تعقيباً على ما كتبه الإخوة في جريدتنا الجزيرة وهم الأستاذ سليمان العمري يوم 21 -12- 1429هـ والمهندس صالح النفيعي والأخت سعاد الحواس يوم 8-1-1430هـ عن زواج التراضي المسمى (بزواج المسيار) والكل ينتقد هذا النوع من الزواج لأسباب منها ما قيل بفشله في بناء أسرة على نحو أكمل وأنه أدى في معظم الزيجات إلى تزايد الطلاق بين الأزواج (غير المسيارين) وقيل بعدم استمراره وقالوا إنه مغامرة بأقل التكاليف وأنه يسوّق له من قِبل من يتاجرون بزواج المسيار ويستغلون حالات اجتماعية صعبة أو حالات نساء وضعتهن ظروفهن القاسية لأن يقبلن بهذا النوع من الزواج، وقالوا إنه قد يتسبب بالعزوف عن الزواج العادي ذي المقاصد (الإنجاب والسكن النفسي والمودة والرحمة ورعاية الأولاد والأسرة) وقالوا: (وهذا اعتراف) على الرغم من أن هذا الزواج مغامرة إلا أنه بُني على عقد شرعي مكتمل الشروط والأركان وفيه إعفاف لكثير من النساء ذوات الظروف الخاصة، بل يحد من الانحرافات في المجتمع إلى آخر ما جاء في تلك المقالات.
هنا أقول لهؤلاء ولكل من كتب عن هذا الزواج وتحامل عليه للعلل السالف ذكرها، أقول: ليس من يده في الثلج كمن يده تحترق في النار، وأقول دعوا كلاً ينام على الجانب الذي يريحه ولن تكون هناك امرأة مضروبة على يدها لتتزوج زواج تراض أبداً ولا شك أن من تقبل على هذا الزواج لديها ظروف أجبرتها على ذلك (ومن أجل تحقيق هدف ذي مصلحة لا بد من ركوب المصاعب)؛ أي لا بد من التضحية فإما أن تكون المرأة عانساً أو أرملة أو مطلقة تتمنى من يؤانسها ويقضي حاجتها ولو على فترات بعيدة لتعف نفسها عمّا حرَّم الله، أو أنها تتمنى أن تنجب طفلاً أو طفلة يملآن عليها الدنيا وتسمع من أي منهما كلمة (ماما) وتضمه إلى صدرها فتفيض عليه أو عليها من العطف وحنان الأمومة مما قد أودعه الله بصدرها، أو أن تكون أم أيتام تقصد من يحميها ويساعدها على ظروف الحياة بدلاً من أن تمد يدها للآخرين، وقد يفعل الرجل ذلك إما بسبب غربته وبعده عن زوجته وليعف نفسه عمّا حرّم الله أو أن تكون زوجته مريضة مرضاً مستداماً لا تستطيع خدمته أو إشباع غريزته الجنسية.
هذا من جانب، ومن آخر، فالطلاق إن زادت نسبته بسبب وجود هذا النوع من الزواج فهذا أمر طبيعي نظراً لازدياد الزواجات على الحالتين، أما كونه قد يزيد من طلاق (غير المسيارين) فلا أجزم بذلك وإن حصل فنادر جداً لأن الرجل عاقل لا ينتقل من الزواج الأول إلى المسيار خاصة إذا كان ذا أبناء وبنات ولن يكون البديل الأرخص أفضل من الزواج الأغلى ثمناً فالذهب لا يعلو على الفضة دون شك وغالب زواج التراضي يحصل من رجال متزوجين ولأجل حاجة ملحة وإن حصل من الشباب فلا شك أن الدافع غلاء المهور وتكاليف الزواج التي تصل لحد الإسراف وأجزم أن من سبق له الزواج لن يتخذ المسيار كلعبة لأنه سيقدّر ظروف المرأة ويعيد بصره كرات وكرات لأنه من المؤكّد سيكون له بنات ويخشى أن تدور عليه الدوائر، ولقد علمنا عن تحول بعض من هذا الزواج إلى زواج عادي وبنى أسراً يسودها الحب والوئام، واما أن توضع لهذا الزواج ضوابط من قِبل متخصصين تسهم في استقراره وتحفظ للمرأة كرامتها وحقوقها المادية والمعنوية فأجزم أن ذلك من المستحيلات لاختلاف وتعدد الأسباب الداعية إليه من قبل المرأة خاصة، علماً بأن بقاء المرأة بدون زوج مهما كانت تكون قد فقدت نصف حياتها، بل أكثر وإنما يجب توعية طالبات أو قابلات هذا الزواج بالتأكد من جدية طالب يدها وأن ليس قصده متعة لفترة ما، وعلى الرجال مخافة الله وألا يقدم واحدهم على هذا الزواج إلا من حاجة وتأكيد استمراريته.
أما الأمر الثالث فأقول يا أيها الإخوة والأخوات هذا أمر شرعي ويتم عقده بعد اكتمال أركانه وبني على قناعات من الطرفين وتراض بينهما وعلى شروطهما فلمَ الاعتراض؟ والأهم من كل هذا وذاك أنه قد صدر بشأنه فتوى شرعية من قِبل مجمع الفقه الإسلامي الذي سبق أن انعقد منذ أكثر من سنتين بأكثر من ستين عالماً وفقيهاً وأكّدوا على جوازه وصحته فلم نلت ونعجن ونحرّم ونحلّل ونجوّز ونمنع ونسخط الآخرين على من فعله.. وأخيراً فالأفضل أو الأوجب أن نبحث عن أمور تقلِّل منه كأن نسهل على الشباب بنين وبنات الزواج وأن نخفف المهور ونقلِّل من تكاليف الزواج وأن تقبل الأمهات بالتعدد وتحتسب ذلك على الله حينما تحسن مقاصدها ولو حصل هذا لتلاشى زواج التراضي ولقل عدد العوانس والمطلقات والأرامل من الوجود ولكن هل نستطيع أن نفعل..؟ أتمنى ذلك.
صالح العبدالرحمن التويجري