تحقيق - غالب السهلي
أفرزت الحياة العصرية الكثير من الضغوط النفسية التي تلاحق الإنسان منذ طفولته وطوال حياته مما جعلته عرضة للإصابة بالأمراض النفسية، فمنا من يتمكن من التغلب على تلك الضغوط والصمود أمامها فيهزمها ويتحرر من أمراضه النفسية، ومنا من يفشل في التعامل معها فيلجأ إلى كبتها والحرص كل الحرص على عدم معرفة أحد بها حتى ليصبح أسيراً لأمراضه النفسية.
فعلى الرغم من التقدم الكبير الذي حققه الطب النفسي في العالم إلا أنه لا يزال يعاني في بلادنا عثرات تقف دون تقدمه، ولعل من أهم هذه الصعوبات هي المعتقدات الخاطئة والجهل حول المرض النفسي والطب النفسي. فلماذا الخجل من زيارة الطبيب النفسي ؟ هل لقناعة بأن مراجع الطبيب النفسي إنسان مجنون؟ أم أنه مجرد الخوف من كلام الناس؟.
وحتى نعرف الإجابة نقرأ ما تحدث به ذوو الاختصاص عن هذا الموضوع:
دع الخجل وزر طبيبك
يقول أبو إبراهيم صاحب تجربة سابقة: الإنسان يحب أن يظهر دائما في عيون الآخرين بصورة كاملة، والمرض النفسي نوع من النقص في نظر صاحبه، لذلك يسعى المريض النفسي بكل مايملك إلى التستر على مرضه خشية أن يعلم الآخرون به، ويتفاوت هذا التستر من مجتمع لمجتمع، بل في داخل المجتمع نفسه يتفاوت من طبقة لطبقة، وتجد الإحساس بأن المرض النفسي شيء فظيع وعار في الطبقة الوسطى من المجتمع،ولا يمر بهذه الفظاعة في الطبقتين سواء الطبقة العليا أو المتدنية.
ويضيف المريض النفسي يذهب للعيادة النفسية في حالتين، الأولى بعد أن يفشل علاجه عن طريق المشايخ فيأتي إلى الطبيب النفسي حاصلاً على دعم ورخصة من المحيطين به سواء الأسرة أو العائلة، والنموذج الثاني يملك الفهم والوعي الكامل بضرورة استشارة الطبيب النفسي وهذا النوع يزداد الآن بصورة كبيرة دلالة على زيادة الوعي عند الناس بأهمية استشارة الطبيب النفسي... ويتراجع الإحساس بالخوف عند المريض من الطبيب النفسي عندما يجد نفسه في أحسن حال وأفضل مما كان عليه، وأن عمله تحسن وعلاقاته بالآخرين أصبحت ناجحة وكأنه كان مصابا بنزلة برد ومن الله عليه بالشفاء.
وتعتقد (فاطمة) أن الخلاص من القلق والاكتئاب وهول الصدمة التي عصفت بها نتيجة فقد زوجها أنها عجزت عن الخروج من حالتها هو خيارها الوحيد بالالتقاء بالطبيب النفسي, وخوفاً من كلام الناس وجدت أسرتها أن الذهاب له هو الأفضل ولكن من دون أن يعلم أحد خوفاً على سمعتها كأن في الأمر نوعاً من العيب, فلو عرف الخُطاب أنها تعالج عند طبيب نفسي, وافتضح أمرها لتعاملوا معها على أنها مجنونة؟.
وتقول نعم لاتزال مراجعة الطبيب النفسي وللأسف الشديد محوطة بكثير من المفاهيم السلبية الخاطئة. وعدم معرفتهم أو تفهمهم للمفردات والعبارات المستعملة في هذا الاختصاص، والناس تخاف من الشيء الذي تجهله لأنها تقرنه بالجنون أو التخريف أو الشخصية المهزوزة الضعيفة، وفي الحقيقة ميدان الطب النفسي أوسع بكثير فهو يهتم بمشاكل كثيرة كالخوف والقلق والاكتئاب إضافة للمشكلات النفسية عند الأطفال كمشكلات الإعاقة الذهنية،?
غير أن هناك مشكلات نفسية واضطرابات شديدة في السلوك والتفكير في إطار ما نسميه بالذهانات وهذه الحالات لا تخفي نفسها والناس تلاحظ على المريض اضطرابه وليست زيارة الطبيب هي التي تكشف حالته؟.
ويشير خالد إلى أن تجربته مع المرض النفسي السابقة أفرزت لديه معلومة مهمة وهي أن المريض النفسي شبه متوقف عن ممارسة الحياة، وهو شخص حساس جدا يرى أكثر مما يراه الآخرون، وله القدرة على إيجاد علاقات بين أشياء ليس لغيره القدرة على كشفها وهذه أحياناً مشكلته... والتشخيص السليم له هو أنه إنسان متوقف لفترة وسينطلق، ويحتاج فقط لمن يساعده على هذه الانطلاقة بمجرد فك التشابكات النفسية التي تعرقل مسيرته في الحياة.
ويقول من هذا المنطلق أنصح بأن يتوجه كل مريض يرى أنه في بدايات مرضه النفسي مراجعة الطبيب ولايلتفت إلى كلام الناس ونظرتهم فحياته أهم، أقول عندما يذهب المريض للطبيب النفسي تكون لديه فرصة عظيمة ليرى مرضه ويعالجه لأن التفاعلات النفسية تكون تشابكات تحتاج لمزيد من الوقت لفكها وحلها بمعنى أن جرح المريض النفسي قديم جداً وهو يتحمل نزيفه الداخلي منذ سنوات طويلة ولايذهب للعيادة النفسية إلا بعد أن يفقد السيطرة على هذا الجرح، ولذلك العلاج النفسي هو فتح الجراح وتنظيفها حتى الشفاء منها على عكس العيادة الجراحية التي يتم فيها إغلاق الجراح ووقف النزيف ومن هنا يجب أن احترم خوف المريض جدا، ورغبته في الشفاء السريع.
من فهم الطب النفسي؟
يقول (محمد) أنا أحد أولئك الذين يؤمنون بأهمية الطب النفسي، ولي تجربة مع والدتي التي كادت أن تقتل نفسها بسبب جهلنا السابق بمفهوم (لامانع من زيارة طبيب نفسي) فبعد أن مللنا من تخبطات الأطباء الشعبيين وتخرصات العامة توصلنا بحمد الله إلى طبيب مختص فأشار علينا بعلاجها بعيادته وهذا ماتم بالفعل وقال لنا تأخركم في زيارة الطبيب فاقم المشكلة وسيترتب على ذلك بطء العلاج، وعموماً والدتي الآن بعافية بفضل الله ثم بفضل الطب النفسي.
ويصنف (صالح) نفسه من الذين فهموا أهمية الطب النفسي ويقول مررت بأزمة نفسية اعتقدت أنها عيناً ثم مساً إلى أن وصل بي الأمر إلى اعتقادي بأني مسحور. فبعد أن لجأت لطبيب سعودي مشهور في مجال الطب النفسي وجدت نفسي أعاني من انفصام في الشخصية فتدارك هذا الطبيب بفضل الله ثم بحسن فهمه لحالتي الخطر الذي داهمني بعلاج ممتاز حتى عدت لطبيعتي ولحياتي فكأني ولدت من جديد.
تشويه الطب النفسي
يرى البعض صورة الطبيب النفسي في الإعلام، وخاصة في السينما صورة مشوهة إلى حد كبير فكيف يراها الطبيب بنفسه؟.
يقول الدكتور محمد عبدالسلام المدير الطبي بمستشفى الصحة النفسية بمدينة بريدة: صورة المعالج النفسي في السينما ليست مشوهة إلى هذا الحد، فهي صورة قد تكون مساعدة للناس على فهم ضرورة اللجوء إلى الطبيب النفسي وزيارته كلما أحسوا بآلامهم النفسية، ولكن الصورة النمطية التي ترسخت عن الطبيب النفسي في ذهنية المتابع للأعمال الدرامية تقترب إلى الشخصية المضطربة غريبة الأطوار التي ربما أصابتها العدوى من كثرة الحالات النفسية التي تتعرض لها، لذلك أقول: إن الطبيب النفسي انسان متصالح مع نفسه ويتعامل مع كل جديد على شخصيته بسرعة فائقة وإذا فقد القدرة على ذلك لابد أن يرفع الراية البيضاء ويتوقف عن علاج المرضى، فالفرق بين المعالج والمريض كبير جدا، المعالج انسان له القدرة على حل مشاكله ويستطيع أن يواجه نفسه، ولا مانع في ذلك فكلنا بشر نمر بظروف نفسية في مجتمعنا المعاصر، ولا مانع أن يرجع إلى زملائه لو هناك مشكلة تضايقه لأن العلاج النفسي أمانة ولو فقدها لحس المريض بها وبالتالي يفقد التواصل وسيصبح عمله مجرد مهنة يتكسب من ورائها... بالعودة إلى الأفلام السينيمائية التي أظهرت المعالج النفسي محاصراً بالمشاكل النفسية ويعاني من المرض النفسي وذهبت إلى أبعد من ذلك في تصويرها للمعالج على أنه مريض يخضع لعلاج المريض الذي طرق بابه وهذه صورة تضخيميه هدفها الكوميديا ورغم ذلك هي صورة فيها فن كبير توضح أن كل انسان له مشاكله الخاصة التي تؤرقه بعيدا عن كونه معالجا أو مريضا والفرق كما قلت: إن المعالج يستطيع أن يتعامل مع مشاكله على عكس المريض.
مفهوم الخاطئ
الأستاذ عبدالرحمن بن محمد البليهي مدير مستشفى الصحة النفسية بمدينة بريدة يرى أنه مازال المرض النفسي في بلادنا خاصة وفي البلاد العربية بشكل عام يشكل وصمة عار يداري عليها الأهل ويتكتمون عليها حتى لا يفتضح أمرهم ويعلم الناس بوجود مريض نفسي أو كما يطلق عليه البعض (مجنون) في نطاق الأسرة، ونتيجة هذا الجهل بطبيعة المرض النفسي وإمكانية علاجه كأي مرض عضوي والشفاء منه تتدهور الحالة وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى تركه في الشوارع مما يعرضه للخطر أو حبسه في المنزل دون مساعدته على الشفاء من مرضه.
ويضيف الأستاذ البليهي قائلاً: والبعض الآخر يفكر بأن المرض النفسي يكون مرادفاً لمس الشيطان أو الجن، ونتيجة لهذا الجهل تجدهم يتجهون للعلاج الشعبي الذي يزيد المرء سوءًا، ويزداد الأمر خطورةً مع توقع زيادة أعداد المرضى النفسيين على المستوى العالمي، وهو ما تؤكده الأرقام في أحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية بأن معدلات الإصابة بالأمراض النفسية في تزايد مطرد حتى أصبحت تشكل أكثر من 14% من جملة الأمراض المنتشرة في العالم كله، بما يدفع مايقرب من مليون مريض نفسي إلى الانتحار سنوياً.
لذا تسعى حكومتنا الرشيدة بكافة السبل لرفع مستوى الخدمات الصحية التي تقدم للمواطنين وذلك من خلال زيادة مستشفيات الصحة النفسية بمناطق المملكة وافتتاح عيادات نفسية في المستشفيات العامة وهذا يدل على أن مفهوم الطب النفسي قد أخذ يتضح بضرورته، ولذلك فإن الدولة تقدر الحاجة الماسة لوجود المستشفيات والعيادات النفسية لعلاج المرضى كما تفعل - أيدها الله - في التخصصات الأخرى.
ويقول يجب أن نغير المفهوم السائد عن المرض النفسي وأهمية زيارة الأطباء والمختصين حتى نستثمر جهود الدولة وعمل وزارة الصحة في إعادة المرضى لأوضاعهم السابقة وبالتالي عودتهم لطبيعتهم سواعد في بناء أمتنا، ولذلك لابد من مساهمة وسائل الإعلام والأطباء النفسيين في نشر التوعية والثقافة ومحو أمية المجتمع بالطب النفسي,وإن الصورة الحقيقية لهذا العلم يجهلها كثيرون ومن بينهم عديد من أسرنا فلربما زيارة مريض لطبيب نفسي تنهي معاناته عاجلاً بإذن الله؟.