إن التأمل في بعض ما جرى في الحدث نفسه، سواء من أهل فلسطين في قلب الحدث، أو من سائر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، تجلَّى فيه معاني عقدية غاية في الأهمية، من الضروري استمرارها، وإحياؤها في النفوس، وتجديدها على أرض الواقع ومنها:
أ- الحدث كله قضاء وقدر من الله تعالى، ابتلى به مباشرة أهل غزة، وابتلى به غيرهم بشكل غير مباشر.
و(القضاء والقدر) ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان العبد إلا به، كما في حديث جبريل -عليه السلام- عندما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، فأجابه بأركان الإيمان، ومنها: (أن تؤمن بالقضاء والقدر).
إن استشعار هذا الركن وإحياءه في النفوس يورث قوة الثقة بالله تعالى، وعمق الطمأنينة، والدافع المعنوي، بأن ما حصل لحكمة يريدها الله تعالى، فيعلي به أقواماً، ويذل به آخرين.
كما أن استشعار هذا الركن العظيم يورث قيمة من أعظم القيم، وهي قوة الصبر والتحمل، الذي هو من أقوى عوامل الفوز والنجاح.
ومن هنا: يؤكد على إحياء هذا الركن العظيم في النفوس، وبثه بين الناس.
ب- في الحدث تجلّى معنى عقدي عظيم، وهو اللجوء إلى الله، والتوكل عليه، فتخاذل الدول الكبرى، والتباطؤ المشين منهم، والحيرة في البداية لدى كثير من الدول العربية والإسلامية، والعدو يضرب الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة، ويدمر البيوت والمستشفيات، ودور التعليم، وغير ذلك، كل هذا جعل أولئك الذين تحت القصف والدمار، والآخرين الذين لا حول لهم ولا قوة، يدركون تماماً أنه لا نافع إلا الله تعالى، ولا مدبر إلا هو، فيقوى عندهم هذا التوكل العظيم.
وعليه فمن الخير العظيم أن نحيي هذا المعنى في جميع شؤون حياتنا، وفي المدلهمات بخاصة.
ج- ومن المعاني العقدية التي ظهرت بوضوح معرفة كثيرين لأهمية دعاء الله تعالى ومسألته، فهو السلاح الأكبر، والنافذ بقوة، والله - سبحانه- قد تكفل بإجابة الدعاء، ويحب -سبحانه- إلحاح الملحين، وكم يؤسف العاقل أن يسمع كلمات من هنا وهناك، تهمش شأن الدعاء، وهذا أمر عجب، ألا يعلم هؤلاء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمضى ليلة بدر كلها بالدعاء. حتى سقط رداؤه -عليه الصلاة والسلام- وأشفق عليه صاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-.
كم نحن بحاجة إلى إحياء هذا المعنى، وبخاصة التذكير بما يتعلق بأهمية الدعاء وشروط الإجابة، وموانعها!
إن الناظر في مجتمعات المسلمين يعصره الأسى وهو يرى موانع الإجابة، وبخاصة المعاصي، ومن أشدها، التعامل بالمحرمات، كالتعامل بالربا، فالله -سبحانه- طيب لا يقبل إلا طيباً، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكم يسعد المرء في هذه القضية وهو يرى الأطفال قبل الكبار يرفعون أيديهم للدعاء على اليهود؟! لا شك أن ذلك علامة توفيق، نأمل أن يُعلى قدرها، ويواصل في الاستمرار فيها.
د- ومن المعاني العقدية التي أظهرها هذا الاعتداء الوحشي التفاؤل، وحسن الظن بالله تعالى. وكما قيل في المعنى السابق يقال هنا، فمع شدة القصف، وتعطل جميع المقدرات، يبرز هذا المعنى الدقيق، وهو الاستبشار بما وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالنصر، بمفهومه الشامل، الذي يجب أن يتعلمه المسلم -كما سبق- في المنطلقات.
وهذا يتم من خلال النظر في المكتسبات، والخسائر من الأطراف المعينة، ومن خلال النظر في المستقبل في ضوء المعطيات العامة.
إن إحياء التفاؤل، وحسن الظن بالله تعالى، يبعث في النفس الطمأنينة، والسكينة، والقوة المعنوية للاستمرار نحو العلو في جميع الأمور، وبالاستمرار في المقاومة الحقة في هذه القضية المصيرية.
يبقى أن يؤكد على معنى دقيق في أثناء الكلام عن التفاؤل، والاستبشار، وهو أن هذا التفاؤل ينبغي أن يكون مبنياً على معطيات واضحة -نظرية وتطبيقية- وليس مبنياً على مجرد استبشار، وذلك بناء على منطلق العمل بالأسباب، وألا يؤدي هذا التفاؤل إلى التحقيق في أفق الخيال، فيعيش الناس في خيال مستمر.
علينا تفعيل التوازن البعيد عن اليأس والقنوط، وعدم العيش في خيال مقعد عن العمل.
هـ- ومن المعاني العقدية أيضاً تجلي مفهوم الولاء لله سبحانه وتعالى ولدينه ولعباده المؤمنين، والبراء من الكفر وأهله، ولا شك أن مما يتعين على أهل العلم بيان التفصيل في هذا المعنى الكبير بما جاء عن الله تعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- حتى لا تزل به الأفهام.
***
6- مما أكده هذا الحدث الضخم إبراز صورة الصراع بين الحق والباطل، إبرازاً يبعد الشك في أي من مقرراته، أو تلبيسه بأي لبوس يبعد جوهره.
إن إبراز هذه الحقيقة يجعل أهل الحق، وأهل الرشد والرأي - بخاصة- يكرسون العمل الجاد بالعمل بالحق، ونشره، والسعي للتمسك به، والدفاع عنه، وعمل البرامج العلمية لترسيخه، وتجذيره، وأخص هنا البرامج التربوية العلمية، ومنها:
أ- نشر العلم الشرعي المبني على القرآن الكريم، والسنة النبوية، والسيرة الزكية العطرة، حفظاً، وتعليماً، وعملاً، بكل وسائل النشر، وتربية الأجيال على ذلك.
بالعلم الشرعي نحافظ على أصولنا.
وبالعلم الشرعي تتحد رؤيتنا.
وبالعلم الشرعي تتضح منطلقاتنا.
وبالعلم الشرعي نسدد أحكامنا.
وبالعلم الشرعي يَسلم مسارنا.
وبالعلم الشرعي نصل إلى غاياتنا.
لست بحاجة إلى حشد الأدلة لبيان أهمية هذا المعنى لوضوحه وجلائه.
وبناءً على هذا المعلم الكبير نؤسس برامج:-
- لتحفيظ القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه.
- لإقامة الدروس؛ لتفسير القرآن الكريم.
- لحفظ السنة البنوية، ونشرها، والدفاع عنه.
- لإقامة محاضرات، ودروس، في السيرة النبوية العطرة.
هكذا نوحد مسارنا المبني على أصول ومنطلقات ثابتة، وتسد كثير من الفجوات التي ظهرت بين أبناء ملتنا في هذه الحرب.
من المؤمل جداً ألا نطفئ جذوة انفعالاتنا تجاه هذه الحرب العاتية، بتبجيل ذواتنا بالنصر، دون أن يصحب ذلك برامج عملية مستقبلية، مبنية على العلم الحق من مصادره الحقة.
ب- إن إدراك سنة الصراع: يضفي على المؤمن العاقل بحق قدراً كبيراً من الطمأنينة والرضى، وفي الوقت نفسه يعطي دافعاً قوياً للاستمرار في الأعمال العلمية، والتربوية، والدعوية، المتضمنة لنشر الخير، ونفع البلاد والعباد، وهكذا كانت سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان على هذا العهد -عليه الصلاة والسلام-، رغم شدة المواقف في حياته كلها، ابتداء من ولادته يتيماً، مروراً بشظف العيش، وببعثته -عليه الصلاة والسلام- وتحدي قومه له، وعمل المعوقات ضده، إلى غير ذلك مما واجهه -عليه الصلاة والسلام-، ومع هذا كله كان يتمتع -عليه الصلاة والسلام- بقدر كبير جداً من الرضى الباعث على العمل، ولم يقعد عن العمل لحظة من اللحظات، حتى في عام الحزن، وفي أحلك الظروف في مثل غزوة الأحزاب.
إن مجرد الاستمرار في الأعمال هو ثمرة من أهم الثمرات التي تخلفها مثل هذه الأحداث الكبار.
ج- كما أن إدراك سنة الصراع الدائمة يؤكد على أمر في غاية الأهمية، وهو ضرورة التثبت، وعدم الاستعجال، في الآراء، والتحليلات، ونقل الأخبار، والنصوص، والفتاوى الفردية، والانفعال تجاه موقف.
آمل ألا يقول قائل: إن إشاعة هذا المبدأ -التثبت- شعار يبعثه القاعدون المتكاسلون. فهذا القول وأمثاله مما أظنه من تلبيس الشيطان؛ لأنه هكذا يلغي من نفوس أهل الطاعة المعاني العظيمة، التي نحن بحاجة أن نجعلها عناصر مهمة في تعاملنا مع برامجنا المستقبلية.
وكما نقول عن ضرورة الاستمرار في الأعمال المبنية على العلم فنقول أيضاً أن يبنى هذا الاستمرار على قدر كبير من الروية وعدم الاستعجال.
د- أن إدراك هذه السنة من سنن الله تعالى، يبعث في النفس عدم الضيق والحنق من وجود الباطل، فليعلم أنه موجود منذ أن عاند إبليس بعدم الاستجابة لأمر الله تعالى في السجود لآدم إلى يوم القيامة. ويدرك المؤمن أنه مع عدم الضيق أن يعلم أن مهمته العمل للحق، وليس مجرد القضاء على الباطل، وإنما إبلاغ الحق للناس، قال تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} وقال: {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ}.
ومن مقررات هذا التصور الدقيق أن يسري هذا على جميع برامج مغالبة الحق للباطل.
إن المؤمن الحصيف عليه أن يستشعر كل هذه المقررات؛ ليتخذ منهجه الخاص، وبرامجه الخاصة والعامة في ذلك.
ومن أهم معالم هذا المنهج البعد عن التضييق على النفس، أو على المجتمع حال تصوره غلبة الباطل، وإنما النظر بعين البصيرة لمنهاجه الحق.
المشرف العام على شبكة السنة النبوية