Al Jazirah NewsPaper Saturday  07/02/2009 G Issue 13281
السبت 12 صفر 1430   العدد  13281

إلى دار النعيم يا عمي
عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز الخريف

 

وكل مصيبات الزمان وجدتها

سوى فرقة الأحباب هينة الخطب

مصائب الدنيا جمة تعاود الإنسان بين الفينة والأخرى، مكدرة صفو حياته، وكل ما يعقبها من ساعات أنس وراحة بال، ومسرات قد تنسي المرء ما مر به من أحزان وآلام المصائب وتجعله دالهاً وسارحاً في فلوات العمر، لاوياً عنق ذاكرته تلقائيا عندما يرتاح خاطره ليستعرض أشياء قد مر بها في حياته ليجدد عهده بها، فما أشبه مخزون الذاكرة بالشريط السينمائي الذي يعرض ما أودع به من مخزونات متعددة، ومتنوعة المناظر والمواقف، فيجد في ذلك سلوى ومتعة تدب في جوانب نفسه وتسكن بين جوانحه، ولكن ما يلبث أن يعاوده طبع الليالي من منغصات الحياة وأحزانها التي طبعت على كدر، وفجائع موجعة للنفوس، ففي صباح يوم الأحد 7- 12-1429هـ كنت منسجما بمشاهدة جموع الحجاج وتموجاتهم الهائلة عبر شاشات التلفزيون منصتا بكل جوارحي لسماع التلبية ودعواتهم وتضرعهم للمولى بأن يرحمهم ويغسل ذنوبهم، وظللت في تلك اللحظات متابعا موكب الحجيج القادم معظمهم من أماكن نائية بل ومن أطراف الدنيا رجاء رحمة رب العباد لهم ولذويهم، فإذا برنين الهاتف يناديني، وعندما أصغيت إلى سماعه فإذا هو يحمل خبرا أفزعني وأفزع أسرتي حادث سير مؤلم تعرض له عمي الغالي الشيخ ناصر بن عبد الرحمن الخريف سببه شاب طائش متهور قطع الإشارة عمدا فاصطدم به وبسيارته فأودع بقسم العناية المركزة مدة أسبوعين تقريبا حتى توفاه الله قبل مغرب يوم السبت 22-12-1429هـ - رحمه الله - فالله حسيب المتسبب، وكان وقع ذاك الخبر على قلبي وقعا موجعا جدا خلت أن الأرض من تحتي تدور من هول وقع مصيبتي فيه - كان الله في عون أبناء عمي ووالدتهم وجدي بل وجميع أسرتنا - وكان عما صالحا محبا للبذل في أوجه الخير والإحسان، محبوبا لدى أسرته وجيرانه، ولدى مرؤوسيه وزملائه في الأعمال التي زاولتها في إمارة المنطقة الشرقية وأخيرا بإمارة الرياض، وقد تفرغ بعد التقاعد المبكر لتربية أنجاله وتوصيل القصر منهم بنفسه إلى مدارسهم ذهابا وإيابا على الرغم من تباعد المسافة بين كل مدرسة وأخرى بنين وبنات حتى كبروا وتزوج الكثير منهم، واشتدت سواعد البقية معتمدين على الله ثم على أنفسهم مما جعل الخاطر مرتاحا لوضعهم الآن بعد رحيل من كان عونا لهم يرعاهم ويحقق مطالبهم - تغمده الله بواسع رحمته - وكان بارا بوالديه واصلا لإخوته وأخواته بل وجميع أسرته وأقاربه فهو صافي القلب طاهر النفس لا يذكر الناس إلا بالخير معرضا عن مساوئهم وأعراضهم، ومما خفف عنا وطأة الحزن والفراق ما شاهدناه من كثافة المصلين عليه بجامع الملك خالد بأم الحمام رجالا ونساء لم نشهد له مثيلا، كذلك كثرة الأشخاص الذين توافدوا على منزله من كلا الجنسين معزين لنا طيلة أيام العزاء، فقد فاضت الطرقات والمساحات المحيطة بمنزله ومجمع سكن أبنائه بأرتال السيارات، بل إن رنين الهواتف لا يتوقف لمواساتنا من الداخل ومن الخارج - جزاهم الله خيرا - ونرجو أن يكون ذلك من بشائر الخير وحب الله له، فشهود الله في أرضه، وكان عمي عطوفا علينا في صغرنا يداعبنا ويأتي بما يؤنسنا ويفرحنا:

تولى وأبقى بيننا طيب ذكره

كباقي ضياء الشمس حين تغيب

وعندما مرضت جدتي أستاذن من الوالد الجد عبد العزيز بأن ينقلها من حريملاء إلى الرياض معللا ذلك بأن تكون على مقربة من المستشفيات المتخصصة هناك، وبجانب زوجته أم عبد الرحمن ابنة أختها - رعاها الله - ورحم عمنا البار - حتى انتقلت إلى دار الخلود مودعة هذه الدنيا، وكانت قبيل رحيلها تطيل النظر في محيا كل واحد منا عند زيارتنا المتكررة لها، وبداخلها ما به من لوعات الفراق لأنها تحس وتجن بين جوانحها بأن أيام عمرها المقدرة في اللوح المحفوظ قد قارب منتهاها، فالبعض منا يحس بأن تلك النظرات المرطبة بدموعها نظرات مودع تصب في مهجنا ذرات التحسر على فراقها وبعدها عنا، كما أنني لم أنس آخر لقاء بعمي ناصر وهو يودعني، ولم أعلم بما في ضمير الغيب أن ذلك آخر نظرة إلى العم سمح المحيا، ولقد أجاد الشاعر الكبير الأستاذ محمد بن سليمان الشبل في تصوير لحظات الوداع ولوعات الفراق حيث يقول:

يوم الوداع وهل أبقيت في خلدي

إلا الأسى في حنايا القلب يستعر!

ولقد توالت الأحزان على جدي الأستاذ عبد العزيز بفقد والديه وبرحيل أعمامي محمد وعبد الله، وعماتي: سارة أم الشيخ علي بن إبراهيم العجاجي، ومنيرة أم عبد العزيز القضيب، الأستاذ بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم. وطرفة أم الشيخ صالح بن عبد الله العجاجي، وأخيرا عمنا الحبيب ناصر (أبو عبد الرحمن) - رحم الله الجميع - ولسان حالي يردد هذا البيت:

كم راحل وليت عنه وميت

رجعت يدي من تربه غبرا!

ويقول الآخر:

وكل أخ مفارقه أخوه

لعمر أبيك إلا الفرقدان

ولئن تسببت الأقدار في غيابك عنا، وأخفت جثمانك الحفر فإن سيرتك العطرة وأفعالك الحسان باقية في قلوبنا وقلوب محبيك مدى الأيام:

فإن تك غالتك المنايا وصرفها

فقد عشت محمود الخلائق والحلم

تغمدك الله يا عم بواسع رحمته، وألهمنا وذريته وعقيلته أم عبد الرحمن، وجدي عبد العزيز والعمة أم محمد وجميع أسرته ومحبيه الصبر والسلوان {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

طالب بجامعة الملك سعود


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد