Al Jazirah NewsPaper Thursday  18/12/2008 G Issue 13230
الخميس 20 ذو الحجة 1429   العدد  13230
مخطئ.. لا زنديق

في تعقيب للأخ عبدالعزيز العسكر في عدد (الجزيرة) رقم 13215 الصادر يوم الأربعاء 5-12-1429هـ تحت عنوان (تسويغ الخطأ خطأ أكبر)، أورد مسائل مهمة حول الفتوى وحول تتبع الرخص، وقد أفاد وأجاد إجمالاً، إلا أنني أرغب زيادة تسليط الضوء على المقالة المشهورة في كتاب التراث وعلى ألسنة كثير من الدعاة وتداعياتها التي أوردها في تعقيبه، وهي: (من تتبع الرخص فقد تزندق) هذا هو نصها فيما قرأناه وسمعناه من كثير من الخطباء والوعاظ، والحقيقة أن هذه الجملة أو المقولة تحتاج إلى إعادة نظر وتمحيص وتصحيح؛ فإطلاق هذه العبارة توهم أن المقصود الرخص جميعها، بما فيها الرخص الشرعية التي جاءت للتيسير على العباد كرخص السفر مثلا، أو الرخص الاجتهادية المبنية على قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) فيقع السامع لها في الحرج والتضييق على نفسه، فالرخص المقصودة في هذه العبارة هي زلات العلماء، والأقوال الشاذة التي ليس لهم سند من كتاب أو سنة، ويجب أن نقول بدلاً منها: (من تتبع زلات العلماء والأقوال الشاذة فقد زل وأخطأ) ولا نقول زنديق فالزندقة أصلها كلمة فارسية (زنده كرد) وتعني الكفر والإلحاد الباطن، والزندقة، كما في المعجم الوسيط (مذهب القائلين بدوام الدهر من أصحاب زرادشت) ا.هـ، وهي كلمة مرادفة لكلمة منافق عند بعض المسلمين، وهي تطلق عموماً على صاحب المجون والانحراف في أصول مسائل الدين وقيمه الأخلاقية الأساسية، وإتيان الرخص الشرعية من الاشياء التي يحبها الله ويجب أن يحرص عليها المسلم، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه الإمام أحمد، وله شاهد، والعمل عليه وصححه ابن خزيمة وابن حبان، كما في بلوغ المرام، بل إن الرخص الشرعية، كما ذكر الأصوليون تكون أحيانا واجبة كأكل الميتة مخافة الموت من الجوع، وأحياناً مندوبة وأحياناً مباحة، لذا لابد أن نفرق بين رخصة لا دليل لها، وبين رخصة ورد بها الدليل، وبين رخصة تعارض الدليل، وأخرى لا تعارضه، فكل منها له حكم وتحرير، لذا نقول وبكل اطمئنان (من تتبع الرخص الشرعية فقد وافق السنة ووافق محبة الله) وهذا من اليسر الذي جاءت به الشريعة، واليسر ورفع الحرج من أصول الشريعة ومقاصدها المطلوبة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- كما ورد في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خيّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمرين إلا اختار أيسرهما..) الحديث، وهذا في الأمور كلها حسب ظاهر الحديث، وفي مسائل الشرع لو تكافأت الأدلة حول مسألة ما، ولم يترجح أحدهما على الآخر فالخيار للأيسر والأسهل، أما إذا ترجح أحدهما على الآخر فاليسير والرخصة مع الدليل الراجح وليس المرجوح، إذا نشأ من ذلك مشقة وعسر فالعمل بالقاعدة: (المشقة تجلب التيسير)، أما قول الأخ عبدالعزيز: (والمعتبر في الأمور وغيرها إجماع فقهاء الأمة وكبار العلماء ولا يلتف للشذوذ من الأقوال المنسوبة للعلماء) ا.هـ، فأقول الإجماع دليل من أدلة الأحكام الشرعية المعروفة، أما في مسائل الفقه فالإجماع فيها قليل، أما الأقوال الشاذة فهي مردودة وليست من الشريعة في شيء، والحكم الشرعي غير الفتوى، فالأحكام الشرعية موجودة ومتوفرة في كتب الفقه، ويصل إليها طالب العلم متى شاء، ولكن الفتوى هي تنزيل الحكم على حالة المستفتي ووضعه وواقعه، وهذا هو الفيصل بين الفقيه العالم وغيره، وهو ما يسمى تحقيق مناط الحكم، والتيسير ورفع الحرج يجب أن يكون إطاراً للفتوى، وبيان الرخص الشرعية للمستفتي من واجبات الفقيه إذا كانت مسألته تدخل ضمنها.

سليمان صالح الدخيل الله – بريدة



 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد