Al Jazirah NewsPaper Saturday  22/11/2008 G Issue 13204
السبت 24 ذو القعدة 1429   العدد  13204
الكلب.. والهمر
محمد حمد البشيت

من منكم يدلّني على عنوان الفنانة الفرنسية الممثلة (برجيت باردو) التي تخلّت عن (الفن) أو بالأحرى، هو خريف العمر الذي بسببه ابتعدت عن الفن، فتطوّعت في تكوين جمعية (الرفق بالحيوان) وأصبحت جمعية لها أطباء بيطريون متطوعون في معالجة الحيوانات الأليفة وغير الأليفة كالكلاب.

ما أردته من الفنانة صاحبة (جمعية الرفق بالحيوان)، هو أن تعرف أننا نهتم في تربية الحيوانات كالقطط والكلاب، تقليداً للظاهرة الغربية، وما أردته منها على وجه الخصوص، هو أن تبادر سريعاً في إرسال طبيب بيطري (للكشف) على الكلب جاري، للتأكد من سلامة (نباحه) المتواصل ليلاً نهاراً، حيث بصفتي جاراً له يهمني بالدرجة الأولى التأكد من قواه العقلية فمن حقه أن ينال العطف والرعاية من جمعية (الرفق بالحيوان) وكشف سر سعير (نباحه) العالي، والذي أقلقني وجيراني من الشفقة عليه.

علماً أنه يعيش في بحبوحة من (الدلال) والترف، ولا يتعرض لأية مضايقة من قِبل (مرافقه) الذي لا يفارقه طوال اليوم، لدرجة أنه ينال نصيبه من (الفسحة) كل يوم متخذاً مكانه بالمقعد الأمامي لجانب (مرافقه الخاص) بالسيارة (الهمر) الغالية الثمن، في نزهة بحرية، إضافة لزيارة العيادة البيطرية كل غرة شهر، للاعتناء بصحته، وقد أخذ من العناية مأخذه من أطعمة خاصة به، وربطة (العنق) الجلدية الثمينة، وسلسلة مطعمة بماء الذهب والتي يزيد طولها على المترين، وذات رباط جلدي فاخر بمعصم المرافق الشافق عليه!!

فيا مدام برجيت باردو، ما ناله الكلب جاري، من أطعمة خاصة وأكسسوارات ثمينة وفسحة بسيارة الهمر الغالية الثمن، أليس هذا كفيلاً بمرافقه أن ينال من جمعيتكم الانتساب لها لكي ينعم بشرف العضوية، فقد اعتنى وترفّق به، أشد مما يعتني بنفسه، فشعره المنكوش بشكل فوضوي، وقميصه ذو الشخابيط من العبارات الإنجليزية وصورة المتمرد جيفارا على (مؤخرته) وبنطاله لما فوق الركبة والمشغولات الفضية كالقلادة والبلاك ظاهرة على العنق والمعصم، والجسم غير المتناسق مع بعضه البعض يذكِّرني مصارعي الملاكمة (الساموا) وأخلاقهم النزقة.

ودعيني يا برجيت باردو، أن أسرّ لك القول إنه ليس لدينا ناس تقسو على الحيوانات، ولكننا نمقت الطريقة الحاصلة حالياً عند بعض الشباب في التآلف معها من باب السمة الحضارية ليس إلاّ، بينما كان بالأمس البعيد (الكلب) هو المرافق للرعاة البدو الذي يحرس أغنامهم من شراسة الذئاب وعبث الثعالب، كما تستخدمه البادية في رحلات الصيد، وقيل إنه المخلص لمن يعتني به، ولكن كل ذلك في الصحراء حيث (البدو) الرحل، نحو الكلأ والماء في المراعي الصحراوية القاحلة الموحشة والتي تحتم الضرورة وجود (الكلاب) في حراسة ماشيتهم. أما اليوم فلا ضرورة هناك تحتم بقاءها في البيوت.

ولا ننكر أيضاً فوائده في مصاحبة رجال (البوليس) في اقتفاء أثر المجرمين في الجبال والأدغال والغابات، وإرشاده لرجال (الجمارك) في الكشف عن (المهرّبات) ومصاحبته (للمكفوفين) في تلمُّس طرقهم، وفي حراسة للمزارع وغيرها، ولكن ما ننكره ونحتقره معاً، تلك الصفة المعمول بها حالياً في مصاحبة (الكلاب) وجلبها للمنازل وما تسببه من إزعاج (للجيران).

برجيت باردو أيتها الفاتنة في عز شبابك، و(المفتنة) في تصريحاتك، أرجو أن لا تحسبي هذا القول ب(الفتنة) فما أنا بالفاتن ولا المفتتن بك بعدما تخطى عمرك السبعين عاماً، فإما أن تعيدي الكلب جاري لحظيرة حديقتكم وإلاّ ...؟!

وما ان سمعت كلمة إلاّ..؟! قطبت حاجبيها واكفهر وجهها وظهرت تجاعيد سحنتها السبعينية، وصرخت بوجهي كإحدى صرخاتها السينمائية التمثيلية مهددة متوعّدة بالنّيل مني إذا مسست الكلب جاري بأذيّة، فارتعدت فرائصي وابتعدت خشية أن يصيبني أذى، وقلت بصوت عالٍ ظاهرياً وعلى مسمع من المدام برجيت، من حق الكلب الرعاية والانتصار له من قِبل جمعيتكم، وقلت في نفسي وبصوت غير مسموع ومقموع بالخوف، اللعنة على الجمعية ومؤسسة الجمعية، التي خلقت نوعاً من الظاهرة الغربية المزرية عند بعض الشباب، وما يحصل منهم من هباب في تربية الكلاب.

ولم يشف غليلي الشتم والردح على طريقة ما هو حاصل بالفضائيات العربية الضائعة عن حسن التصويب الإعلامي الناجح، فكلت السباب لجمعية الرفق بالحيوان ومنشئتها التي فضّلت الرفق بالحيوان دون الرفق بالإنسان، وتماديها في الإمعان في إهانة الإنسان في إثارة الكراهية للمسلمين في فرنسا.

قلت وكأنني أنادي من بئر عميقة، يا برجيت ... إذا كان قد انتقضتِ وأخذتك النخوة لفصيلة من فصائل جمعيتك الخائبة لمثل الكلب جاري، وانتصرتِ للحيوان ضد الإنسان، فهذا يعني ضحالة الفكر لديك في القول والتصرف الأهوج ... وإذا ننسى فلا ننسى تصرفاتك المشينة المغرضة ضد الإسلام والمسلمين، لإثارة الكراهية ضدهم، وقد حكمت المحكمة الفرنسية بتغريمك ثلاثة وعشرين ألف دولار، وامتناعك عن حضورها، إضافة لمحاكمتك على رسالتك التي وضعتيها في موقعك على (الإنترنت) قلتِ فيها إنّ المسلمين يدمّرون بلادنا بفرضهم طريقتهم بالحياة، عبر رسالة ارسلتيها لوزير الداخلية الفرنسية وقتها (نيكولا ساركوزي) عام 2006 مندّدة فيها بذبح المسلمين للأضاحي في عيدهم الكبير.

نحن لا يهمنا النباح البعيد، ولكن يهمنا ويقلق راحتنا النباح القريب الذي يضجرنا في مهاجعنا، والبركة في جمعيتكم التي كرّست معنى الحب والولاء لمثل هذه (الكلاب) عند ضعفاء النفوس وعديمي المفهومية، وقد تحوّلت بعض المنازل الأسرية إلى (حظيرة) لتربية القطط والكلاب، التي ينفق عليها أكثر مما ينفق على بني آدم من الفقراء والجياع وما أكثرهم.

فهذه التقليعة السيئة مضرة أكثر مما تكون نافعة، لما تحمله بعض هذه الحيوانات من أمراض ونجاسة في فرائها، فكيف نسمح لأنفسنا أن تدخل بيوتا وتنام في غرف نومنا، وهي غير المقبولة ظاهرياً حتى نأتمنها في دخول مطابخنا والإقامة بين إخوة صغار لنا لا يدركون معنى وجودها بينهم، وفوق هذا وذاك لما تسببه من إزعاج للجيران دون مبالاة وقد فضّلنا بطريقتنا تلك .. فضّلنا راحة الحيوان على راحة الإنسان، غير عابئين ومدركين ما (للجيرة) من حقوق على الجار في حسن التعامل، كالزيارة والمؤازرة له في السراء والضراء، ولكن (هيهات) من جيل اليوم الذي لا يعرف مثل هذه العادات الجميلة التي نفتقدها في زمننا الحاضر والذي يخيل لي أنها اندثرت، في زمن التقليعة الغربية الوافدة في المأكل والملبس والتعامل مع الجيران، دون رادع أو حياء.








 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد