بالرغم من عمر الهيئة العامة للسياحة والآثار القصير، قياساً على اهتمام الدول بهذا المرفق الهام والمؤثر، إلا أني لا أملك إلا أن أسطر إعجابي، ويتمحور الإعجاب حقيقة بعيداً عن المجاملة بسياستها النموذجية والحضارية في ذات الوقت، فخلال سنوات معدودة حققت حضوراً لافتاً؛ مما مكنها من تمرير المفهوم السياحي الشامل بكل أبعاده وفق برنامج إعلامي محكم؛ فكان استيعاب المفهوم من قبل المجتمع مواكباً للتطلعات، والتطلعات بطبيعة الحال مقترنة بالأهداف التي تجسدها واقعاً، ولتحقيق الأهداف فإن هذا الأمر يتطلب تكاتفاً واعياً ومسؤولاً من المواطن ومن الجهات الأخرى التي ترتبط بأهداف الهيئة ومصالح المستثمر والمواطن؛ إذ إن الهيئة تعمل على عدة محاور؛ فهي تلعب دوراً رئيساً من خلال المقاربة وتذليل الصعاب أمام المستثمر، وفي نفس الوقت إقناع المستهلك بجدوى منتج المستثمر، وقد بدأ مؤشر التحديات يلوح في الأفق طبقاً لهذه المعطيات، ولا سيما أن الهيئة أصبحت مسؤولة مسؤولية مباشرة عن مرافق الإيواء والفنادق بعد انتقال الإشراف عليها من وزارة التجارة إلى الهيئة العامة، وآمل أن يستمر الحماس ولا يتأثر وفقاً للمؤثرات التي ربما تتمخض عن اختلاف الرؤية أو بالأحرى تباين المنظور من حيث الارتقاء والتطوير؛ فنظرة الهيئة تختلف عن نظرة الوزارة لأسباب تقنية بحتة، بمعنى أن المرافق مستوفية للشروط من الناحيتين التنظيمية والإدارية، ولكنها من الناحية الفنية حققت الحد الأدنى، وهذا بطبيعة الحال لا يتواكب مع التطلعات؛ فالمرافق السياحية تعتبر من أبرز الشواهد ليس على رقي المنطقة فحسب بل على رقي مستوى أهل المنطقة؛ وبالتالي فإن الهيئة بوثبتها الجبارة لن يشبع نهمها ونهمنا إلا بلوغ الحد الأعلى، خصوصاً في هذا المجال الحيوي الذي يعول عليه كثيراً في رفع المستوى الاقتصادي كمصدر دخل قومي لا يستهان به؛ من هنا فإن الهيئة ستواجه صعوبات وتذمراً ممن تشملهم ضريبة الرقي في المستوى إلا أنه في نهاية المطاف سيصب في مصلحتهم ومصلحتنا بل ومصلحة الجميع. ومما يميز الهيئة المرونة بهذا الصدد؛ فهي تقف مع من يتطور وتسانده. وانطلاقاً من هذا الاتجاه فإن توسيع نطاق صلاحيات الهيئة سيتيح لها المجال لتلعب دوراً بارزاً في الارتقاء بالمستويات على نحو يواكب الطموحات، وأود أن أعرض بعض المقترحات سعياً إلى تذليل الصعوبات وتجاوز المعوقات بتوفيق الله عز وجل:
1- إن من أبرز التحديات التي تواجه الهيئة، في تقديري، هي الهجرة من الريف إلى المدن وتدفق الآلاف من القرى والهجر والمدن الصغيرة إلى المدن الكبيرة، وهذا بلا ريب يشكل عبئاً ليس على قطاع السياحة فحسب بل على التنمية بشكل عام؛ ففي الوقت الذي أنفقت فيه الملايين لإنشاء بنية تحتية لا يستغل 10% من طاقتها نجد الحمل على البنية التحتية في المدن الرئيسية تستغل بأكثر من الطاقة الاستيعابية المحددة لها؛ مما يتسبب في الأعطال المتكررة التي تصيب المرافق الحيوية المؤثرة كالماء والكهرباء والطرق وغيرها، ويشكل هدراً للوقت والجهد والمال في ظل غياب التوزيع السكاني المتوازن في مختلف المناطق. ومما يعزز من تفعيل هذا التوجه التوسع في إنشاء فروع للجهات الحكومية لحث الراغبين على العودة إلى المناطق الصغيرة، ولا سيما أن التقنية بهذا الخصوص سهلت كثيراً في التواصل وعدم الركون إلى المركزية بهذا الصدد، وحبذا لو وضعت الهيئة العامة للسياحة كذلك هذا الجانب في الاعتبار ولا سيما أن حضورها الإعلامي متميز وكسبت ثقة الجميع بأن ترفق رسالة إرشادية بأهمية إعمار المدن والهجر والقرى وعدم هجرها وإدراج هذا الأمر في نطاق أهدافها.
2- الدعم الفاعل لتحقيق هذا التوجيه من خلال دعم المشاريع السياحية خارج المدن في ضوء المعطيات التي تحقق الأهداف ولا سيما أن إقامة المشاريع السياحية ستشكل مصدر جذب مؤثر؛ وبالتالي فإن تحقيق التوازن ستؤسس له الخطوات الانسيابية والتكامل المرن بين الجهات الحكومية المختلفة.
3- الإشراف الكامل على المحطات والاستراحات على الطرق الطويلة، خصوصاً أن مستواها دون الحد الأدنى وليس المتوسط، ولا تعكس إطلاقاً جمال المدن وفنها المعماري بمستواها الهزيل، والهيئة كما أسلفت برؤيتها البعيدة وخبرتها خير من يتولى تصحيح ومعالجة أوضاعها.
وختاماً يحدونا الأمل في استمرار نهج الهيئة بحماسها ونشاطها ونتطلع كذلك إلى منح الهيئة مزيداً من الصلاحيات التي بموجبها تستطيع أن تختزل الوقت والجهد بفكر سديد ورؤية حضارية ترنو إلى إبراز الجانب المشرق والمضيء لمملكتنا الحبيبة، وتدعم المستثمرين والمستهلكين بلوغاً إلى النتائج المرجوة، وبالله التوفيق.. ولكم تحياتي.
hamad@asas-re.com