Al Jazirah NewsPaper Thursday  13/11/2008 G Issue 13195
الخميس 15 ذو القعدة 1429   العدد  13195
شيء من
غياب النقد والتطرف
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

لم يكن (للنقد) بمعناه المعاصر والشامل أية قيمة في أدبيات العرب. كان المدح، والتطبيل، وإضفاء صفات (مختلقة) في الغالب على الممدوح لإرضاء غروره وغطرسته، من أهم وظائف الأدب العربي. لذلك تكاد تخلو ثقافتنا - إلا النادر والقليل جداً - من اللمحات النقدية الموضوعية، التي تخاطب العقول وليس العواطف والحواس. وعندما يأتي شيء من هذا النادر يصنف رأسا على أنه (هجاء) أو قدح وذم أو انتقاص. لذلك ظل النقد، أو الرأي الموضوعي المحايد، شبه غائب عن أدبياتنا على اختلاف أنواعها. فالرأي الآخر يتجاذبه طرفان متناقضان: إما المدح أو الهجاء، وليس هناك منزلة وسطى (موضوعية) بينهما.

لغوياً كان النقد عند العرب مشتقاً من (النقود)؛ يقول ابن منظور في لسان العرب: (النقد: خلاف النسيئة، والنقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها). ولم تكتسب الكلمة معناها الاصطلاحي والفني إلا في أواخر القرن الثالث وبداية القرن الرابع خصوصاً عند قدامة بن جعفر البغدادي (الذي يعتبر كتابه (نقد الشعر) أول مصدر يحمل كلمة نقد) كما تقول الباحثة المغربية (بشرى تاكفراست). غير أن (النقد) كمصطلح كان متلازماً مع الأدب على وجه الخصوص، ولم يتجاوزه إلى مضامير النشاطات الإنسانية الأخرى.

لم نعرف النقد بالمعنى المعاصر لهذه الكلمة، أي النقد المتعدد الأغراض، إلا بعد الاحتكاك بثقافات الأمم الأخرى وبالذات الثقافة الغربية. في البداية وقفت الثقافة العربية (التقليدية) موقفاً رافضاً بقوة لهذا النوع من الممارسات النقدية، وبالذات ما يتعلق بالقضايا الدينية والاجتماعية والسياسية، التي تنظر إلى القضية - أية قضية - من زواياها المختلفة، فتتحدث عن المزايا والمثالب بتوازن وموضوعية، واعتبر كثير من التقليديين أن هذه الممارسات (الدخيلة) ضرب من ضروب الانتقاص، وأحياناً القدح الذي يجب أن ننأى بثقافتنا عنه، وألا ننساق وراء هذه الثقافة الغربية، والغريبة على ثقافتنا العربية الأصيلة كما يصفونها. غير أن هذه الممانعات لم تلبث أن ضعفت، ووهنت، وفرض النقد نفسه وبقوة في النهاية.

ويعود الفضل في فرض ثقافة النقد، وسماع الرأي الآخر في المملكة، إلى ثقافة الحوار، التي أطلقت الحراك الثقافي، والرأي والرأي الآخر. فقد تنبه صانع القرار إلى أن (التنمية) تحتاج بالضرورة أن يكون حق النقد متاحاً من حيث المبدأ. فمن خلاله تستطيع أن تقيم التجربة، وتقوم الانحرافات، وغيابه - أعني غياب النقد - يعني بالضرورة أن العيوب والاعوجاجات وكل أمراض الدولة الحديثة ستستشري في الظلام الدامس. وعندما يغيب النقد، وينكمش (الحراك الثقافي)، يتأزم المجتمع، وتطفو على السطح حالات الاحتقان، والتعصب، لعدم وجود قنوات شرعية يستطيع من خلالها الفرد التعبير عن الذات، ليبحث عن قنوات أخرى لتفريغ احتقاناته، والتي ليس بالضرورة أن تكون آمنة.

وفي ظل سيطرة (الرأي الأوحد) الذي لا يجد رأياً آخر يختلف معه، يُفرز هذا الرأي من (داخله) رأياً متفرعاً عنه يُزايد عليه، لينتهي في الغالب الرأي الأوحد نفسه إلى التشظي منتجاً آراء أخرى في غاية التطرف قياساً بالرأي الأصلي. وهذا - بالمناسبة - ما عاصرناه في المملكة من خلال تعاملنا مع الخطاب المتشدد الذي أفرز خطاباً أكثر تطرفاً منه، فانتهى بنا إلى الإرهاب.

بقي أن أقول إن من يعتقد أن في (النقد) انتقاصاً له، أو فضحاً لعيوب كان يجب أن تستر، كما يردد بعض (التقليديين)، فهو لا يمت لليوم وللعالم الذي نعيشه بصلة. إلى اللقاء.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6816 ثم إلى الكود 82244

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد