Al Jazirah NewsPaper Friday  30/01/2009 G Issue 13273
الجمعة 4 صفر 1430   العدد  13273

حديث المحبة
عذرا أيها الإمام.. عذرا عمرو بن كلثوم
إبراهيم بن سعد الماجد

 

لا أجد استهلالاً لهذه المقالة التي لا تختلف عن سابقاتها في الهدف، فكل الهدف نصرة قضية الأمة الأولى (فلسطين) وفي هذه الأيام (غزة) تحديداً أفضل مما قاله الإمام الشافعي - رحمه الله - حيث يقول:

وإني لمشتاق إلى أرض غزة

وإن خانني بعد التفرق كتماني

سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها

كحلت بها من شدة الشوق أجفاني

فالإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، ولد سنة 150 للهجرة في (غزة) وكان أبوه قد هاجر من مكة إلى غزة بفلسطين بحثا عن الرزق لكنه مات بعد ولادة محمد بمدة قصيرة فنشأ يتيما فقيرا، وعادت به أمه إلى مكة وهو ابن سنتين، ومع ذلك فقد حن إلى التربة التي ولد فيها، وتمثل بهذه الأبيات.

واليوم ونحن مع (غزة) نعيش المأساة التي يشيب منها الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، نردد مع الإمام الشافعي هذين البيتين، حباً لهذه الأرض.. أرض العلم والجهاد.. أرض العزة والكرامة، في زمن ضاعت فيه الكرامة العربية بل والإسلامية، خنوع وخضوع وانكسار، وما ذلك إلا بسبب تكالب الأمة على الدنيا وركونهم إليها، وضعف جانب التوكل على الله سبحانه وتعالى.

عذراً أيها الإمام.. فما تتوجد عليه غارق في الدم العربي المسلم، ومختلط بالأشلاء وجماجم الأطفال.. غارق في دموع الثكالى والشيوخ والمقعدين، ومع ذلك فنحن غير قادرين على أن ننقذ طفلاً ولا أن نغيث ملهوفاً ولا أن ندفع نقمة حلت بأهل تلك الأرض المباركة.

عذراً.. فنحن أضعف مما يمكن أن يتصوره عاقل.. ولكننا بحق نجيد النحيب ونجيد الصراخ والعويل، كما نجيد وببراعة اتهام بعضنا بعضا..!!

لو كنت معنا أيها الإمام لخررت مصعوقاً من حالنا وتفريطنا في حقوقنا وارتمائنا في أحضان أعدائنا، وبلا خجل..!

عذراً أيها الإمام.. فالحقيقة مرة أمرّ من العلقم، ولكننا مؤمنون بأن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا، وحال غزة كما حال فلسطين كلها استحكم العدو بأهلها فضاقت بهم الأرض بما رحبت، ولكننا نردد معهم قول القائل:

ضاقت فلما استحكمت حلاقتها

فرجت وكنت أظنها لا تفرج

وهي اليوم أشد ما تكون الكربة، وأعظم ما يكون البلاء، وأخطر ما يكون الامتحان، فعذراً أيها الإمام إن قصرت خطانا نحو نصرة أهلنا هناك في (غزة) عذرا عذرا.

أما أنت يا عمرو بن كلثوم.. أيها الفارس الشجاع فاعتذاري إليك لأن حال الأمة لم تعد كما كنت تعلم، فرقة وضعف وهوان على الناس.. لم تعد كما كنت تعتد وتقول:

بأنا نورد الرايات بيضا

ونصدرهن حمر قد روينا

فلم تعد الرايات هي الرايات ولم تعد السيوف هي السيوف.

عذراً أيها الفارس فلسنا نحن من يمكن أن يكون كما قلت:

بأنا المطعمون إذا قدرنا

وإنا المهلكون إذا ابتلينا

وإنا المانعون لما أردنا

وإنا النازلون بحيث شينا

وإنا التاركون إذا سخطنا

وإنا الآخذون إذا رضينا

وإنا العاصمون إذا أطعنا

وإنا العازمون إذا عصينا

ونشرب إذا وردنا الماء صفوا

ويشرب غيرنا كدرا وطينا

بل صرنا نتجرع الآلام ونشرب كدر الماء على أمل فرج آت طال زمانه.

عذراً عمرو بن كلثوم.. فسيوفنا صارت من قش ولم تعد النخوة إلا حديث مجالس لعصور مضت.

عذراً.. فنحن بتنا نفاخر بالأجداد وكأن القائل الذي قال:

إن الفتى من قال هأنذا

ليس الفتى من قال كان أبي

كأنه كان يعنينا في هذا الزمن الرديء، فنحن بحق نفاخر برجال كانوا ملئ السمع والبصر، نخوة وشرفا ومروءة.

عذرا أيها الفارس التغلبي فالزمان غير الزمان والرجال غير الرجال.. عذرا.. عذرا.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد