تحفل المجتمعات الإنسانية على وجه العموم بأنماط حضارية وثقافية متنوعة، ومتباينة في الغالب، تعكس قيِّم هذا المجتمع أو ذاك. وبحكم الفطرة والحاجة معاً تجنح هذه المجتمعات إلى مد جسور التواصل والتفاعل الحضاري فيما بينها، وتوسيع دائرة الاستفادة المشتركة من المخرجات الحضارية في المعرفة والتقنية، بفعل حركة الإبداع الإنساني في البناء والتنمية، في إطار ما يعرف بالتلاقح الحضاري الذي ميَّز العلاقات الإنسانية منذ الأزل.
هذا التلاقح الحضاري أداة أساس في نقل وتوطين المعرفة الإنسانية، والفنون الإنتاجية المتحققة في مجتمع أو مجتمعات بعينها، إلى مجتمعات ومكونات بشرية أخرى لم تصل إليها، في حركة مد حضاري إنساني ظلَّ يترى قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وأسفر عن هذا التقدم المادي الكبير الذي يميز عالم اليوم.
إلى جانب المزايا والفوائد الجمَّة للتلاقح والتفاعل الحضاري الكوني على صعيد التركيم المعرفي، فقد يسفر عن إحداث تغيرات مباشرة بدرجة أو بأخرى، تطال منظومة القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع، يسفر بدوره عن نشوء خليط ثقافي غير متجانس، أو سيادة أنماط حضارية بعينها قد تفرضها الثقافة أو الثقافات الغالبة، بما يدخل المجتمع بالتالي في حالة تأزم اجتماعي غير مرغوب فيه. في عالم اليوم تسود حضارة الغرب بكل أدواتها الثقافية والسلوكية، وهي لا تتورع باعتبارها الحضارة والثقافة الغالبة، عن استخدام كل الطرائق والوسائل الممكنة، ومنها الغزو والاحتلال والاستعمار، لفرض هيمنتها وتأثيراتها الفكرية والثقافية على المجتمعات والحضارات الإنسانية الأخرى. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى حقيقة التأثير المباشر للحضارة الغالبة على ما سواها، بقوله (أنَّ المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده).
وإذا كان يتعين على مجتمعات الإسلام الاستفادة المثلى من مزايا ووفورات حضارة الغرب في مجال العلوم والمعرفة، ونقل وتوطين مخرجاتها، بل والشراكة معهم في صناعة التنمية، فإنَّه بالمقابل ينبغي أخذ الحذر والحيطة من منطلقات هذه الحضارة بما يخص القيم والعادات والتقاليد ونظام الأسرة، إذ إنَّها وفق الرؤية الإسلامية، بل والرؤية المنطقية والصائبة تحمل بذور الانحلال والتفسخ المطرد.
عن حضارة الغرب والعولمة وتأثيراتها المباشرة على مجموعة من التغيرات من خلال إعادتها لتركيب الأنماط البيئية والاجتماعية (الاختلاط الثقافي) يشير المفكر والكاتب أنطوني جيد نز في كتابه (عالم جامح كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا ؟) إلى هذا التردي المطرد في أسس النظام الاجتماعي والأخلاقي لحضارة الغرب، محذراً بأنه سيؤدي إلى تشكيل مجتمع عالمي يشوبه الفوضى، ومحفوف بشتى أنواع القلق، ومليء بندوب الفرقة والانقسام.
يقول أنطوني جيد نز (أما (التقاليد) وقرينتها (العادات) وهما المادة الخام لحياة الناس على مدى التاريخ الإنساني، ومستودع الحكمة المختزنة، فقد تصدع بناؤها في المجتمعات الغربية، وترسخت مظاهر العولمة، بما يثير القلق بصورة مطردة بشأن الثقافة وطرق الحياة التقليدية في العديد من بقاع العالم.
ويقول في موضع آخر: (وفيما يخص الحياة الاجتماعية، ومؤسستي الزواج والعائلة.. تتقدم ثورة (عولمية) وبشكل متفاوت في مناطق وثقافات متباينة، وتواجهها مقاومات عديدة، ففي المجتمعات الغربية تصدَّعت إلى حد كبير (أنظمة القيم العائلية التقليدية) وأوضحت أشبه بالمؤسسات (القشرية) إذ اتسعت دائرة النشاط الجنسي خارج نطاق مؤسسة الزواج، وبرزت ظاهرة (المساكنة أو التعايش كالزواج) وفُصل بين النشاط الجنسي والتناسل (مفهوم الثنائية) وكنتيجة منطقية لذلك ازداد قبول المجتمعات الغربية لظاهرة (الشذوذ الجنسي).
وإذا كانت المنطلقات الحضارية الغربية وفق هذه الأنماط السلوكية والأخلاقية المتردِّية فإننا ندرك بطبيعة الحال خطورة الاندفاع الحالي غير المسبوق لتغريب قيم المجتمع المسلم، وأخلاقياته، ونظامه الأسري والاجتماعي، ونحله وعوائده، والذي نلمسه في حياتنا الخاصة والعامة، ومحيطنا المحلي والعربي والإسلامي، وقطاعاتنا الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، والذي تُدار صناعته بآليات وأدوات وأساليب تعمل تباعاً على تهيئة المجتمع لتقبل هذه الأنماط الغربية، وسلخه تدريجياً من قيم وتراث دينه الإسلامي الرفيع.نماذج التغريب وصوره كثيرة ومتشعبة، يستشعرها كل ضمير حي، ويتألم لوجودها، ويخشى من عواقبها، وخطورة نتائجها على قيم هذا الديِّن الحنيف، وعلى أمن المجتمع واستقراره وتماسكه.
من أبرز النماذج المادية لهذا التغريب تقنين صناعة الخمور، والترخيص باستيرادها، إذ أضحت منتجاتها تتناثر في بعض المدن العربية والإسلامية، في الأمكنة العامة والساحات، وفي المساكن والمطارات، بل وتقدم ضمن قائمة المشروبات على بعض خطوط الطيران.ومن نماذجه كذلك تقنين مراكز اللهو والمجون، والترخيص بافتتاحها، ومن خلالها يتم تداول كل التقليعات والموضات الغربية الفاسدة، والعلاقات المحرمة.
ومنها إنتاج واستيراد المطبوعات التي تمتهن تجارة العبث والإسفاف، والفاحشة والرذيلة، وزعزعة إيمان المجتمع بقيم دينه، ومعطيات رموزه، وجر الناس، خاصة الناشئة والشباب منهم إلى الممارسات والسلوكيات الخاطئة، وإهدار أوقاتهم فيما يضرهم ولا ينفعهم. النماذج كثيرة، ونتائج تطبيقاتها فادحة، أخلَّت بالشروط الموضوعية للبناء الحضاري السليم، فالحضارة هي مزيج توازني يربط بالضرورة بين شروطها المادية والأخلاقية، في بوتقة واحدة، تتفاعل معاً، لأداء وظيفة التنمية والعمران، فلا حضارة معتبرة بدون نهوض عمراني ومادي، وقيم وأخلاق تحرس هذا النهوض وترتقي به، فاختلال جزء من هذه الشروط اختلال في مفهوم الحضارة أصلاً.عن وظيفة الحضارة يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي هي (مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه). ويصف ابن خلدون في مقدمته، الحضارة وقد اختلت شروطها الموضوعية (هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير).
قد يُعوَّل كثيراً على مسألة الحراك الاجتماعي للخيِّرين في هذا القطر أو ذاك لمواجهة هذا التيار المادي الجارف الذي يؤسس لحياة اجتماعية غارقة في الوهم والوحل، من خلال استنهاض الهمم، وإنشاء مؤسسات لحماية الفضيلة، وإعادة الاعتبار لقيم هذا الديِّن الحنيف، ومقاصده النبيلة (الكليات الخمس: الدِّين والنفس والعقل والنسل (العرض) والمال) التي تحفظ للمجتمع المسلم وأفراده قيم الخير والفضائل، ونِعَمَ الأمن والاطمئنان، وعناصر الاستقرار والتماسك، ومتطلبات البناء والتطور، لتنهض الأمة من جديد، من حالة الدَعة والمسكنة، ومستنقع المعاصي، إلى حالٍ أفضل، وحياة أطهر، وبناء وعمران أشمل.
في حين تنهض بعض مؤسسات المجتمع المدني في الغرب لوقف موجات الانحلال والإباحية والتقليعات الفاسدة، وتتبنى المبادرات التي تُشجع الرجال والنساء على العودة إلى قيم العائلة التقليدية، لا يزال البعض في محيطنا العربي والإسلامي يندفع كلياً نحو المنتجات القشرية لحضارة الغرب وتقليعاتها، دون وعي أو إدراكٍ لمخاطرها المؤكدة على المؤسسة العائلية الإسلامية، وعلى عموم منظومتنا الأخلاقية والاجتماعية، ودون وعي أو إدراكٍ لخطورة التغريب على مقومات الهوية الوطنية، وأنَّه أداة أساس لاستلابها، وذوبانها في الآخر.فمتى يعقل هؤلاء يا قوم!