادي) بهذا البيت حيث يقول. |
تمت وصلى الله على خير البرايا محمد |
عدد ما علا القمري بعالي هضابها |
في هذا البيت يظهر مدى انعدام الحس الشعري لدى (الراوي) حيث إن الشطر الأول طويل ويحتاج إلى (تشذيب وترتيب) لكن ليس على طريقة الراوي الذي يقول إن ما قام به مجرد عميلة ترتيب وتنظيم للقصص والقصائد، إنما بالطريقة الصحيحة حيث إن صحة الشطر (وصولا على خير البرايا محمد) كما أن هناك بيتاً مشابها لهذا البيت من حيث الإطالة في شطره الثاني حيث يقول من قصيدة للشريف محمد: |
يا من لعين للشريف محمد |
تهلهل دمعها من قبة الراس حادر |
ولا أظن أن هذا من قول الشاعر حيث لا يوجد توازن بين الشطرين فالخلل واضح من حيث الزيادة في الشطر الثاني. |
ونظراً لعدم إلمام (الراوي) بأوزان الشعر فهو يكسر أحياناً بسبب (النقص) في البيت وأحياناً بسبب (الزيادة) ومن أمثلة النقص يقول من ضمن قصيدة للشاعر (سلطان العضياني) والذي ذكرناه آنفاً: |
حدونا لهيب القيظ لا مزهب ولا صملان |
عسى ربٍ كتب هذا علينا ما يخلينا |
فقد أسقط كلمة (في) من الشطر الأول وصحته (حدونا في لهيب القيظ لا مزهب ولا صملان) ومثله أيضاً بيت من ضمن قصيدة للقاضي يقول فيه: |
وكم بخيل فرش الخلق ماله |
وهو منه محروم على نفسه أتلافي |
فقد (أسقط) من الشطر الأول كلمة (من) وصحته (وكم من بخيل فرش الخلق ماله) وبالإضافة إلى ذلك يقول من ضمن أبيات للشاعر (فهد بن صليبيخ) والتي يخاطب بها أمير حائل آنذاك عبدالله المتعب: |
قو الأمير اللي على الوكر هزاع |
وكيف أنت يا تالي صعصيع |
فهو هنا لم (يكسر) الشطر الثاني فقط بل (قصم ظهره) حينما أسقط كلمة كاملة من الشطر وهي كلمة (مواريث) وصحته (كيف أنت يا تالي مواريث صعصيع). |
صالح بن عبدالكريم المرزوقي |
|